هذيان الذاكرة وسياحة الحواس في أُمجّد هذا الهذيان للشاعر شمس الدين العوني
شاكر مجيد سيفوهذيان الذاكرة وسياحة الحواس في أُمجّد هذا الهذيان للشاعر شمس الدين العونيتتأسس بنية عنونة مجموعة (أُمجِّد هذا الهذيان) للشاعر شمس الدين العوني (تونس 2002) علي تحشيد المسافة الحواسية بين فعل التمجيد وفعل الفوضي والهذيان في صيغهما الدالتين علي استدعاء السعادة المفترضة ذهنيا بالالتصاق مع الذات الأخري بالاستدلال علي التصدير الأولي للمجموعة والذي وسمه الشاعر بالاهداء الممتلئ براءة وكبرياء حيث يقول: (الي مريم ومن حولها تاجا لهذا الهذيان) ويخترق الشاعر جدار الاهداء ليطل علي قول لـ(ماتسو باشو) في رومانسيته المطلة علي أجواء نصوص لشاعر وفخاخ منحنيات الدلالة في مقاربات ادائية تتجاور في شفراتها اللغوية وكثافتها الصورية، ويشحن الشاعر لغته في رموزها الداخلية بالاتكاء علي حواس الرغبة وافعال النسيان ومحمولات الحكاية عبر تأملاته المتداخلة وعوالق النفس وحيّزها الشاعري ابتداء من الحنين والدهشة والانتظار والوصول الي سيمياء يتعالق فيها الشكل والمضمون في اصرة سرية تتصل وتحتشد في بواطنها المعاني بترائيات الذات الشاعرة بين مثاقفة اللغة وضمورها حينا وسطوعها حينا آخر، وتتسم هذه المثاقفة في اسطرة الحواس لنقل الاثر من ذهنية مفرطة الي حسية واقعية يتجاذب عبرها فعل الزمكان، كما تثبت هذه القراءة نص (ضحك بالسعدون ص 53) وتتداخل الاحتمالات من خلال بنية النفي التي تهيكل فضاء النص بحادثته الشعرية واستمكان لغة الشاعر عبر اداءات تتراسل خلالها افعال الحكي الشعري والواقعي في هيئة صور تتراكم من خلالها عنونات الضمير الجمعي (نحن): (لم نكن نحمل اجسادنا ذاك المساء/ حين بلّلنا رذاذ خريفي: بشارع السعدون../ لم يكن لنا اصدقاء/ سوي جهة باردة القلب/ ينفذ منها قلق الشعراء.. ص53) ويشترك نص الشاعر (البستان.. الهذيان وورد الرماد) في مقاربته الحسية العالية مع نص (ضحك بالسعدون) في آصرة الاهداء التي تتصدر مقامة المعني والدلالة للدخول الي معترك الحياة بتفاصيلها وضجيجها عبر مثاقفة اللغة للاشتغال علي رغبة الحواس ورهبتها امام دهشة الاطياف الشخصية الي بؤرة شعرية جمعية حين تتناص مشهدية الشعرية الشخصية مع مشهدية الآخر في استدعاء انساق الشعري الآخر الي حاضنة المنجز الشخصي في الاشارات النصية الي مجموعة من نصوص اصدقائه الشعراء: (احبتني الوردات.. الطيور) والحواس سوف ترتبك اكثر (اشارة الي شعر حافظ محفوظ)، والطائر الذبيح سيقتلنا رقصا ( اشارة نصية الي الهادي الجزيري) ورقاع العزلة لن يمسها الغرباء (في اشارة الي عبد الوهاب الملوح).. وهكذا تتداخل بنية الاشارت النصية مع بنية الاصل النصي للشاعر شمس الدين في فضاء متجاور الدلالة وافقها ومناسيم الخطاب وحركتها الحلزونية، ان هذا التناص التثاقفي يشي بمعرفية كثيفة تقررها الذات الشاعرة في يقظة منها خارج اطار التناص الشديد الذي يقع علي حفريات الاخر في استباق منظور الذاكرة وظهورات المعني