هذه المؤتمرات العربية.. ثم ماذا؟

حجم الخط
0

هذه المؤتمرات العربية.. ثم ماذا؟

د. علي محمد فخروهذه المؤتمرات العربية.. ثم ماذا؟في أرض العرب تنعقد سنوياً عشرات المؤتمرات. ومن المؤكد أن الدعوة للمؤتمرات قد أصبحت طريقاً للإغراء أو الرشوة أو السياحة أو البيع والشراء. بل وأصبحت رمزاً اجتماعياً للوجاهة أو السلطة أو العلاقات الحميمية مع هذه الدوائر أو تلك. والذين يحضرون المؤتمرات سيلاحظون كم هي نفس الوجوه التي سيلاقونها ونفس الكلمات التي يستمعون إليها ونفس الأفكار التي تطرح أمام الجموع. وفي الكثير من تلك المؤتمرات يتقابل مندوبو المجتمع المدني مع نظرائهم الحكوميين فتحدث المعارك مثلما يحدث التفاعل أيضاً.لكن الذي يضيع في تلك الكرنفالات وفي تلك الضجًّات الإعلامية الهزلية ثابتان رئيسيان يحكمان كل مايجري من نقاش ومن توصيات أوقرارات أحياناً.فأولاً ـ لقد قصد من كثير من تلك المؤتمرات أن تكون ساحات تلاقٍ بين الممثلين الرسميين للدول وبين ممثلي المجتمعات. لكن التلاقي الذي لايقوم علي توازن القوي بين المتلاقين ولا علي النديًّة في الوزن والأهمية والفاعلية لايؤدٍّي، كما هو منتظر، للإنتقال من القول إلي الفعل ومن التًّمنيات إلي الحفر في الواقع، وإنما يبقي ذلك التلاقي في مستوي الخطاب الذي يسبح في الهواء دون أن يستقر علي حال.وإذن فهناك مهمة كبري للعمل الدؤوب لعودة التوزان بين المجتمع والدولة. ففي الوطن العربي نجحت الدولة عبر القرون في تهميش المجتمع، بل وفي ابتلاعه. هذا الخلل لايمكن إلاً أن يعكس نفسه علي كل المداولات والتوصيات والقرارات لمثل هذه المؤتمرات. وسواء أكانت مؤتمرات عن الإصلاح والديمقراطية أو عن حقوق وتمكين المرأة أو عن الإقتصاد فان التباحث بشأنها يعتمد علي مدي التساوي بين قوي المجتمع وقوي الدولة.وثانياً ـ كل حديث عن مواضيع من مثل الانتقال إلي المجتمع الديمقراطي أو محاربة الفساد أو غيرها سيبقي لغواً من الكلام إن لم توجد في كل مجتمع طبقة أو جماعة تتبنًّي أهداف تلك التغييرات وتحتضنها بقوة وإصرار وتناضل من أجلها. هكذا علًّمنا تاريخ البشرية. ولقد علُّمنا ذلك التاريخ أيضاً أن الطبقة الوسطي في كل المجتمعات كانت دائماً من أبرز وأهم حاملي التغييرات الكبري.لكن الإشكالية في مجتمعاتنا العربية هي أن الطبقة الوسطي تضعف وتختفي ليحلًّ محلًّها تمركز مرعب مأساوي يتمثل في وجود غني فاحش يقابله فقر مدقع. وهذه الإشكالية ستجعل التغييرات الكبري التي ننشد تحقيقها هدفاً بالغ الصعوبة. من هنا الأهمية لأن يعي ممثلو المجتمع المدني في تلك المؤتمرات أن التوصيات التي يتفقون عليها لن تتحقق في الواقع إلاً من خلال قوي مجتمعية تناضل وتضحٍّي وتموت من أجلها. إن طبائع الأمور الاجتماعية قالت وتقول ذلك بل وتقول بأن مزابل التاريخ مليئة ببقايا الإخفاقات والإنتكاسات التي نتجت عن مشاريع وتمنيات نتجت واعتمدت علي توفُّر النوايا الحسنة. تماماً كما هو الحال مع المؤتمرات التي تعتمد علي توفًّر النوايا الحسنة.ذلك أن الإصلاحات والتغييرات المجتمعية الكبري يجب أن تٌنتزع من فم أسد المصالح والهيمنة والامتيازات، بل ومن أحشائه. ولا تستطيع قوي المجتمع الضعيفة أن تفعل حتي جزءاً من ذلك. فالمنتدون يجب أن يعوا جيداً أنهم بحاجة للعودة لمجتمعاتهم لبناء تلك القوي وتجييشها وشحذ أسنانها وأظافرها من أجل أن تستطيع إنتزاع ما في فم الأسد.في ظلٍّ هكذا فهم، وفي ظلٍّ هكذا حراك، وفي ظلٍّ هكذا فعل يمكن لتوصيات المؤتمرات أن يكون لها معني وأن تكون لها فائدة. وعند ذلك لن يضير أن يكون بين المدعوٍّين من هم قبلوا الرشوة أو سقطوا في أحضان الفهم الخاطئ. ذلك أن المناقشات والتوصيات لن تكون لها قيمة إلاً بمقدار ما تنتقل من برودة قاعات المؤتمرات إلي حرارة شوارع وأزقه وبيوت ومصانع ومزارع المجتمعات. في الأخيرة يٌصنع التاريخ وليس في فنادق النجوم الخمس.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية