الفنان الفوتوغرافي التهامي الناضر:
ترجمة وتقديم: إبراهيم أولحيانتقديم:
ولد التهامي الناضر سنة 1958 بالدار البيضاء ( المغرب)، بالمدينة العتيقة، وهاجر وعائلته إلى فرنسا وهو في سن الثامنة، واستقروا في ( لاكوروبنوف) إحدى ضواحي باريس. سيعرف الناضر سلسلة أحداث في حياته كانت السبب المباشر في بناء عمله الفوتوغرافي الخلاق؛ فبعد موت والده، سيفجع بموت أمه التي جاب معها مستشفيات باريس، إثر إصابتها بمرض السرطان، هذه الأم التي كانت تربطه بها علاقة عميقة، وإليها يرجع الناضر بشكل أساسي عمق عمله الذي يمكن أن نسمه بـ ‘ الضوء والعتمة’ أو كما سماه فرنسوا أوبرال بـ ‘ الضوء الأسود’؛ هذه العتمة المضيئة، التي سكنت طفولته وهو يساعد أمه أثناء اشتغالها على نسج الزربية، بإضاءة عملها حاملا شمعة في سواد الليل. هكذا يصبح ‘ الضوء هو الفعل الذي يأخذك إلى الأسود الأكثر عمقا’ ( الناضر)، ويجعل أعمال الناضر تنتشي بهذا الأسود الباذخ الذي يكشف عن نورانية، ويمنح معنى لأشياء الحياة.
يمكن أن نصف الفنان الفوتوغرافي التهامي الناضر بالرحالة، حيث تجربة الفنانين الكبار تتجه نحو اختراق الحدود، والبحث عن المعنى في أماكن قصية، لذلك نجده قد أقام في النرويج ثلاث سنوات، وفي جنوب شرق آسيا أربع سنوات، بالإضافة إلى إقامات في: تايلاند، بيرمانيا، ماليزيا، النيبال، نيويورك.. فتجربة السفر، وتغيير مكان الإقامة تجعل الفنان يتعلم كيف ينظر، وبالتالي يغوص إلى أعماق ذاته لاكتشاف جوهر الحياة، والصعود بتجربة فنية ذات فرادة خاصة.
وانطلاقا من الأعمال التي أنجزها الناضر، سيحصل على عدة جوائز: الجائزة العالمية للتصوير الفوتوغرافي ( 1976)، جائزة المصورين الشباب ( 1987)، جائزة ليوناردو دافنتشي ( 1988)… وستعرف أعماله أيضا إقامة في أكبر المتاحف العالمية.
يتجاوز الناضر في عمله الفوتوغرافي كل توثيقية، مبتعدا عن التلصص، واقتحام حميمية الآخرين، وذلك بالاقتراب من موضوعه، بإزاحة أي وسيط، لذلك حذف المنظار من آلته التصويرية، وترك للصدفة أن تلتقط الأساسي والعميق. يقول: ‘ أنا المنظار ذاته’. بالإضافة إلى أن الجزء الكبير من عمله يأتي بعد سحب الصور والاشتغال عليها في مختبره، حيث لا يعتمد على الضوء الذي تمنحه آلته الفوتوغرافية فقط، بل يصنع ضوءه بالعمل على الأبيض والأسود مثل الفنان التشكيلي، فهو ‘ يرسم ما تطمح إليه ريشة كبار الرسامين، وباللعب على الضوء والعتمة يخط أبعد من ذاكرة كل ضوء وكل عتمة'( كاظم جهاد)، وهو نفسه يؤكد ذلك حيث يقول: ‘ عملي ينتمي إلى الفن التشكيلي أكثر مما ينتمي إلى الفوتوغرافيا’. عن هذه التجربة الفريدة والمتميزة يتحدث هذا الحوار، الذي نقدمه للقارئ العربي، ليكتشف معنا الفنان المغربي العالمي التهامي الناضر، الذي لم يشتغل في عمله على تصوير القضايا الكبرى، بل ينطلق من أشياء صغيرة وبسيطة، ليولد منها دلالات عميقة، تحفر بعيدا لتجلو عمل الزمن في حياة الإنسان. الحوار:- أعتقد أنه يجب أن نبدأ من البداية، كيف أصبحت فوتوغرافيا؟ أو إذا كنت تفضل ذلك، ما الذي حفز فيك الصورة الفوتوغرافية؟