د. عماد عبد الرازق
كان يمكن ان أكتفي بما كتبته من قبل في اطار تناول مسلسل حضرة المتهم أبي عن الشاب أحمد جلال عبد القوي، ابن مؤلف المسلسل، لولا أنني شاهدت برنامج دعوة ع السحور علي قناة (ايه آر تي) استضافت فيه مذيعة مهووسة بالتزلف للنجوم من كل صنف، تعاني من اسهال المديح والاطراء الذي تقضي الشطر الأعظم من البرنامج في اغداقه علي ضيوفها من أهل الفن. استضافت المذيعة أبطال المسلسل وراحت توزع عليهم ألقاب التفوق وأنواط الجدارة وشهادات التفرد والابداع، وباقات الحب والاعجاب والانبهار، وكل هذه وتلك ـ كما قالت هي ـ ليست سوي عينة بسيطة من أطنان الحب والتقدير الذي أغرقت الجماهير بها أبطال المسلسل عرفانا بصنيعهم ولما أمتعوهم به طوال حلقات المسلسل. أوشكت المذيعة ان تنهار من علي مقعدها الوثير من فرط اعجابها بالمسلسل الجبار والنجاح المبهر الذي حققه والدوي الهائل الذي ترددت اصداؤه في جنبات الشارع المصري. (وقد حرصت علي أن تشير انها انما لا تفعل أكثر من نقل نبض الشارع، ونحن لانشك في أنها جسته بيديها الكريمتين البضتين) نفس هذه المذيعة تجرأت ـ علي غير عادة جلسات الأنس في التلفزيون المصري ووجهت نقدا لبطل المسلسل الشاب، بل سألت علي استحياء ما اذا كانت المخرجة رباب حسين ـ التي كانت بين ضيوف البرنامج ـ ستختار أحمد لو لم يكن ابن المؤلف محمد جلال عبد القوي. المذيعة النجيبة هبت مستطردة حتي لا تتهم بالتجني فقالت انها جاءت الي الاستديو مسلحة بالمستندات في اشارة الي مقالات الصحف التي تناولت المسلسل بالنقد وخصت الممثل الصاعد أحمد بسيل من الانتقادات علي فشله الذريع. وبعض هذه المقالات زين خلفية ديكور البرنامح بالفعل. في وجه هذا النقد القاسي انبري نور الشريف دون سواه للدفاع عن الشاب المسكين وقال انه اتصل به هاتفيا وكان منهارا بعد قراءته لهجوم الصحافة عليه. نور قال كلاما متوقعا عن كونه في مقتبل عمره (وهو طالب في الصف الثالث في معهد الفنون المسرحية)، كما أفهمه أن هذا شيء طبيعي يواجهه أي فنان في مقتبل مشواره الفني. وضرب مثلا بنفسه في فيلم قصر الشوق لحسن الأمام، وتطوع الفنان سمير صبري وضرب مثلا آخر بعبد الحليم حافظ حين ضربه الجمهور بالطماطم! كل هذا للتبرير والتعمية علي حقيقة ساطعة أن الشاب متواضع الموهبة وأن الدورأكبر منه بكثير (وهو ما قالته صحف مصرية كثيرة) وأنه لو لم يكن ابن المؤلف لما منّ عليه أحد بدور كومبارس صامت. لكن نور الشريف تفوق علي نفسه وراح ينظر نيابة عن المخرجة ليبرر اختيارها قائلا ان أحمد يؤدي دور شاب رياضي، والرياضيين عادة ما يكونون عدوانيين، يفتقدون للرقة والحصافة، (يعني تقريبا عديمي الأدب ـ هكذا أوشك أن يقول)، وان طبيعة الشخصية أنه شخص جهم، سمج، ليس حبوبا أو لذيذا، بل هو صفيق ولا يخلو من كثير من الوقاحة، ثم انه لاعب كرة سلة فلابد أن يكون طويلا. (لا فض فوك يا أستاذ). وتطوع المنتج وقال انه سمج، وآخر قال انه بجم أي يفتقد لللباقة. يعني باختصار لا علاقة لاختياره بكونه ابن المؤلف (وكل من يزعم غير ذلك فهو حاقد وموتور وغيور، وموتوا بغيظكم!). بعد وصلة النقد القصيرة هذه، عادت المذيعة اللامعة سريعا الي هوايتها في كيل المديح والثناء، فألقت في وجه