هذه هي الاستراتيجية الجديدة !
جواد البشيتيهذه هي الاستراتيجية الجديدة ! يوشك الرئيس بوش أن يعلِن ما يوصف، إعلاميا علي وجه الخصوص، بأنه استراتيجية جديدة لإدارته في العراق، مع وجود كونغرس جديد، يهيمن خصومه الديمقراطيين عليه، ولا يري مقياسا يقيس به الجديد و الإيجابي في تلك الاستراتيجية سوي مقدار توافقها مع توصيات لجنة بيكر ـ هاملتون ، التي، علي مشاركة جمهوريين ، مناصفةً، في إنجازها، تظل، في كثير من نصوصها، وفي الجزء الأكبر من روحها، أقرب إلي وجهة نظر الديمقراطيين في شأن سُبُل الحل للأزمة العراقية، ولأزمة الولايات المتحدة في العراق وفي محيطه الإقليمي، منها إلي وجهة نظر المحافظين الجدد ، أو نواتهم الحاكمة والمقرِّرة.الرئيس بوش، وعلي ما يبدو، يستصعب كثيرا أن ينجح في إقناع مواطنيه، ومنتقدي ومعارضي نهجه الإستراتيجي السياسي والعسكري في العراق، بأن استراتيجيته الجديدة ليست من نمط تغيير، جديده غير مفيد، ومفيده غير جديد، وبأنها، أي تلك الاستراتيجية، قد تضمَّنت ما يمكن إظهاره علي أنه موقف إيجابي وقفه الرئيس بوش من تلك التوصيات ، أو من بعضها، فالرئيس بوش، وعلي الرغم من كون تلك التوصيات غير مُلْزِمة له، من الوجهة القانونية والدستورية، وعلي الرغم من كونه المسؤول عن السياسة الخارجية للولايات المتحدة، لا يمكنه، وهو الذي من الضعف الشعبي والسياسي الداخلي بمكان، أن يَظهر علي أنه قد ضرب صفحا عن توصيات تلقي تأييدا شعبيا واسعا، وشارك في إنجازها أعضاء من حزبه؛ كما لا يمكنه أن يذلل كثيرا من العقبات من طريق تنفيذ استراتيجيته الجديدة إذا لم يُراعِ ميول ووجهات نظر الكونغرس الجديد.لقد بدأ الرئيس بوش العمل بمقتضي استراتيجيته الجديدة حتي قبل أن يُعلنها رسميا، فما إعدام صدام حسين، وطريقة إعدامه علي وجه الخصوص، سوي مبتدأ العمل بهذه الاستراتيجية. وإنِّي لا أري من فَرْق يُذْكر بين أهداف الإعدام و النتائج التي تمخَّضت، وتتمخَّض عنه، وكأنَّ إدارة الرئيس بوش أحرزت نجاحها العراقي الأول إذ جاءت النتائج متَّفِقة، هذه المرة، مع الأهداف ، ففشلها الكبير (والتاريخي) في العراق كنَّا نقف ونستدل عليه من خلال النتائج التي كانت تذهب دائما بـ الهدف المعلَن لإدارة الرئيس بوش، وبـ التوقُّع الذي كانت تتوقعه.إذا كانت إدارة الرئيس بوش، العاجزة (موضوعيا في المقام الأول) عن أن تختار غير ما يختاره لها الواقع العراقي السيئ ، تستهدف، في استراتيجيتها الجديدة ، بداية رسمية لـ الحرب (أو الحروب) الأهلية في العراق، بعد إعلانها وتأكيدها، غير مرَّة، أن العراق لم يقع فيها بعد، فإنَّ أحدا لن يجادلها في حقيقة أنَّ الإعدام هو الرصاصة الأولي في تلك الحرب، والبداية الرسمية لها، فالوهم بعينه أن يعتقد إنسان أنَّ جهود المصالحة يمكن أن تؤتي ثمارها (الطيبة) بعد، وبفضل، إعدام صدام حسين، فهذا الإعدام ، مع الطريقة التي نُفِّذ فيها علي وجه الخصوص، قد أعدم تلك الجهود، علي افتراض وجودها وصدقها، وزرع الحرب الأهلية في النفوس، وأسَّس لمزيد من الصراع البغيض بين الشيعة والسنة من عرب العراق، فما أشق وأصعب من أن تُقْنِع السنة من عرب العراق بأنَّ الإعدام ، مع طريقته ووقت تنفيذه، لم يكن فعلا طائفيا معاديا لهم.ولا يحتاج المرء إلي أن يبذل جهدا جهيدا من أجل إقامة الدليل علي أنَّ الإعدام هو ذاته حفلة عقد قران ميليشيا مقتدي الصدر ( جيش المهدي ) وحكومة المالكي، التي توصف، إعلاميا، بأنها القائدة لجهود المصالحة ، والتي دعتها إدارة الرئيس بوش، غير مرَّة، في بياناتها الرسمية، إلي أن تكون حربا علي الميليشيات جميعا، وتنهي كل اختراق لها للأجهزة والمؤسسات والقوي الأمنية والعسكرية الحكومية. وقد جاء إعدام صدام ليُظْهِر أنَّ هذا الاختراق (اختراق ميليشيا مقتدي الصدر) قد بلغ حتي غرفة الإعدام .