- لا يمكنني أن أتحدث عن الصورة الفوتوغرافية دون أن أتحدث عن حياتي، ورغم ذلك فمن الصعب بالنسبة لي أن أتطرق إلى هذا الموضوع في عجالة، لكنهما مرتبطان بشكل دقيق. لقد ولدت في المغرب، وترعرعت في لاكوروبنوف بالضاحية الباريسية. وهناك لم يكن عندنا الخيار: نصبح مجرمين أو رياضيين. وضعت لي أمي آلة التصوير بين يدي، قبيل وفاتها، لأنها، وبشكل غريزي، اعتقدت أن ذلك سيحميني. كانت قلقة جدا من فكرة أنني سأصير مدمنا على المخدرات أو لصا. وما لا يمكن أن أنساه أبدا أن أمي كانت تدرك بأنها ستموت، وأرادت أن تمنح معنى لحياتي.- إذن كانت أمك مشاركة بشكل كبير في مسارك نحو الصورة الفوتوغرافية، لكن هل كانت هي ذاتها مهتمة بالصورة الفوتوغرافية، وكانت ترى فيها وسيلة بالنسبة إليك من جهة، لكسب حياتك، ومن جهة أخرى، لخلق هوية جديدة بها، تساعدك واقعيا على الخروج من وسطك…- لا، هوسها الوحيد كان هو أن تجنبني الأخطار، حتى لا أصير خارج القانون. بالإضافة إلى ذلك فقد تعلمت، على المستوى التشكيلي، كل شيء منها. في المغرب كانت أمي تنسج الزرابي، وفي محترفها، حيث لا وجود للكهرباء ولا للسقف، كنت أمسك لها شمعة، أثناء اشتغالها. لقد كبرت بين ألوان الزرابي وفي سواد الليل، والنجوم التي تلمع. أتذكر، وأنا طفل، أنني كنت أنظر إلى السماء المظلمة، المليئة بالنجوم وكنت أعتقدها كائنات إنسانية، كنت خائفا لأنني كنت أستشعر أن شيئا مرعبا سيقع لنا. هذه الأماسي الطويلة التي قضيتها معها خلقت عندي جمالية أتاح لي الزمن اكتشافها. سنوات بعد ذلك، وجدت في طريقة سحبي الصور، إضاءة السواد، وهو كل ما أدين به لأمي. – هل بإمكانك أن تحدد بدقة في أي مرحلة، وفي أي مكان كان هذا التفاعل بينك وبين أمك؟- العلاقة بيني وبين أمي لم تتوقف لحظة واحدة. ونقطة البداية كانت في بلدي الأصلي، واستمر ذلك في فرنسا. فعندما هاجرنا إلى هذا البلد الآخر، هذه الثقافة الأخرى، وهذه اللغة الأخرى، أصبحنا غرباء، بل نحس نفس الشيء حتى عندما كنا نعود إلى ‘بلادنا’ المغرب. لقد كبرت بين الثقافتين. كنا ‘بين بين’، وكما نقول في فرنسا: ‘المؤخرة بين كرسيين’.- هل بإمكانك تحديد سنة بداية تحولك إلى مصور فوتوغرافي؟ – في سنة 1974، بدأت التصوير في الشارع، بل لقد أنجزت صورا أحرزت بها جائزة في اللقاء الدولي للتصوير الفوتوغرافي لأرل (Arles). كان هذا منذ ثلاثين سنة. وبعد مدة أصبح سهلا بالنسبة لي أن ألتقط صورا على عجل مثل نشال. لقد كانت لي مشاكل مع هذه الصور التي تعتبر، في الوقت نفسه، سهلة وفرجوية، وليس لها أفق بعيد. في الشارع يمكننا دائما التقاط صور في غفلة عن الآخرين. ويبدو لي سهلا الذهاب إلى الهند أو إلى إفريقيا لتصوير الآخرين، وبعد ذلك الرجوع لعرضها في فرنسا، لتصبح بعد ذلك نجما. أقول دائما: من هو المصور الفوتوغرافي؟ هل هو أنا الذي أمتلك آلة التصوير أو هو الموضوع؟ من يصور من؟ فأن أتوفر على آلة تصوير لا يمنحني الحق في الالتصاق بحياة الآخرين. وإلى عهد قريب اعتقدت أن التصوير الفوتوغرافي يستوجب، بالنسبة لي، وجود جسد مقابل جسد، لهذا كان لا بد لي من أن أقترب من الآخرين أكثر ما يمكن، واستعمال بؤرة واسعة، لا أن أقسمهم بصريا فقط، أو أن آخذ لقطات كبيرة، بل العمل على الكشف على الأهم. والانفصال عن منهجيتي الأولى في التصوير كان يوم دفن أمي. لقد تغير كل شيء في هذا اليوم الملعون. كنت في هذه المقبرة وكانت معي، كالعادة، آلة تصويري، لكني لم أحس أن لي الحق في أن أبقى بعيدا عن التأثر، وأن أصور تمزق عائلتي وحزنها، حيث وجدت ذلك غير لائق. كنت أرى أيديهم تصرخ من الألم. هنا فهمت أن التصوير الفوتوغرافي لا يكمن في الوثائقي، بل في المتخيل، وهو ما قد يبدو متناقضا. كان علي مراوغة الواقع. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد التصوير الفوتوغرافي يرتكز عندي على إعادة إنتاج الواقع. فبطبيعة الحال، الصعوبة تكمن في تعلم النظر والاقتراب دائما من الناس، وعلى الناس أن يعلموا أنك حاضر، وأنك لا تسرق صورهم. والمجازفة، على المستوى التشكيلي، والفيزيقي، تكمن في عدم معرفة ما إذا كان الناس سيتقبلون للتو المشاركة في هذا العمل.- وقد جاء الوعي بما يتصل بالصورة الفوتوغرافية في مجمله مع موت أمك، وهذا مهم لأن هذا يحيلنا على الخطاب حول الصورة الفوتوغرافية عند رولان بارت في كتاب ‘العلبة النيرة’ (La chambre claire) المرتبطة أيضا بلحظة غياب أمه، التي لم يعد قادرا على رؤيتها سوى في صورة امرأة شابة. فهذا الارتباط بين الأمومة والصورة الفوتوغرافية مهم جدا، ومضيء جدا إذا ما ربطناه بنظريات رولان بارت حول الصورة الفوتوغرافية. لكن لنعد الآن إلى عملك الخاص؛ العمل الناضج، ذاك الذي اشتهرت به: عتمة الأسود الشديد مع هذا الضوء في المركز. كيف وصلت إلى هذه الرؤية؟ لأنه يوجد هنا تفرد ما، يوجد شيء يمكن إرجاعه للتهامي الناضر؛ أسلوبك الخاص بمعنى ما.- إن دفن أمي قد كفنني إلى الأبد، ودخلت إلى الظلام. فمنذ ذلك اليوم الملعون لم تفارقني فكرة البحث عن ألوان خيوط صوفها، وقد اشتغلت على الصورة الفوتوغرافية بالألوان، لكن هذا بدا لي سطحيا تماما وحكائيا. ورأيت أنه لإضاءة هذه المأساة أحتاج إلى سواد ما، هكذا انكشفت لي هذه النورانية. وبهذا المعنى أحسُّـني قريبا من رواد الصورة الفوتوغرافية.- منهجيتك في العمل شخصية جدا. لنتحدث عن سيرورة عملك، والطرائق التي تستعملها لخلق صورك الفوتوغرافية؟ – إن معنى عملي يكمن في جعل الأهم ينبثق، ولم يكن عملي أبدا تزويقيا. فصوري تتوقف على اللقاء وعلى الضوء فقط. إنني أشتغل في الحركة، ولا أستعمل المنظار، فليس هناك وسيط بين نظري والموضوع، فأنا المنظار ذاته. كيف يمكن أن نصور بإغلاق عين واختلاس النظر من ثقب قفل؟ فأنا لا أعتبر آلة التصوير بندقية ذات منظار. أن تكون حاضرا، وأن تنظر مباشرة هي طريقة للانفلات من التلصصية، بالإضافة إلى ذلك فكل صورة تأخذ مني ما بين 12 ساعة و15 ساعة من العمل بالنسبة للسحب الأول، فأنا حاضر بشكل كامل. أقوم بإضافة الإنارة، والتسويد والتبييض، وبرسم أقنعة. لا بد أن أجد دائما هذا الأسود الذي يضيء ويمنح دلالة. إذن فأنا بعيد عن هؤلاء الفوتوغرافيين الذين بمجرد ما يتوفرون على نيغاتيف مقنع يقدمونه لمختبر التصوير. فالضوء هو الفعل الذي يقود إلى الأسود الأكثر عمقا.- صورك الفوتوغرافية محددة سلفا، بشكل دقيق، بالموضوع الذي تريد معالجته، أليس كذلك؟ بالنسبة لمشروعك الجديد أو على الأقل ما أعتبره المشروع الأكثر اكتمالا لأعمالك الجديدة- مبني على أحداث 11 أيلول ( سبتمبر). هل بإمكانك أن تحدثنا قليلا عن هذا المشروع؟- عندما استيقظت في نيويورك، ذاك اليوم، وأدركت هذه المأساة المرعبة، قلت في نفسي أنه يجب أن أفعل شيئا ما، وكل ما أعرف أن أقوم به هو أن أصور. وبذلك ذهبت إلى ‘Ground zero ‘، كنت خائفا جدا، لأنهم يمكن أن يعتقدوا أنني إرهابي. وأن تصور من دون رخصة ممنوع منعا كليا. ويمكن أن يـُقبض علي وتـُصادَر أدواتي وأفلامي. ولا بد من أن أعترف بأنني لم أعرف مثل ذلك الخوف في حياتي أبدا. وبهذا الخوف، وهذا الغضب الذي كنت أحمله اشتغلت. لقد كان فعلا يوما جميلا، وأن تكون هناك وترى الشمس السوداء، وتشم تلك الرائحة كان شيئا مؤلما، فهو شيء لن أنساه أبدا. فأنا أصور دائما عن كثب، ولم أكن أعرف رد فعل الناس، ورغم ذلك لم أكن أريد أن أستبدل بالزوم. لقد رفضت دائما أن أكون متلصصا. تعلم الرؤية دون اعتبار الآخرين مثل فريسة، وعدم السقوط في البورنوغرافية. لقد اقتربت من الناس أكثر ما يمكن، وهنا كان عندي مشكل وهو كيف أقترب من الواقع دون السقوط في ‘الفوتوكوبي’؟ محاولة جعل المأساة تنبثق دون منحها صورة مطابقة، لأن هذه المأساة كانت عالمية، ولم أكن أريد مطابقتها بمكان ما، لأن الفظاعة غير مقبولة من أي جهة أتت، وكيف ما كانت.- أتصور أن هذا العمل عن 11 ايلول ( سبتمبر) مثـّل لك تحديات كثيرة، وخصوصا أنه بعد مرحلة ‘ التصوير في الشارع’، رفضت تماما، أو تنكرت لأي فكرة تتعلق بـ ‘ الصورة – الروبورتاج’. كيف اشتغلت حول هذا التحدي، بتصوير ‘ أحداث واقعية’ لتستخرج منها سردا يكون في الوقت نفسه، متموضعا بشكل مادي في إطار صدمة الأحداث، ويحترم أيضا مقاييس ممارستك النقدية باعتبارك ممارسا للفوتوغرافية؟ – صحيح، أرفض دائما جعل الأحداث الراهنة في الصورة، وبما أن هذا الحدث المرعب يوجد في قلب هذا العمل، فالأمر لا يتعلق بتاتا بالوثائقية، ما دمت قد مسحت كل مرجعية وقائعية، فرجوية. وسلسلة الصور حول 11 ايلول ( سبتمبر) ليست شهادة باردة، فبالنسبة لي المسألة كانت دائما تكمن في تطويق المأساة، وموضعة ما لا نراه، ما يوجد وراء المرئي. لكن هذا غير طريقة عملي، حيث الصعوبة انتقلت لمواجهة شيء ما مباشرة، مع الخوف في الأحشاء، خوف الشرطي. عادة أنا ثقيل في عملي لكن هنا يجب أن أقوم بالأشياء بسرعة، وأن أكون دقيقا، وأن لا أسقط في المصورات المتجانسة، أي في المثير.- كنت هناك، باعتبارك مصورا فوتوغرافيا بين أشخاص كثيرين، بآلات تصوير هاوية أو محترفة، ما هي الشفرات التي تريد القبض عليها لتحكي حكاية11 ايلول ( سبتمبر)؟ ماهي الصور التي بدت لك مهمة بعيدا عن الفرجوية والرؤية المتكررة لانهيار البرجين ولألم الناس؟ ما هو نوع الصور التي تبحث عنها؟- هدفي هو أن أقول للناس أن العنف لا إنساني، وهو ما قادني إلى هذه الرؤية. فكل العالم تأثر بـ 11 ايلول ( سبتمبر)، ولهذا لا نرى مدينة نيويورك في هذا العمل. ليس هناك سوى الصرخة، وثقل الألم، ليس هناك سوى شعرية المأساة. وبالنسبة لي، فالألم يوجد في كل مكان، ففي كل مكان يتألم الناس وهو ما لا يمكن تقبله، وهذا ما يقلقني.