اديب زيادة اذا علم مرسي ان المعارضين كانوا يبيتون النية للاعتداء عليه في الاتحادية وسمح لهم بالاقتراب منها فتلك مصيبة، وان لم يكن يعلم فالمصيبة اعظم. واذا كان مرسي يعلم انهم الآن أو بعضهم يبيتون النية لاقتحام القصر وربما الاعلان عن خلعه من داخل القصر وربما تنصيب قائم بالاعمال بعد قتله وسحله خارجه وسيسمح بالتظاهر مجددا بالقرب من الاتحادية او للمخطط ان يتم فتلك معضلة، وان لم يكن يعلم هو وحكومته العتيدة ان ذلك من السيناريوهات المتوقعة فالمعضلة أشد. لم يكن مفهوما كيف ان الداخلية العتيدة لم تسع الى منع المحتجين من الاعتداء على رمز وشرف الامة المصرية من خلال الاعتداء على الاتحادية وموكب الرئيس المنتخب ديمقراطيا خارجا منها. كما ليس بمتفهم ان تتراجع عديد رجال الشرطة الموجودين خارج القصر دون ان يبلوا بلاء ولو صوريا لرد الهجمة التي كانت بالفعل فركة اذن وجس نبض اريد بها اختبار العديد من الاطراف. فالقرار بعدم التصعيد حتى اللحظة كان قرار اولئك المعارضين، ولو اراد هؤلاء ان يقتحموا القصر الرئاسي في ظل الاجراءات الامنية الهزيلة والحماية الشعبية المعدومة لفعلوا، وهو ما يرتب له البعض لاحقاً بعدما اعتبروه الانذار الاخير فماذا بعد الانذار الاخير؟ وماذا بعد الامهال حتى الجمعة المقبلة؟.المشكلة ان مرسي وقنديل وربما من يقفون خلف الرئيس ايضاً يعتقدون اننا بالفعل انتقلنا من الدكتاتورية الى الديمقراطية الحقة بكلمة (كن فيكون). فحينما تستمع الى الناطق باسم الرئاسة يعتبر ان الحرية الآن بلا سقف وما نشاهده في الشارع هي الديمقراطية بعينها يصيبك الدوار او الحول. ولكأنما يعتقد البعض ان التزامه هو بالديمقراطية يعني حتما ان الآخرين بنفس الطريقة فهموا الديمقراطية كما فهموها وان حدودها وضوابطها واليات الاحتجاج فيها قد تم تعلمها واستيعابها (بقدرة قادر)، والحقيقة غير ذلك. المعارضة التي يندس بشكل مهول فيها من هم من انصار ورجالات النظام السابق ومجموعاتهم من البلطجية والمستعدين حتى للقتل والحرق والتدمير بلا وازع من ضمير او خوف من قانون كما حصل مع قناة الجزيرة ومراسلها وغيرهم ليس في حساباتها الديمقرطية، كما ليس في حساباتها الشعب وصندوق الاقتراع. وبالتالي لا يجوز ان تجري عليها مجاري الديمقراطية والعمل الديمقراطي لأن التعامل الديمقراطي غير المسقوف والحرية غير المسؤولة تنتهي بتحطيم رؤوس الديمقراطيين وعودة الديكتاتورية مجدداً. هذه الطريقة من التعامل اسمها (رومانسية سياسية) وليست ديمقراطية. فليس من المعقول لثورة لما تستكمل وتعيش في الاساس مرحلة انتقالية غير مستقرة يعتريها الكثير من المخاطر ان تتعامل مع الثورة المضادة غير المنضبطة وغير الراغبة في الانضباط او الاحتكام الى رأي الشعب بهذا الشكل من الرومانسية حتى لو تم الاعتداء على شرف الشعب المصري وكرامته من خلال الاعتداء السافر على رئيسه الذي هو نصبه. ليس هكذا تدار الحياة الديمقراطية عند الامم. فالمعارضة لها ان تحتج وتتظاهر وتسمع صوتها ولكن في النتيجة عليها ان ترضى بما ارتضاه ويرتضيه الشعب من خلال صناديق الاقتراع لا ان تحتقر هذا الشعب وتنصب نفسها ولياً عليه.ان استمرار هذا الشكل من التعامل الرومانسي مع مقتضيات العمل الثوري بعيدا عن الفهم الدقيق لمعاني وتحديات الانتقال نحو الديمقراطية وشروط نجاح الثورات سيفضي الى فوضى عارمة. فاذا ما قررت الحكومة الاستمرار في نهجها الناعم وقررت الداخلية المصرية الاستمرار في نهج (غض النظر) عن المخالفات الجسيمة لأبسط قواعد القانون والعمل الديمقراطي فإن من أتى بالرئيس عليه ان يتحمل مسؤوليته في هذه اللحظة الحرجة. لا يجوز ان يمس رمز الامة او يسحل غدا من اعلى درج القصر نحو الخارج ومن نصّبوا الرئيس وفوضوه جالسون في مكاتبهم او في بيوتهم باسم الحكمة والتعقل. فقديما قالوا (إذا جن قومك فعقلك لن ينفعك) فللصبر حدود وللمعارضة حدود كما ان لكلٍّ حدود، وهو ما يجب ان يفهمه الجميع. هذه التجربة الديمقراطية يجب ان تنجح ومن يقف في وجه ارادة الشعب ويرفض ان يحتكم الى صندوق الاقتراع فإن على الامة كلها ان تضع لشروده وشروره حداً. ومن يعتقد ان هنالك رئيساً او دستوراً او سياسة ستلقى اتفاقا او اجماعاً عليها من جموع المختلفين فهو واهم. حتما سيظل هنالك من يقول لا، فاذا سمح لهذا القائل لا ان يرهن الامة لارادته ورضاه فلن تكون هنالك امة.’ اكاديمي مصري في جامعة اكستر ـ المملكة المتحدة