فوق سطح النص يرسل الشاعر شمس الدين معادلة مكثّفة في معناها تقع علي حامل ذات الشاعرة بدلالاتها المثقلة تاريخيا وانسانيا وذاكراتيا عبر اللحظة الشعرية التي تبدو متوترة وساكنة معاً عبر معبر المفردة وبوحها وحنينها وجمالها المتطلع الي فلسفة شعرية متثاقفة مع ذاكرة الوجود والحياة والعالم الآخر: (كل هذا بانتظارك.. وكفي) ص 32، ان هذا النص الشاعر يرمز الي احتشاد المثاقفة التضمينية لمقولات المعرفة والفلسفة الشخصية الممتدة الي ضفاف بعيدة في سجل المعرفة البشرية في حُلميتها وحدوسها وانبناءات المسرودات التاريخية في حاضنة الذاكرة وانتقالها من الماضي الي الحاضر، الماضي التاريخ والحاضر الحلم والنسيان والهذيان وفعل التمجيد بقوة اللغة ولها، لشخصانية شعرية تتجاوز فعل النسيان وترقص وتهذي وتنسي يأس العالم، حينا، وتأسي وتضجر وتكره حينا آخر… ص67، (نسينا الماء/ نسينا الشمس في غبار الحكاية/ فكيف ننساك/ وانت ستعودين وستولدين من النسيان. ويتراوح الشاعر في ارسالياته للمعني بالاشارة النصية التقريرية في قوله: (أرواح بين معني ومعني/ الهو بتفاصيل الحروف.. ص68 ـ 69) وتتمشهد بني الاسئلة في فضاء صوري وذهني للعبور من الافتراض الي حالة التوقع التي تتردد بدلالتها الي حضور الذات والاشياء بقوة في مناخات من اليومية المتجادلة والمتسائلة والمتثاقفة مع ذاكرة الانا والاخر معاً عبر تداعيات تفارق المألوف وتنزاح عنه في بؤرة شعرية تتوهج في كثافتها الصورية وايحائية ترتد الي توهج المفردة: (بماذا يبشر هؤلاء؟/ بالضوضاء/ بالأفاعي المهذبة/ بالشحوب والنسيان..؟/ لك المجد ايتها المكنسة..) يؤكد الشاعر علي تمجيد فعل المحو والحذف فالمحذوف هنا يقع علي الضوضاء والأفاعي المهذبة ويظل النسيان تاجا لراحة الضمير الشخصي في تأمل الذات الشاعرة وبوحها وترائياتها لدراما الواقع وتراجيديا العالم في مسافاته المتشكلة عبر فضاءات الغياب المأساوي واغتراب الأنا في حمولاتها المعرفية التصوفية وتداخل الذاكرات ـ الذاكرة الثقافية والسيكوثقافية والذاكرة الطبيعية لنسيج ايقاع الروح وانقطاعها الي الغامض والمجهول وتشكلات لمعطيات الذات امام مصائر مجهولة بين الموت والحياة والدهشة المفخخة امام اسئلة الآخر: (ما الذي حدث، لقلب الوردة، حتي تنقلب علي واوها/ من علوها/ وتنتهي في هاء الدهشة! ص79) وتتحرك الاشياء والرموز في علاقاتها اللغوية في فضاء شعري توجهه الذات الشاعرة في اداءات جمالية تتقارب في سحريتها الداخلية من مظاهر التشكيل ومن قوي السرد الخارقة لاسطورة القص وتعلن الذات الشاعرة عن افعالها في ارساليات أنوية تصريحية عالية: (أرأيت انني ادّيت واجبا لغويا فقط..) و(قد اتكسّر في الصدي كخارطة في عيني طفل، لذلك سأمعن في النسيان) و(أغسل روحي لأدير العالم لبهجة..) و(في أسر فتنتك/ أمجد هذا الهذيان/ وعلي جسور الرغبة/ اعلن سيري نحو بلاد/ بثوب اللذة)، و(سأغسل دهشتي/ فوق سطوح قاماتك / فكيف لأجراسك أن تهدأ؟ ص 115).(نينوي ـ العراق) كاتب من العراقQMK0