عناية جابر
البيت صامت. الكراسي والطاولات والصحون والشبابيك، كل شيء صامت. انها البرهة الغريبة من الصمت وتنتابني مشاعر صعبة، يُبدي قلبي نوعا من اللؤم يجعلني اتساءل عن حقيقة مشاعره فعلا. لؤم حيال البرهة الصامتة، أنا علته وسببه، ليس قلبي، رغبتي الي سماع صوت ما، تعني انني حيّة ما زلت، فأبدأ أكرس كل طاقتي الشعورية نحو استفزاز أي شيء، والسخرية من أي شيء وكل شيء، كمحاولة غبية ولكن عنيدة للدفاع عن نفسي ضد الصمت.
لكي اظل احيا، لا بد ان اسمع الاصوات تواصل رحلتها في اذني. اتحدث عن برهة ضئيلة هنا، خبرناها جميعا، خبرنا هشاشتنا حيال رعبها. علي كل، انها احدي حالاتي الآن، ولا اسم لها، كما لست ملزمة بتسمية كافة حالاتي واطواري. ان عثرت بالصدفة علي تسمية، اقولها لكم فورا، فأنا لا اخفي عنكم شيئا. المهم الآن ان لا اشوّش كتابتي بالاستغراق في محاولة التقاط التسميات.
علي قناة الطرب عثرت علي نوع الصوت الأمثل لمعالجة الصمت. كانت الست تغني فتعزز وتقوي الوقت الخاوي من الكلام، وتجعل له ثقله الضروري، من الجيد الاستماع اليها تطلق صوتها، من دون الحاجة لأن تؤدي عملا جريئا كالذي افكر فيه الآن، عملا يشبه تحطم الزجاج او خبط رأسك بالحيط. حيط من حيطان، ام الأفضل استعمال كلمة جدار؟
لا أحب اغنيتها هذه تحديدا. اتركها تكملها وقد فاتني مطلعها. تصلني منها كلمات محملة بالمعني اكثر مما هي محملة بالرونق، وهذا ضد الغناء. المعني هو مقتل الغناء الجميل. اسمعها تغني: ولما اشوف حد يحبك، يحلالي اجيب سيرتك واياه الامر مفهوم حتي اللحظة. فعند الست طريقتها في استحضار الحبيب من خلال الكلام عنه مع عاشق له ـ غيرها بالطبع ـ يستجيب الي كلامها و يجيب سيرته معها. بمعني ان الست في حالة غياب من تحب كما هو حاصل في هذه الاغنية، تستعيض عن رؤيتــــه الفعلية، عبر نصب فخ الكلام عنه.
لا تذكر الاغنية حتي اللحظة، ان الست تضمر حقدا او بغضا او غيرة من هذا الآخر الذي تستجوبه ويشاركها بالتالي ـ هي تعرف هذا الأمر جيدا ـ حب حبيبها ما غيرو. بل انها تظهر التسامح حتي، والتجاهل التام حيال الشراكة الغرامية هذه، فتنتقل في اغنيتها فورا الي غايتها الاساس، وهي معرفة مدي هــــول الشـــوق عند غريمـــها، لتطابقه مع هول شوقها الخاص الي معبودهما معا، وكل ذلك في غياب هذا الاخير: اسألو، ان غبت عنّو يا حبيبي/ يشتاق اليك قدي أنا/ وان جافيتو يا حــــبيبي/ يسهر الليل وينـــــاديك زيـــي أنا.
تبدأ هنا، تحط علي عينه وتعقد مقارنات لصالحها طبعا، بين من يكابد الشوق اليه اكثر، ومن يطيل السهر اكثر متفكرا به، متلهفا اليه، هازئة في قرارة نفسها من الاخ المبتلي بالغرام مثلها، والمقصر في الوقت نفسه عن مجاراتها في البذل الشعوري، وكل هذا ـ بالطبع ـ يدور في غياب المعبود، الذي من غيابه لا ينبس ببنت شفة!! لأنه غائب ولأنه غير موجود، سوي ان الست ماضية في تقطيع فروته مع الآخرين. الوقوف علي آخر اخباره هو شغلها الشاغل وهمها الوحيد. اعرف جري لو ايه في حبك/ وقد ايه صانو ورعاه.
تتمنع هنا علي أي شوق غير شوقها، وتترفع عن أي كلف غير كلفها، وأي وفاء غير وفائها.
زال صمت البيت فجأة، وحضرت مبارزة غرامية حامية فيها كل انواع الاصوات والملامات. في العادة، عملية المطاردة والتلصص علي الحبيب من خلال معارفه وعشاقه الآخرين، لا تنجح. علي الست ان تستنجد بالسحر. أعني تلجأ الي نوع من التهيؤ والاستعداد المتعمد والمشاركة الحدسية مع الطبيعة والعفاريت لمعرفة اخباره واحواله. التلصص الخادع ونصب الفخاخ غير قادرين علي العون وترقيق (من رقة) قلب الحبيب. اكتبي له ايتها الست، واســــأليه مباشرة عن احواله. لا يرد من كيده. الرغبة اليه تشرق داخل جسدها. برضه لا يرد. لا حس ولا خبر. كان لا بد لها من استراق سؤال من هنا او هناك. كان لا بد من هذه الاغنية التي كسرت جدار صمتي، ونتفته تنتيفا.