هذه حرب لا غالب ولا مغلوب فيها والتعادل في النتائج قد يقود لتسوية
هذه حرب لا غالب ولا مغلوب فيها والتعادل في النتائج قد يقود لتسوية زعم صديقي الطيب محمد سيد أحمد، المفكر الماركسي المصري، الذي قضي قبل بضعة أشهر، في كتابه عندما تسكت المدافع (1975)، وفي عدد من كتبه الاخري التي موضوعها النزاع العربي الاسرائيلي، أن ما أنشأ احتمال حل النزاع كان وضع التعادل القائم في منطقتنا منذ حرب تشرين الاول (اكتوبر) 1973. يكفي ، كتب، ألا تُحرز اسرائيل نصرا كاملا في حرب واحدة، لكي تكون هذه الحرب من جهتها تراجعا وهزيمة، وكأنما خسرت؛ ويكفي ألا يُهزم العرب في حرب واحدة هزيمة مخزية، لكي يكون شكل الحرب، لا من وجهة نظرهم فقط، بل لاسباب موضوعية ايضا، شكل النصر . إن وقف اطلاق النار الحالي في لبنان فرصة لـ حِكمة التعادل . في واقع الأمر، التعادل موجود في أساس الواقع الاقليمي منذ سنين غير قليلة، ويجب أن تُشتق منه اجراءات انهاء الفصل الحالي في المواجهة بين اسرائيل ولبنان، في الطريق الي بناء واقع سلمي وتعاون اقليمي.لا اختلاف في أن القوة العسكرية لاسرائيل تفوق قوة كل دولة عربية علي حدة، بل تفوق مجموع قوي عربية. لكن في موضوعنا الحديث عن تعادل استراتيجي، يعكس مجموعا واسعا من المتغيرات: كمية، ونوعية، وثقافية واجتماعية، تُنشئ معا واقعا لا يُمكّن طرفا من إخضاع الطرف الثاني. ليس الحديث عن تعادل بين اسرائيل وحزب الله، الذي هو في نفسه كيان خارج الدولة، بل بين اسرائيل وبين دولة لبنان كوحدة واحدة، وكجزء من التعادل الاقليمي العام. منذ سنين والدولة اللبنانية خاضعة لمسيرة بناء نظام الكوابح والتوازنات من جديد، الذي يُمكّن من مجرد وجودها، وحزب الله عنصر حيوي، وإن يكن اشكاليا، في هذه المسيرة. كل محاولة لاقتلاع هذه الحركة من جذورها ، مع كل ما تمثله في الواقع اللبناني، قد تجبي ثمنا باهظا، ولست أخالها تنجح.ورغم أن التعادل الاقليمي هو واقع استراتيجي بعيد الأمد، فانه ليس معطي ساكنا بل متحركا. أريد أن أقول، توجد مراحل قد يكون فيها التعادل أكثر راحة، والثمن الذي يُطلب الي الأطراف دفعه عنه أرخص مما يكون الأمر في مراحل اخري. أتكهن أنه لو كانت اسرائيل بعد ردها العنيف الأول علي تحرش حزب الله، استجابت للتوجه المتأخر لرئيس حكومة لبنان، فؤاد السنيورة، لوقف اطلاق النار فورا، الذي كانت مركباته تلائم ملاءمة مدهشة المركبات التي تم الحديث عنها في وقف النار الحالي، لكان التعادل في الساحة اللبنانية أثمر ثمرة هي الأفضل. لكن دعوة رئيس حكومة لبنان رفضتها حكومة اسرائيل بتعجرف، بل أجهد الوزير حاييم رامون نفسه ليُبين للسنيورة أن رب البيت الحقيقي في لبنان هو حسن نصر الله. إن الدافع الاسرائيلي الي المضي حتي النهاية (وهو نهاية يصعب علي الجميع تحديدها)، لم يُضف نقاطا الي اسرائيل.ما يزال يوجد أمل أن تخرج الأطراف المضروبة المنكسرة من المأساة الحالية الي آفاق سلمية وآفاق نمو. بهدي من أقوال سيد أحمد أقول إن التسويات التي ستُحرز لن تكون بمنزلة سلام عقائدي ، بل تنظيم للتناقضات من جديد ، وهو ما لا ينفي التعاون الاقليمي العملي في مستويات مختلفة، وفي ضمنها انشاء أدوات مُجدية لحل الازمات بلا احتياج الي العنف. أما دور سلام القلوب فسيأتي في مستقبل ما، كاستمرار مطلوب للعملية الاقليمية، التي ستُحركها حِكمة التعادل.د. يوسي أميتايمحاضر في دراسات الشرق الاوسط في جامعة بن غوريونوسابقا مدير المركز الاكاديمي الاسرائيلي في القاهرة(معاريف) ـ 15/8/2006