هذا جسدها.. فكُلوه!

حجم الخط
0

فــاروق وادي المشهد الجارح للصبيّة المصريّة التي عرّاها جنود غلاظ يُحرِّكهم جنرالات يستشرسون في الدفاع عن مواقعهم، بعد أن اختطفوا ثورة الشّعب التي اندلعت في 25 يناير. المشهد الصّادم المهين للمشاعر الوطنيّة والإنسانيّة، يعيد من جديد طرح أسئلة الحريّة والثورة والجسد العاري بالإرادة.. والمُعرّى عنوة واغتصاباً! عندما نشرت علياء المهدي صورتها عارية في مدوّنتها الخاصّة، لم يكن في الأمر ما يثير سوى المغرمين بالتلصُّص (ومنهم كثرٌ من دعاة الفضيلة ومدّعيها). فلا الفعل نفسه كان مُقنعاً، ولا الصورة السّاذجة، التي ظلّ الضباب الكثيف يحجب معناها. فتاة صغيرة تحمل ملامح طفلة، بنهدين متضائلين وجسد تعوزه إمكانيات الإثارة، رغم الحذاء الأحمر، و’الكولون’ الأسود، والوردة الحمراء التي لم تساعدها على أن تتشبّه حتّى بـ’إيرما لادوس’. ولأعترف من جهتي أنني لم أستطع قراءة خطاب الحريّة، بمعناها السياسي، الذي أرادته الصبيّة علياء بجعل مناطقها الأكثر حميميّة مشرّعة للعيون، رغم إقراري بمبدأ حريّة كلّ شخص في اختيار أسلوبه التعبيري، سواء اتفقت معه أو اختلفت.

لم تغوني علياء بالكتابة، هجوماً أو دفاعاً أو تبريراً أو عكوفاً على محاولة تفكيك خطاب الجسد العاري وعلاقته بالحريّة والثورة. غير أن ما آلمني هو مقطع فيديو قيل إنه لعلياء (وبكامل ملابسها هذه المرّة)، عندما نزلت إلى ميدان التحرير وتمّ طردها من هناك بصورة مهينة لم تخل من تحرُّش واضح. وكان خطؤها أنها جاءت لتستجير بثورة وليدة ما زالت تصدّ يومياً هجمات عسكريّة دمويّة مميتة، وأخرى أصوليّة تكفيريّة. ثورة لم تبلغ بعد ترف السؤال حول مشروعيّة خطاب الجسد والعري والثورة. لكن عري علياء في الحقيقة، أنجب بضع لوحات واسكتشات جميلة استثمرت وقفتها العارية وتعاملت معها كـ’موديل’، فكانت الإيجابيّة، ربما تكون الوحيدة، التي تحققت من ذلك العري السّاذج.

لم تكن علياء رائدة في اقتراح العري الاحتجاجي (حتى لا نخطئ ونقول الثوري). وإذا ما قفزنا عن تجارب كثيرة في هذا المجال، فرديّة وجماعيّة، في أوروبا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينيّة، فإننا نكتفي بالإشارة إلى تجربة امرأة عربيّة، مارستها قبل سنوات الفنانة التشكيليّة السوريّة هالة الفيصل، حين وقفت في ساحة واشنطن بارك في نيويورك، متجرِّدة من كامل ملابسها، ومتخذة من جسدها يافطة تحمل شعاراً بالعربيّة والانكليزيّة ‘أوقفوا الحرب’ Stop the War، في رفضٍ مُعلن لعمليات القتل في العراق وفلسطين. وقد أوقفتها الشرطة الأمريكيّة في حينها، من دون أن توقف وحليفتها المدللة في الشرق الأوسط، عمليات الإبادة التي تمارسانها، حتّى لو تعرّي العرب جميعاً من المحيط إلى الخليج!

فالسلطات الأمريكيّة التي أوقفت المتعرية العربيّة، التي أرادت لعريها أن يكون احتجاجياً، نسيت أو تناست انتهاكات الجسد التي مارستها هي، ولجوئها إلى تعرية جسد المرأة العراقيّة بهدف إخضاعه، تماماً كما فعلت إسرائيل بنساء فلسطينيّات. وكلنا يذكر هرم الأجساد العارية الذي أقامته دولة تمثال الحريّة في سجن أبو غريب، وصور النساء اللواتي عرين هناك وتم اغتصابهن أمام كاميرات الهواتف النقّالة للجنود الغزاة. صورة هالة الفيصل (وبغض النظر عن رأينا، في العري الاحتجاجي، وقناعتنا مجدداً بحرية الإنسان/ ـة في اختيار أسلوبه/ـا في الاحتجاج)، أثارت لدى ‘حماة الفضيلة’ من الغيرة أكثر ما أثارته صور أبو غريب، لنساء انتُهكت أجسادهن في سبيل حريّة وكرامة أوطانهن، فبلغن بعريهن الإرغاميّ أقصى درجات الحريّة. أمّا الذين دافعوا عن حقّ هالة الفيصل بالتعبير عن احتجاجها بتعرية جسدها، فقد استعادوا آنذاك بيتاً من قصيدة لخليل مطران:

ما كانت الحسناء تكشف سترها لو أن في هذي الجموع رجالاًعندما تعرّت هالة، كانت الأوضاع الثوريّة العربيّة في حالة ضمور، فكنّا قادرين على بلوغ المعانى المُضمرة لغياب ‘الرجال’ عن مشهد الجموع (ليس الرجال هنا بمعنى الذكورة أو الفحولة، وإنما بمعنى الحراك الثوري لرجال الأمّة ونسائها). أمّا تعرّي علياء، وكشفها سترها بإرادتها، فقد جاء في زمن يزدحم فيه الشّارع بجموع هائلة من ذكور الأمّة وإناثها، الذين يُقدّمون أجسادهم وأرواحهم من أجل انتزاع الحريّة وتحقيق العدالة الإنسانية وبلوغ المستقبل، ما يتضاءل أمامه عُري احتجاجيّ محدود التأثير، معدوم المعنى، وغامض الخطاب!

نعود إلى مشهد الفتاة المصريّة التي عرّاها في الشّارع جنود من أبناء بلدها يأتمرون من جنرالات يستشرسون في اختطاف الثورة وتعريتها. وهو المشهد الذي استفزّ الشارع المصري (من دون أن يهزّ المشاعر الغائبة للمجلس العسكري الحاكم ومجلس وزرائه العجوز العاجز، وقوى الإسلام السياسي المنشغلة في جني غنائم الانتخابات). تلك الفتاة، التي رأى العالم في حمّالة صدرها لون النيل وسماء المحروسة، بزرقتهما الغاضبة، ورأى في بطنها المكشوف كناية ساطعة لمصر الحبّالة الولادة، فشكّلت فضيحة لمن عروها، وخزياً للشرف العسكري لمن أرسلوا قطعان جنودهم لاجتياح الأجساد الثائرة، علّهم يُخضعون أرواحهم التوّاقة الرافضة للخضوع.

عندما نهضت تلك الفتاة عن الاسفلت متكئة على عريها، في ميدان يعجّ بمثل هؤلاء الجنود، نخالها وهي تنتصب كشمعة مضيئة مباركة، مرتِّلة بخشوع أمام معرِّيها ما ردّده السيد المسيح ذات يوم بعيد: ‘هذا هو جسدي فكلوه، وهذا هو دمي فاشربوه’.. عندما نهضت، وهي تشرع عريها الحُرّ المُقدّس، فقد بدت أكثر طُهراً وجمالاً.. وأكثر اكتمالاً لخطاب الجسد المُعرّى. ولا شكّ في أنها لم تكن، في تلك اللحظة، ترى في جموع أولئك الجنود.. رجالاً!’ كاتب من فلسطين [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية