هذا العراق لمن؟
حسني ابو المعاليهذا العراق لمن؟لم تكن دجلة الخير عبر رحلتها الطويلة تحمل نفسا من المذهب السني، ولم يكن الفرات مهما توغل بعيدا في الجنوب العراقي شيعيا، فقد ارتوي من عذب مياههما كل العراقيين، صابئة ومسيحيين، سنة وشيعة، آثوريين وتركمان، عربا وأكرادا وغيرهم، تعايشوا حول ضفافهما منذ مئات السنين بمودة وسلام في إطار تداخل مذهبي منسجم وتوافق قومي متآخ، وترابط ديني متواشج، يجمع بينهم حب الله وحب الوطن. هذه الفسيفساء كانت دائما تشكل قوس قزح رائعا يزين بطيف ألوانه المختلفة سماء الوطن، ويحتمي في ظروف الشدة بحضنه الدافئ علي امتداد مساحته الغنية بالخيرات، غربا وشرقا، شمالا وجنوبا، ذلك هو العراق الذي يكفي لتحقيق طموحات جميع العراقيين بمختلف أطيافهم علي ضوء أرضية سياسية خصبة وسليمة، قوامها الانسجام والتفاهم والحوار البناء بهدف أن يقبل أحدنا الآخر في ظل نظام جديد تسوده الحرية والديموقراطية، وبعيدا عن الاحتلال.لقد مرت سنوات عجاف علي المجتمع العراقي عانت شرائحه المختلفة خلالها عذابات عصيبة لم تسلم منها طائفة دون أخري ولا حزب دون آخر، ولا قومية دون أخري، ذلك أن النظام السابق كان بكل بساطة ديموقراطيا وعادلا في قمعه الذي طال حتي أقرب الناس إليه. وبالرغم من أن النظام قد ولي بلا رجعة إلا أنه ترك بلا شك آثاره السلبية علي الإنسان العراقي الذي لم يكن أكثر حظا من ضياع وسرقة تراثه من متحف الآثار الذي حمل إرثا عراقيا وإنسانيا عمره آلاف السنين، فإذا كان التراث يمثل الماضي فإن الإنسان بحد ذاته يمثل الحاضر والمستقبل، مع العلم بأن إعادة ترميم التراث مسألة ممكنة إلي حد ما، لكن إعادة ترميم الإنسان العراقي المقهور هي المعادلة الصعبة التي تحتاج إلي وقفة جدية وجهد استثنائي من قبل جميع الأطراف المخلصة في تضميد جراحه واحتواء ما ترسب بها من سلبيات الماضي وما جلبه الاحتلال من أجل طرحها بعيدا لتفادي العدوي من أمراض التفرقة والإيغال في الأحقاد وتصفية الحسابات، كما توازيها حاجة ماسة إلي توجه ديموقراطي واع لتلافي أسباب الصراعات العرقية والطائفية والحزبية وتجاوزها وخاصة الدموية منها والتي تهدد مستقبل الوطن.والثمن الذي يجب علينا أن ندفعه هو بمواجهة المحتل، بعيدا عن مواجهة أخوة لنا في الدين والوطن، خدمة للعراق، ورحمة بالكثيرين من الأبرياء الذين يذهبون كل يوم ضحية الجهل والتعصب علي يد بعض العناصر المرتزقة من أعداء الوطن، والذين لهم مصلحة في عدم استقراره.إن ما يطفو علي السطح بين الفينة والأخري من حالات بؤر التوتر المتمثلة في الاعتداء علي مسجد للسنة هنا وآخر علي حسينية للشيعة هناك، وحوادث القتل العمد الفردي والجماعي علي أساس الهوية الطائفية ناهيك عن عمليات الاغتيالات والثارات التي طالت بعض العراقيين من مختلف الجهات والانتماءات، ما هي إلا فتائل فتن تنذر بما لا يقبل الشك بمخاطر جسيمة لا توصل إلا إلي طريق مسدود إذا ما تم التغاضي عنها، علما بأن الخلافات الداخلية ـ قومية كانت أم طائفية ـ هي أخطار توازي في حجمها خطر الاحتلال إذا لم تكن أكثر خطورة منه، والاحتلال نفسه يعتاش أساسا في الوطن علي مبدأ التفرقة ليبرر تواجده، ويجب ألا تغرينا وعوده المعسولة التي لم يتحقق منها سوي تمسكه بالبقاء لفترة أطول. والإدارة الأمريكية التي تعتبر السيد شارون جزار الانتفاضة الفلسطينية رجل سلام لن تكون رحيمة بالشعب العراقي.وبعيدا عن الأعداء والمحتلين، لابد أن نعترف بأننا نتحمل أيضا قسطا آخر من هذا العبء ومن هذه المحن التي تمر بشعبنا الحبيب بالمساهمة أحيانا في تعميق جراحه، من حيث لا ندري عبر ممارسات لا تنم عن مستوي عال من المسؤولية، وبهذا الصدد أجدني أتساءل علي الصعيد العربي الكردي ؟ ـ ألم يكن تمسك الأخوة الكورد بكركوك باعتبارها مدينة كردية أمر يدعو إلي أزمة الثقة بين القوميتين، والوطن مازال يتخبط بدماء أبنائه بفعل التفجيرات والقصف والاحتلال ؟ علما بأن الأكراد لم يكونوا يوما ضحايا العرب كقومية وإنما ضحايا الأنظمة الفاسدة التي عانت منها شرائح المجتمع العراقي بأسره، عربه وأكراده، سنته وشيعته، أنظمة احتلت مواقعها في السلطة بطرق غير مشروعة، أما اليوم فإن الديمقراطية هي الضمانة الفعلية لطرد المحتل واسترجاع الحقوق لكل المواطنين بالسبل السلمية وبالاقتراع والحوار وبالانتخابات التي توجت باعتلاء مواطنا عراقيا من الكورد كرسي السلطة، فكانت البصرة وبغداد وكركوك والموصل وكل العراق تحت سيادته، ولم يعترض أي مواطن عربي من أية مدينة عراقية علي قرارالشعب، فلماذا هذا الإصرار علي كركوك من أجل أن تكون كردية؟ ولماذا لم تبق عراقية في ظل تنوع أطيافها؟وعلي الصعيد الطائفي أتساءل أيضا. إن الله سبحانه وتعالي لم يأت لكل مذهب بكتاب، ولم يوزع المسلمين إلي مذاهب وطوائف. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون صدق الله العظيم. ولم يقل سبحانه وتعالي، ولا تموتن إلا وأنتم شيعة أو سنة، فلماذا لا نتمسك بما جاء به كتاب الله في قوله تعالي واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ؟ولماذا يختلف المسلمون من الشيعة والسنة علي المناسبات والشعائر الدينية كالأعياد والصلوات والأذان وهم في وطن واحد؟ وتحت سماء واحدة ذات هلال واحدماذا تعني المطالبة بفيدرالية للعرب الشيعة في الجنوب وأخري للعرب السنة في الغرب علي أساس طائفي؟ ألم يكن ذلك خطوة سلبية علي صعيد تقسيم العراق؟ ألا نظلم إخواننا السنة عندما يتهم البعض النظام السابق بانحيازه لهم، علي اعتبار أن رأس النظام كان ينتمي إلي هذه الطائفة؟ علما بأن حكومته كانت تضم عناصر من كل الأطياف، ساندته ووقفت بجانبه وشاركته في القهر والظلم بملء إرادتها،! تلك هي ثقافة القمع التي قد تولد وتترعرع من رحم هذا المذهب أو ذاك، ومن رحم هذا الحزب أو ذاك، ومن رحم هذه القومية أو تلك، حسب النشأة الموشومة بمركبات النقص. إن الكثير من القنوات العربية ـ وللأسف ـ قد ساهمت بشكل مقصود وسمج في ترويج الصراع الطائفي في العراق علي أساس سنة وشيعة، إن جل المجتمعات تحول متناقضاتها إلي مصدر للحركة بهدف البناء والنماء، خصوصا عندما يتم الاتفاق علي صيرورتها بوعي مشترك إلي ما يخدم مصالح جميع الأطراف، أملا في الوصول إلي حياة أفضل، فلماذا لا نستثمر ما نتمتع به من هذا التنوع والاختلاف بشكل ايجابي ليصبح سببا للائتلاف لا سببا للخلاف؟ وفي هذا السياق تحضرني قاعدة لونية في مجال التشكيل تدعي ـ بألوان التكامل ـ تتحدث عن ثنائية تحيلنا أول وهلة إلي أننا أمام عنصرين مختلفين من الألوان ثم نكتشف بأن أحدهما يكمل الآخر باعتبارهما ضدين متحابين، ومهما اختلفا فهما عاشقان في عين المتلقي. وكذلك في الموسيقي نجد ان أكثرها إبداعا وأجملها تلك التي تعتمد علي الاختلاف في الأنغام والتعدد في الإيقاعات، وعليه فإن هذه القاعدة تجرنا إلي أن الطبيعة قائمة علي مجموعة من النقائض تؤكد بأن سر جمالها يكمن في اختلافها، كالظل والضوء، واختلاف الليل والنهار، يولج النهار في الليل ويولج الليل في النهار و خلقناكم من ذكر وأنثي ….إلخ. وعلي هذا النحو فإن الاختلاف في إطار التعددية ظاهرة صحية، فلماذا نفتقد ذلك عراقيا وحتي عربيا في السياسة والدين؟بالحب يمكننا أن نعيد الابتسامة إلي الوطن، وبالحب نستعيد عافيته بعد معاناة طويلة من القهر، وبالحب نزرع بذور الثقة بين أبناء الشعب الواحد، وبالحب وبالحوار يعود الأمل إلي الملايين من العراقيين في بناء عراق حر وديمقراطي، وبالتالي لن يجد المحتل مكانا بيننا فيرحل، ويبقي العراق عراقا للجميع، تكون فيه العلاقة بين السنة والشيعة من جهة، والعلاقة بين العرب والأكراد من جهة أخري، علي درجة كبيرة من الوعي السياسي والتاريخي بحيث يحرص كل منهما علي تحقيق التوازنات من أجل الحفاظ علي وحدة العراق، ورفع مستوي السقف التضامني بين العراقيين لمواجهة الظواهر السلبية ومعالجتها بالطرق السلمية، كالتسامح والمحبة والحوار، إنها مفاتيح سحرية لو تعاملنا معها بصدق ستكون كفيلة بحل معظم هواجسنا وخلافاتنا.هناك المئات بل الآلاف من المبدعين والفنانين والمفكرين الذين اقترنت أسماؤهم بحزب النظام السابق، تبادلوا الأدوار الآن في المنافي كمعارضة جديدة خارج الوطن، قد نختلف معهم في الرأي ولكننا يجب أن نتفق معهم في الدفاع عن الوطن، فليس كل من هو بعثي يكون بالضرورة مجرما، فإذا كانت كل فئة تستلم السلطة تعمل علي نفي الفئات الأخري عملا بما جاء في الآية الكريمة: كلما دخلت أمة لعنت أختها ، ليت شعري هذا العراق لمن؟ وما الفرق إذن ما بين الديكتاتورية التي نرفضها وبين الديموقراطية التي ننشدها، إن جسد الأمة لا يتحمل جراحا جديدة، ولن يقبل بتكرار تجربة أخري يعتلي فيها ديكتـــاتور آخر. 9