نور الشريف بحفنة اطراء فرضتها فرضا عليه، فقالت له لماذا اعتذرت للجمهور في السابق عن عمل ما قدمته، مع العلم أن اي عمل تقدمه ولا يلقي اعجاب الجمهور لا يكون خطأ منك بل لأن هناك عيبا في التأليف بالذات، لا.. لا.. أنت لا ترتكب أخطاء أبدا! هكذا أعلنت المذيعة النجيبة. لكن نور الشريف نفسه آثر التواضع وراح يصححها نافيا تماما كل ما قالته، فقال انه لا يعتذر بل يتحمل مسؤولية العمل بصرف النظر عن موقف الجمهور منه وأنه لا يتنصل من مسؤوليته ولا يسعي لالقاء اللوم علي المؤلف أو الآخرين، وانما يقر ببساطة أنه جزء من مشروع طموح حاول تحقيقه لكنه لم يلق استحسان الجمهور. لكن هذا الرد المفحم لم يكف المذيعة ولم يجعلها ترعوي وتتراجع عن طوفان المديح الذي ظلت مصرة علي توجيهه لنور الشريف. واختارت هذه المرة أن تشرك سمير صبري معها في الجرم، فسألته من من الممثلين العمالقة تراه في أداء نور الشريف لشخصية الأستاذ عبد الحميد، مضيفة أن البعض رأي فيه جانبا من حسين رياض، والبعض الآخر قال انه محمود مرسي، وأخرون قالوا انه يشبه عماد حمدي في أم العروسة، وهناك ايضا زكي رستم وفريد شوقي، والقائمة لا تنتهي.. المؤلف هو السبب هناك شبه قاعدة غير معلنة لدي كل من يتصدون للكتابة عن الفنانين وأخبارهم وأعمالهم (أو يستعرضونها في البرامج التليفزيونية)، في مقالات ظاهرها التناول النقدي وباطنها الدعاية والترويج والتطبيل للنجوم والنجمات. هذه القاعدة تقضي في حال فشل العمل الفني فيلما كان أو مسلسلا أن يلقي هؤلاء اللوم علي المؤلف، أما النجم أو النجمة، عيني عليه باردة منزه عن الخطأ أو الفشل، فهو في النهاية لا يملك الا أن يؤدي الدور المكتوب له. وفي هذا يقول هؤلاء لك ماذا يمكنه أن يفعل. والعيب في الورق، أي العيب علي المؤلف.
هاوي تمثيل في مسلسل حليم.. حكاية شعب تألق عدد من الوجوه الشابة في أدوار أعضاء مجلس قيادة الثورة، وبوجه خاص الممثلين الذين قاموا باداء ادوار شخصيات: جمال عبد الناصر، وأنور السادات، و المشير عبد الحكيم عامر. الممثل الذي لعب دور السادات كان في الحقيقة أكثر اقناعا من الراحل أحمد زكي، الذي كان يقلد السادات بدلا من أن يتقمص شخصيته فجاء أداؤه كاريكاتوريا. التوفيق كان حليف هذا المسلسل أيضا في اختيار أدوار الفنانين من معاصري عبد الحليم ورفاقه، مثل محمد الموجي، وكمال الطويل، وعبد الرحمن الأبنودي، وبشكل خاص صلاح جاهين لنفس السبب البسيط: أن أحدا منهم لم يسع الي تقليد الشخصية ظاهريا بل سعي لتقديم مضمونها كما استوعبه من نص المؤلف، وبالتأكيد من مصادر أخري عاصرتها أو كتبت عنها، وربما التقي بعضهم الأحياء منهم. (أما عن المسلسل نفسه فهذا أمر شرحه يطول)، لكن صاحب دور عبد الحليم حافظ نفسه فهو بالتأكيد، الي جانب الشبه الشديد بينه وبين العندليب، فقد كان أداؤه أفضل بكثير من حليم الذي رأيناه في مسلسل السندريلا، وللأسف جاء أداء المطرب مدحت صالح مشوها للغاية، ولا يشفع له قوله انه مطرب في المقام الأول ومجرد هاوي تمثيل. (يعني ايه؟ اذا كان هاويا بالفعل كان حريا به ألا يتقاضي أجرا، وليوزع الأجر علي زملائه الذين تحملوا عناء تمثيله الوحش، أو حتي علي الجمهور المسكين). تفصيل الادوار عبلة كامل: فنانة موهوبة بلا جدال وممثلة فذة ولا أبالغ ان قلت انها أفضل بنات جيلها علي الاطلاق. لكنني لم أعد قادرا علي التمييز بين أدوارها العديدة المتشابهة جدا. أداؤها لشخصية علية أخت عبد الحليم حافظ في مسلسل حليم ذكرني بأدائها في حفنة أفلام كوميدية قدمتها في السنوات الأخيرة من الليمبي بتنويعاته المقرفة، الي كلم ماما وغيرها. نفس شخصية بنت البلد سليطة اللسان، سريعة البديهة، الشرسة، العدوانية، المتسلطة، وهي تؤدي كل هذه الأدوار بنفس الطريقة تقريبا، وبخفة ظل متناهية، وأخشي أن هناك من المؤلفين من بات يفصل هذه الأدوار علي مقاسها في السينما بوجه خاص، ولذا وجب عليها الحذر من السقوط في فخ الأدوار النمطية، وهذه طامة كبري مع ممثلة في حجم موهبتها وذكائها. أم أن كله أكل عيش؟ وراء الكواليس صحيح أكل العيش مر، و وما حدش بياكلها بالساهل هذا بعض ما فهمته من النجم السوري جمال سليمان، في حوار فضائي مقتضب تحدث فيه عن تدني أجور النجوم في سورية، وكيف أن هذا يضطرهم للعمل في أكثر من مسلسل في نفس الوقت، وهذا بالطبع يؤثر علي.. ماذا؟ جودة الأداء؟ شعبية النجم؟ هذا لم يقله. لكنه ايضا أشار باصبع الاتهام الي المنتجين السوريين الذين يمارسون نوعا من المضاربات في سوق الانتاج التوزيع التليفزيوني، بهدف بخس أجور الممثلين السوريين خفضا لتكاليف الانتاج، وهو ما ينعكس علي جودة الأعمال. لكن ياعزيزي جمال الفنان ليس سائق تاكسي أو نجار مسلح، لا ليمانع في قبول الطلبيات من أي كان لمجرد أن الزبون سيدفع، ( حتي أصحاب هذه المهن لهم خياراتهم). وقد لا يكون جمال سليمان نفسه واحدا من هؤلاء النجوم المنتشرين في كل مكان، لكن المشكلة أن هذا المنطق هو الذي أدي الي هذا الانتشار الوبائي لقلة محدودة من الفنانين المصريين في كل الأعمال. ويقيني أن المسألة أكبر بكثير من أكل العيش، بل تفوح منها روائح أخري) شللية وعلاقات وهدايا وسهرات وصفقات وراء الكواليس. والله أعلم. مشكلة المسلسل جمال سليمان، مرة ثانية، تحدث بتواضع جم وبساطة عن غزوته الرمضانية الأخيرة لعقر دار الدراما المصرية في مسلسل حدائق الشيطان. وبدون مبالغة أقول أنه كان مكتسحا الملعب في دور شرير الحلقات، حضورا وتألقا وجاذبية وخفة ظل ( ومحاولة لا بأس بها في اللهجة الصعيدية ـ التليفزيونية بالطبع ـ وان كانت بعض الألفاظ كانت تخونه من آن لآخر ـ وكم أود لو أري فنانيين مصريين يجربون حظهم في اللهجة السورية). الفنان الذي يعاني حاليا من حصار جماهيري من جيوش المعجبات في مصر، تفوق في أداء الشخصية لأنه استوعب كل جوانبها الانسانية ولم يسقط في فخ الاستسهال وتقديم الشرير بشكل نمطي. فهو الطاغية المتحكم في مصائر أهل القرية، والعاشق المدله في حب حسناء القرية سمية الخشاب في دور قمر (ويا له من اسم علي مسمي)، وتاجر المخدرات الذي يدير مملكته في الخفاء، والمتآمر الذي يخطط للتنكيل بخصومه. تبقي مشكلة المسلسل التي تكمن في تأرجح تصوير الشخصيات بين نمطين: الصعيدي الفظ الغليظ العنيد، والصعيدي الطيب البسيط حد السذاجة والغباء. وللأسف فان هذه التصورات من صنع مؤلفين يفترض أنهم يقيمون بين جنبات الصعيد، مثل محمد صفاء عامر، صاحب هذا المسلسل. ناقد من مصر يقيم في امريكا