العراق مهد الحضارة وباكورة الوعي، فجر الانسان الاول، فالتاريخ بدأ في سومر، غير ان اسراب الطائرات الامريكية حلقت في سمائه كغربان خرافية تلقي بحمم الموت، وتنشر هذا الخراب الرهيب الذي يتفشى في كل ركن من بلاد الرافدين. العراق حارس العروبة الشرقي وبلاد الخير الكثير. الآن والدماء تنزف في العراق، ووسط هذا الدمار المهول، تتضح اكثر من اي وقت مضى، طبيعة المخططات الاطلسية الصهيونية، التي تستهدف العرب والمسلمين، لتمزيق صفهم، ومن خلال الحرب على العراق، التي تجاوزت حد التدمير والسحق، الى التدجين المميت، تحاول امريكا قتل امة تصر على الحياة، امة قررت النهوض من جديد. هكذا، وما ان حطت الحرب العراقية الايرانية اوزارها، تلك الحرب التي ساهمت واشنطن في إشعالها وعملت جاهدة على اطالة امدها، ما ان هدأ اوار الحرب حتى بدأ الحديث في امريكا واوروبا عن الخطر العراقي، وبدأ الاعلام الغربي يروج مزاعمه حول اسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها العراق، والمقابر الجماعية، وزعم ان العراق تجاوز الخطوط الحمر بجهوده التكنولوجية وامكاناته الصاروخية البالستية. وصار العراق منذ العام 1990 يواجه جهودا غربية اطلسية ترمي لاجهاض ابحاثه العلمية وتطلعاته في التصنيع، واعتبر البنتاغون تطلعات العراق هذه، تهديدا للمصالح الامريكية في الخليج. ان الذي يجري في العراق هو تجسيد جلي للصراع بين اطماع الولايات المتحدة الامريكية والغرب الاطلسي من جهة، وبين الطموحات الحضارية المشروعة للامة العربية الساعية للنهوض من جديد. النفط مصدر اساسي للطاقة، خاصة بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية التي تعتبر اكبر مستهلك للطاقة في العالم. لكن اكبر اكذوبة ممكن ان تنطلي علينا هي ان الامريكان غزوا العراق من اجل النفط، امريكا تسيطر بالمطلق على كل نفط شبه الجزيرة العربية ونفط شمال افريقيا ونفط نيجيريا ونفط بحر قزوين، ولا يوجد بئر نفط في العالم الا وامريكا قريبة منه. النفط دافع مهم للحرب والعدوان على العراق، لكنه ليس السبب الحقيقي، لقد غزا الامريكيون العراق واليهود من ورائهم، مدفوعين بصورة محمومة وهاجسهم كبح يقظة امة العرب والمسلمين. هكذا فعلوا في افغانستان، واتبعوا سياسة الارض المحروقة في فلسطين وينشرون الموت والخراب في جسد الامتين العربية والاسلامية ويشغلون دولنا الممزقة، إما بحروب اهلية او نزاعات حدودية وهمية. الرئيس الامريكي جورج بوش الابن، تفاخر عشية العدوان على افغانستان بأن الحرب الصليبية قد بدأت، وفي الواقع فإن الحروب الصليبية الدائمة والمتواصلة بدأ الإعداد لها غداة معركة حطين التي انتصر فيها المسلمون نصرا مبينا، وما الحقبة الاستعمارية التي امتدت لقرون إلا فصل من فصول تلك الحروب الصليبية على الموحدين بالله، وها هي الحرب الصليبية الجديدة تشتعل وتتواصل مسفرة عن وجه اكثر شرا وقبحا. يشير حجم الدمار الذي احدثه العدوان الامريكي على العراق، الى ان هذا العدوان استهدف تدمير القوة العراقية الواعدة على كل الصعد، وهو ما يفسر عملية التدمير الواسعة للمنشآت الاقتصادية الحيوية، الارقام تشير الى مقتل اكثر من مليون ونصف المليون عراقي منذ 2003، وتشريد ستة ملايين عراقي اخرين، وتدمير نحو 23 مليون نخلة. والاخطر من كل ذلك، ما يتعرض له نحو تسعة عشر الفا من العلماء والخبراء والمهندسين، هم ثروة العراق العلمية، يطاردون ويلاحقون ويقتلون وتمارس ضدهم كل وسائل الترغيب والترهيب للعمل في الولايات المتحدة الامريكية، وربما في الكيان الصهيوني. ويكشف حجم التدمير الذي تعرض له العراق أبعاد مساعي واشنطن لفرض الهيمنة الامريكية العالمية الجديدة، وترويع من يحاول التصدي لهذه الهيمنة، والامر يتلخص في ان اية دولة تناهض الهيمنة الامريكية الاستعمارية الجديدة، مصيرها سيكون كمصير العراق. وبات جليا أن الامريكيين لم يأتوا الى العراق لاشاعة الديمقراطية كما يدعون، بل جاءوا لتدميره تدميرا تاما وتقسيمه واعادته للوراء سنوات طويلة، فقد كان بوسع واشنطن تغيير نظام صدام حسين والحفاظ على العراق، كما فعلت في تشيلي مثلا في العام 1973، وفي بنما في العام 1989 وفي غيرها من البلاد التي لم ترق لامريكا، ولكنهم في العراق دمروا كل شيء، حلوا الجيش ودمروا ونهبوا حتى المتاحف. تعرض العراق لحرب تدميرية شاملة، وتجريب العديد من الاسلحة ذات التكنولوجيا العالية، حيث القى الطيران الامريكي والبريطاني عشرات الاف القنابل التي تفوق قوة تدميرها عدة قنابل ذرية. وشن الامريكان على الشعب العراقي عشية الحرب وخلالها وغداتها، اكبر واعقد حرب نفسية منذ الحرب العالمية الثانية، استهدفت ليس فقط اضعاف معنويات العراقيين وتثبيط هممهم، بل محاولة انتزاعهم من عروبتهم واسلامهم، وترافق كل هذا مع ما يردده المرتزقة الذين دخلوا بغداد على ظهور الدبابات الامريكية، يرددون ليلا ونهارا، ان العراق للعراقيين، ولا يجوز للعرب التدخل في شؤونه، بينما الامريكي والايراني طلقاء اليد في العراق. وقد عملت الولايات المتحدة الامريكية اثر الغزو على اعادة فتح سفارتها في بغداد، حاشدة فيها نحو ثلاثة الاف من العاملين الامريكيين، وهو عدد يفوق ربما عدد العاملين الامريكيين في الجمعية العامة للامم المتحدة، وغني عن القول ان هؤلاء الثلاثة الاف، هم في جلهم طواقم استخباراتية تجسسية. الكل يدرك الان حتى في الغرب، ان الذرائع التي سيقت لشن الحرب على العراق كلها زائفة، من اسلحة الدمار الشامل التي لم يعثر لها على أثر، او شراء العراق لليورانيوم من النيجر، او المقابر الجماعية، او علاقة بغداد (قبل الاحتلال) بالقاعدة، وتتهاوى أكاذيب واشنطن بشأن نيتها إقامة نظام ديمقراطي في العراق. اية ديمقراطية تلك التي تأتي من واشنطن؟ وامريكا تساند اكثر النظم دكتاتورية وبوليسية وعدوانية في العالم، تمارس قرصنة حقيقية مستهترة بطموحات الشعوب؟ امريكا التي قامت على جثث عشرات الملايين من الهنود الحمر، قضوا في حرب إبادة شنها الامريكيون الاوائل من اجل الذهب. امريكا اول من استخدم السلاح البيولوجي في التاريخ الانساني، ضد مواطنيها من الهنود الحمر والزنوج. امريكا اول من استخدم السلاح الذري في هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين، محدثة مأساة انسانية غير مسبوقة، لا تزال اثارها المميتة باقية بعد عشرات السنين. غزت امريكا فيتنام ودعمت الانقلابيين العسكريين في تشيلي، كما غزت بنما واعتقلت رئيسها، وتواصل حصارها على كوبا، وغزت جزيرة غرينادا، والكل يعلم ان واشنطن تعتبر دول امريكا اللاتينية حديقة خلفية للبيت الابيض. وتعمل من أجل تمزيق السودان وتفتيته، وتستبيح جل بلداننا العربية والاسلامية. هذا غيض من فيض، ومسلسل الارهاب الامريكي لا ينتهي، انها امريكا صاحبة السجل الحافل بالخراب والدمار على طول الارض وعرضها، امريكا التي ليس لها اصدقاء، بل اعداء وتابعين. امريكا تمارس الداروينية في سلوكها اليومي وفي سياستها الخارجية، حيث تنتهج الاصطفاء المبني على القوة، فالقوي يأكل الضعيف ويدوس عليه، تماما وفق شريعة الغاب، حتى إن كان الضعيف اطهر واشرف وارفع مكانة. لقد تفشت الداروينية الاجتماعية في المجتمع الامريكي الناشئ منذ اكتشاف امريكا، حين شن المستوطنون (المهاجرون) البيض حرب إبادة على الهنود الحمر. حروب امريكا وجرائمها لا تنتهي وهي قوة غير مروضة مجردة من العقل، قوة تبحث دوما عن عدو تصارعه. الخراب الرهيب الذي يشهده العراق، هو ثمرة الاحتلال الامريكي، الذي تبعه الاحتلال الايراني القائم الان في العراق. العراق مستباح، بلد يباع بأكمله، بلد يسوده الدمار والنهب بصورة منهجية، نفط يضخ بلا رقيب، معاهد وجامعات ومراكز ابحاث تدمر تدميرا منهجيا يقصد منه اعادة العراق عشرات السنين الى الوراء. اراد العراق شق طريق عربي خالص نحو المستقبل، وتهيئة ظروف تنموية مواتية للاعتماد على الذات العربية، فتكالبت عليه قوى الشر الاطلسية، لأنها تدرك معنى ان ينهض الانسان العربي. وهنا ينبغي التأكيد على ان كسر اية قوة اقتصادية او عسكرية صاعدة في الوطن العربي، هو من ثوابت السياسة الغربية والامريكية منذ القرن الثامن عشر وحتى الان، وترسخت هذه السياسة اثر زرع الكيان الصهيوني في فلسطين لحمايته، ومحاولة فرض الهيمنة الاسرائيلية على المنطقة. جابت الاساطيل البحار والمحيطات، واسراب الطائرات الاطلسية حلقت ليلا ونهارا في سماء العراق كغربان خرافية، تصلب شهرزاد وشهريار في ليال معتمات، تلاحق تاريخا تليد، تطارد هارون الرشيد. انه هولاكو العصر المتعطش للدماء. لكن هل استطاعوا مصادرة احلامنا؟ وهل بوسعهم منع الفعل الذي يتشكل في وجدان افئدة ابنائنا؟ نطرق على حديد بارد وسينصهر، سنرفع رايات المجد وهولاكو سينكسر.