هذه الحرب المبالغ فيها اعادتنا جيلا كاملا للوراء

حجم الخط
0

هذه الحرب المبالغ فيها اعادتنا جيلا كاملا للوراء

كالعادة يستخدمون فكرة تهديد الوجود لشنهاهذه الحرب المبالغ فيها اعادتنا جيلا كاملا للوراء الآن أصبح واضحا أن هدف الحرب هو ـ كم هو أصيل هذا القول ـ احراز النصر! وليس مهما في الواقع مغزي هذا الانتصار في المصطلحات الحقيقية مثل وقف اطـــلاق الكاتيوشا أو التسوية الأمـــنية. المهــم فقط هو إشعار الناس في اســـرائيل بأننا قد أريناهم من نكون !الشعور بالانتصار هو مسألة ذاتية اسرائيلية داخلية تماما مثل القدرة الردعية ـ التعريف الأقرب للعقلانية المنضبطة في سياق أهداف الحرب ـ هو مسألة اسرائيلية ـ داخلية لا علاقة لها بسلوك العدو وحكمته، ذلك لأنه في كل مرة خرجنا فيها للحرب تحت شعار قدرة الردع (ثلاث مرات علي الأقل) كان ذلك حافزا للعدو حتي يتأهب لمجابهة أكثر حدة وضراوة. في المرة الأخيرة سموا ذلك ضرب وعي الفلسطينيين ، فكانت نتيجته انتصار حماس والطريق المسدود النازف في غزة والضفة.وليس هناك دليل أفضل علي ذاتية التعريف العشوائي الفوضوي وأحادي الجانب للعدو: العالم العربي الذي يتوجب ردعه وإخافته. أي عالم عربي مهدد بقي بعد السلام مع مصر والاردن وبعد احتلال العراق؟ وقطر؟ إلا اذا كانت العملية الاسرائيلية عبارة عن توقع يبرر ذاته وسبب لاعادة خلق العالم العربي المهدد بحيث يصبح من الممكن التصدي والانقضاض علي الشيطان القديم والمعروف. صحيح أن هذا الشيطان مستعمل بعض الشيء، ولذلك يتوجب ضم ايران اليه، إلا أن ردعه قد أصبح مسألة اخري، إلا اذا حولنا الحادثة الموقعية الي سراييفو 1914 في اطار صراع الحضارات . وعندئذ سيسقط جنودنا علي مذبح حرب الرُسل العالمية التي تطوعت اسرائيل للعب دور الجندي الطليعي فيها. بما أن جوهر الحرب وأهدافها ونتائجها ستتحدد فقط فيما بعد، من الممكن الافتراض أنها ستُذكر كحدث غير متفق عليه، بدأ بالوحدة الوطنية وانتهي باختلافات عميقة وبتوسيع الفجوة الاجتماعية. النقاش السطحي (الملائم لجدول يانصيب التوتو) حول من انتصر ومن خسر، أو الاكتفاء بالتعادل، يتأثر فقط بجزء من نتائج الحرب الواقعية. ولكن الحرب نفسها ستترك أثرا عميقا علي ما يحدث في المنطقة، وفي داخل اسرائيل علي وجه الخصوص – التأثير الذي لو كان صانعو الحرب قد انتبهوا اليه لكانوا فكروا مرتين قبل أن قرروا تحويل حادثة حدودية الي معركة يشارك فيها ملايين بني البشر.ضمن القوانين المأساوية، كلما أظهر النقاش الشعبي انفتاحا للبحث في جدول اعمال اسرائيلي جديد، جاءت الأحداث الأمنية لتُعيد اليه رؤية التهديد الوجودي الذي يخنق هذه المساعي والمحاولات. هذا ما حدث عشية حرب حزيران (يونيو)، وقُبيل حرب تشرين الاول (اكتوبر)، وخلال حرب لبنان الاولي وفي حرب الخليج. الآن عندما أصبح الالتزام الاجتماعي في مركز الحملة الانتخابية وقام الائتلاف الحالي بخطواته الاولي علي طريق اصلاح الأضرار التي ألحقتها السياسة الليبرالية الجديدة التي صاغها نتنياهو، فجاءتنا الحرب لتُعيد جدول الاعمال الأمني لسنوات كثيرة الي الوراء.كيف سيتحمل المجتمع الاسرائيلي العبء الاقتصادي الاضافي الذي سيُلقي علي كاهله نتيجة لهذه الحرب؟ عملية تحسين العلاقات بين اسرائيل والدول العربية المعتدلة التي تتقدم ببطء وتعثر، انقطعت وحلت محلها عملية تشدد راديكالية مخيفة بالدرجة الاولي، ومُهددة لزعماء الدول الذين وقعوا علي اتفاق سلام مع اسرائيل. يتوجب فقط الاصغاء الي قنوط الملك عبد الله الثاني حتي ندرك ما الذي تسببت به عملية الدمار في بيروت. وفي ظل حرف الأنظار الي لبنان، قتل الجيش الاسرائيلي 200 فلسطيني في غزة تقريبا، وسجن عشرات اعضاء البرلمان الفلسطيني والوزراء في حكومة السلطة. في ظل هذا الوضع هل يمكن التحدث عن اخلاء البؤر الاستيطانية والانطواء وغيرها من المسائل التي كانت علي رأس جدول الاعمال الوطني؟الحرب والأجواء التي سادت نتيجة لها، أعادت اسرائيل جيلا كاملا الي الوراء، ولذلك ليس من الغريب أن ينظر الناس للتاريخ كعملية دائرية، وهذه الحرب (مثل سابقاتها) تعتبر المرحلة الأخيرة في حرب الاستقلال الاسرائيلية . وفي أي درجة من الغضب يتم التصدي لكل من يحاول لعب دور المتعقل وابراز التطلع للوضع الطبيعي في ظل النزعة للحرب. من ابتدأ هذه الحرب المنفلتة يريد أن يُضخم قيمتها حتي يبرر الثمن الفظيع المترتب عليها، والآخذ في التزايد ـ فقط من اجل احراز انتصار المقامرين. ربما كانت حقيقة أنهم يتبعون استراتيجية الخمسينيات من القرن السابق مع مجتمع وثقافة الواحد والعشرين هي مصدر التفاؤل، إلا أن ذلك لا يمكن أن يتحقق.ميرون بنفنستيباحث يساري ومستشار سابق لكوليك(هآرتس) ـ 10/8/2006

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية