المهرجان الوطني لمسرح الشباب في سورية:
دمشق ـ ‘القدس العربي’: أنور بدر احتضنت محافظة درعا مؤخرا الدورة الرابعة والعشرين من المهرجان الوطني لمسرح الشباب في تسميته الجديدة، الذي يُقيمه اتحاد شبيبة الثورة سنويا، وهي المرة الثالثة التي تحتضن فيها محافظة درعا هذا المهرجان، حيث شاركت فيه خمسة عروض مسرحية، اختيرت من قبل لجنة فنية شاهدت كل عروض المحافظات التي خضعت لتصفية كان نتيجتها هذا المهرجان، الذي تضمن إضافة لعروض المسابقة الرسمية، عرضين ضمن تظاهرة مسرح الكبار للصغار، وهما: مسرحية ‘الأميرة والفقير’ للمخرج رفعت الهادي، ومسرحية ‘ري أكشن’ إعداد وإخراج ضياء خليل، اللتان تابعهما الجمهور على مدار ثلاثة أيام، في المراكز الثقافية لقرى نوى وطفس وجاسم بهدف تنشيط الحركة المسرحية في كل أرجاء المحافظة.
وقد جاء حفل الافتتاح مميزا في هذا المهرجان، حيث استبدلت الخطابات الرسمية بمشهد مسرحي قدمه الفنانان جمال العلي ويوسف مقبل بصيغة حوار حول شؤون المسرح وشجونه، في حين تضمنت الفقرة الثانية من حفل الافتتاح اسكتشات مسرحية شكلت تنويعات معاصرة وكوميدية على تراجيديا روميو وجوليت، قدمتها الفرق المشاركة بلغة معاصرة. كما تضمن حفل الافتتاح تكريم كل من الفنانين عبد الحكيم قطيفان ونضال سيجري والكاتب والمخرج المسرحي إسماعيل خلف والمخرج عبد الباري أبو الخير، إضافة لتكريم الكاتب المسرحي الراحل وليد فاضل، والممثلة الراحلة مها الصالح. العروض الخمسة التي شاركت في المسابقة الرسمية للمهرجان كانت لفرق اللاذقية ودمشق ودرعا وحماة والحسكة، وكانت تظاهرة واعدة بإيقاظ المسرح السوري من سباته الذي طال، عبر الطموحات الشبابية والقلق الذي حاولوا التعبير عنه بسويات متباينة بين فرقة وأخرى.
وقد منحت لجنة التحكيم المؤلفة من الفنانين الدكتور جمال قبش، جهاد الزغبي، ضحى الدبس، يوسف المقبل، والناقد علي سفر، جائزة أفضل عرض متكامل لمسرحية ‘هذيان’ من فرع درعا، وحصلت مسرحية ‘الخروج’ من فرع حماة بجائزة أفضل سينوغرافيا، فيما ذهبت جائزة أفضل ممثل لريزان فرمان وأفضل ممثلة لبشرى بشير، وكلاهما من فرع الحسكة عن دوريهما في مسرحية العائلة توت، وحصل سعيد حناوي من فرع دمشق على جائزة أفضل إخراج عن عمله المسرحي ‘حياة… حوار’. عرض ‘هذيان’ عن نص للكاتب خليل الرز ونصوص أخرى من إعداد وإخراج فراس المقبل حاول اللعب بذكاء على حضور الكاتب في شخصياته، وكيف يتمرد النص على كاتبه في لحظة معينة، وأن جريمة القتل التي يتخيلها الكاتب كان هو القاتل الحقيقي فيها. فيما يذهب عرض ‘حياة.. حوار’ من تأليف وإخراج سعيد حناوي للحديث عن صراع الأجيال وتباينات الرؤى في جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مع إدانة للعنف الذي يمكن للآباء أن يمارسوه ضد أبنائهم. وقد لعب المخرج على تداخل الخطوط الدرامية في العمل، فمن فتاة تتزوج شخصا يكبرها سنا بخمسين عاما، إلى شاب يعيش في كنف أسرة متسلطة تدير الأم كل شؤون البيت من دون مراعاة لمشاعر الآخرين.
من العروض الأخرى شاهدنا عرض ‘الخروج’ للمخرج يوسف شموط عن نص تركي لعدالة آغا أوغلو، وشموط سبق وتابعنا له عروضا متميزة أمثال ‘رباعية الموت’ عن نص ‘الموت والعذراء’ للكاتب أريل دور فمان، و’المومس الموقرة’ عن نص لسارتر، ويكاد في عرضه الجديد يشتغل على ذات التيمة السابقة لصراع الأجيال، من خلال أب يحتجز ابنته خارج الحياة ليحميها من الشرور والخداع في الخارج، لكن النهاية تقدم لنا جرعة تفاؤلية حيث تخرج الفتاة إلى الحياة العامة بينما يموت الأب، ليؤكد العمل أهمية الحرية في حياتنا. العرض الأضعف في هذا المهرجان كان باسم ‘جزيرة الموت’ تأليف لام جبور ومن إعداد وإخراج نضال عديرة، رغم أنها تناولت موضوع الإعاقة والحب في علاقتهما داخل الإنسان، لكن النص والإعداد كان ضعيفا.
العرض الأخير كان لفرع الحسكة بعنوان ‘العائلة توت’ من تأليف اسطفان أوركيني، إعداد وإخراج وليد عمر، وهي من النصوص المتميزة في المسرح العالمي، وسبق تقديمها أكثر من مرة في سورية، وتسجل موقفا ضد الحروب ومشعليها في العالم، حيث يدفع الأبرياء الثمن دوما. الجائزة الأساسية برأيي كانت لجمهور درعا الذي تابع العروض بشغف، بل وبتفاعل ربما أساء لتلقي العرض أحيانا، لكنه بذات الوقت يعكس عطش هذا الجمهور للفن وللمسرح عموما، ورغبته في الحوار ومتابعة نقاش العروض فالمسرح فن يعلمنا الحوار ويعلمنا الديمقراطية، ولا زلت أتذكر قولا لأحد المسرحيين الروس الكبار: ‘إذا أردنا أن يستمر ألق مسارحنا، علينا الذهاب إلى الأطراف والمدن القصية لنلتقط نبض الإبداع والشباب المتجدد’. وقال مدير المهرجان الفنان جمال العلي ان المهرجان حقق المتعة والفائدة وأحدث تغييرا على مدار أسبوع من الزمن في درعا التي تحتاج بشكل دائم إلى مثل هذه المهرجانات. مشيرا إلى أهمية الحوارات التي طرحها الشباب على خشبة المسرح من خلال العروض والنقاشات التي دارت في الصالة مع نهاية كل عرض. الجديد في هذه الدورة لم يقتصر على تغيير التسمية فقط، بل أقيمت هذه الدورة ولأول مرة تحت رعاية خاصة وشاملة من قبل تامر بلبيسي رئيس مجلس إدارة ‘ماي سنتر’، وهو ما يعني بداية مشجعة لثقافة السبونسر التي أصبحت ضرورية في رعاية الأنشطة الفنية والثقافية إثر تراجع الدور الشمولي السابق للدولة في هذا المجال، مع أن الحكومة السورية التي تطالب بهذا الدور الجديد للقطاع الخاص لم تقدم بعد أية تشريعات ضريبية مشجعة لثقافة السبونسر وثقافة الرعاية للفن والمسرح عموما.