وأحسب أنَّ الإعدام ، مع طريقته، قد أُريد له، جزئيا، أن يكون جائزة ترضية من حكومة المالكي إلي مقتدي الصدر، فهذه الحكومة تعتقد أو تتوقَّع الآن أن يقف جيش المهــــدي ، الذي بات حكومة في داخل الحكومة، مواقف يمكن أن تســـاعدها في إظهار نفسها علي أنها فــــوق الميليشيات ، و حرب عليها ، فتتحوَّل الحرب الحكومية علي الميليشيات ، عمليا، إلي حرب علي كل من يحمل السلاح من السنة من عرب العراق، وتنتهي، بحسب التوقُّع الحكومي، إلي سيطرة حكومية أمنية مطلقة علي بغداد. إنَّ الحكومة تريد لميليشيا مقتدي الصدر، وبعد نيلها جائزة الترضية تلك، أن تتغيَّر (في الظاهر ليس إلا) بما يقي الائتلاف الشيعي الحاكم شرَّ الانقسام والتصدع، وبما يمكِّن الحكومة من الادعاء بأنَّ المسلَّحين من العرب السنة هم فحسب الذين يقفون ضد سعيها إلي بسط سيطرتها الأمنية علي العاصمة (وعلي مدن عراقية أخري).وفي سياق هذه الحرب، حرب الحكومة، التي في داخلها تقيم وتعمل حكومة مقتدي الصدر وميليشيات شيعية أخري، للسيطرة الأمنية المطلقة علي بغداد، وعلي مدن عراقية أخري، يمكن ويجب أن يضطلع المارينز ، الذين يتحصَّنون في خارج، وحول، مسارح تلك الحرب، بدور المساندة، فما زال المقاتلون من العرب السنة هم الذين يقاتلون الولايات المتحدة في العراق، ولا بأس، بالتالي، من هذا القتال المشترَك ضدهم ولو كانت عاقبته توسيع وزيادة النفوذ الإيراني في جنوب العراق. وإدارة الرئيس بوش تفهم هذا التطور، الذي تَسْتَجْمِع وتهيئ له أسباب حدوثه، علي أنه قوة يمكنها اجتذاب مزيد من الطاقة العسكرية والقتالية للمقاومة العراقية (التي هي عربية سنية في المقام الأول) إلي الحروب الأهلية الطائفية، فيسيل دم العراقيين، ويُحفظ دم المارينز ، الذي لا يشاركون في القتال إلا في طريقة لا تُلحق بهم خسائر بشرية تُذْكَر، فلا تعود الحرب في العراق سببا لجعل الأزمة الداخلية لإدارة الرئيس بوش تتفاقم.المناطق الكردية في شمال العراق لن تكون جزءا من مسرح الحرب الأهلية، فمصلحة إدارة الرئيس بوش تقضي ببقاء تلك المناطق آمنة بالنسبة إلي الوجود العسكري للولايات المتحدة في العراق، والذي في غير تلك المناطق سيُعاد تنظيمه بما يسمح لـ المارينز بالبقاء بمنأي عن نار الحرب الأهلية، وعن ضربات رجال المقاومة، وعن ضربات إيرانية قد يتعرَّضون لها إذا ما تعرَّضت إيران لضربة عسكرية.في الاستراتيجية الجديدة ، التي يوشك أن يعلنها الرئيس بوش، لن نري إلا مزيدا من الحرب الأهلية بين الشيعة والسنة من عرب العراق، ومزيدا من القتال تخوضه القوي الأمنية والعسكرية الحكومية العراقية، بدعم ومساندة من المارينز ، ضد المسلَّحين من العرب السنة، ومزيدا من النفوذ الإيراني في جنوب العراق، ومزيدا من التعاون والتحالف بين قوي الائتــلاف الشيعي الحاكم. ومع أنَّ إدارة الرئيس بوش ستظل في حرب باردة ، قد تتحوَّل إلي ساخنة ، مع إيران فإنها لن تمانع في مزيد من النفوذ الإيراني في جنوب العراق وفي الائتلاف الشيعي الحاكم؛ لأنها تريد للعراق أن يغدو مستنقعا لإيران أيضا، وتريد لإيران أن تَظْهَر علي أنها قوة فارسية وشيعية معادية للعرب السنة كافة.وعندما تحقِّق إدارة الرئيس بوش هذا الإنجاز ، في داخل العراق وفي محيطه الإقليمي، ومن غير أن يتكبَّد المارينز خسائر بشرية لا يمكن احتمالها، يصبح ممكنا تصدير الأزمة برمتها إلي الرئيس الديمقراطي المقبل، فإمَّا أن يمضي قُدُما في الطريق التي سار فيها سلفه الجمهوري الرئيس بوش، وإمَّا أن يتحمَّل هو مسؤولية إنهاء الوجود العسكري للولايات المتحدة في العراق مع ترك هذا البلد وشعبه نهبا للحروب الأهلية! ہ كاتب ومحلل سياسي فلسطيني ـ الاردن8