هرولة الأطفال وراء الإنترنيت سببها فراغ الحقل التعليمي والثقافي في الوطن العربي
الكاتب المغربي العربي بنجلون:هرولة الأطفال وراء الإنترنيت سببها فراغ الحقل التعليمي والثقافي في الوطن العربيالقنيطرة ـ القدس العربي ـ من المصطفي الصوفي: اشتهر الكاتب العربي بنجلون بإبداعاته الموجهة للأطفال، حيث كرس حياته الإبداعية لهذا الجنس الأدبي الجميل، ولهذه الفئة العمرية، وأصدر العديد من الكتب وصلت إلي حوالي خمسين إصدارا توزعت بين الشعر والقصة وغيرهما، ومن بين تلك المؤلفات نذكر علي سبيل التمثيل قصص من عالم الحيوان الصادرة عن دار الثقافة بالدار البيضاء عام 1986، المجموعة الشعرية أنغام الطفولة مطبعة المعارف عام 86 ـ 1987، ثم النص المسرحي الكنز عام 1994 الصادر عن دار البوكيلي للطباعة والنشر بالقنيطرة، و حكايات من ذهب قصص شعرية عام 1998، هذا بالإضافة إلي مؤلفات نقدية كان أولها تيارات الوعي في الأدب المغربي المعاصر دراسات نقدية صدرت عن اتحاد الكتاب العرب عام 1983، ثم النص المفتوح قراءات في الأدب المغربي الحديث مطبعة الرسالة بالرباط 1986، جدال وسجال محاضرات، حوارات، ودراسات مطبعة المعارف الجديدة بالرباط1986، وكانت آخر إصداراته مسرحية قاضي الأسرة التي صدرت عن المجلس الثقافي البريطاني بالرباط، ومسرحيتان بعنوان الممثل، الظل والشخصية والتي صدرت عن مطبعة سلمي بالرباط.العربي بنجلون من مواليد مدينة فاس عام 1948 عضو العديد من الجمعيات والإطارات الأدبية داخل وخارج المغرب، منها اتحاد كتاب المغرب، اتحاد كتاب العرب، جمعية الصحافيين العرب بهولندا، جمعية النقد الأدبي بسورية، ..الخ، مدير مجلة كتابات الإبداعية ، وقريبا ستصدر له مجموعة قصصية بعنوان الخلفية وكتاب بعنوان النقد الآخر ، ومسرحيتان للأطفال بسورية.يعد الكاتب المغربي من الكتاب العرب النشيطين في الكتابة الأدبية الخاصة بالأطفال، شارك ويشارك في العديد من المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية في الوطن العربي.في هذا الحوار يعتبر العربي بنجلون أن الاهتمام بالأطفال والشباب في المغرب والوطن العربي ما يزال دون تطلعات المهتمين، وبالتالي علي الجهات المسؤولة إيلاء الاهتمام الكبير للأطفال الذين يعول عليهم لبناء مستقبل الأمم، المجتمعات.في هذا الإطار يعتبر العربي بنجلون أن استعمال الوسائل الترفيهية خاصة الانترنيت استعمالا خاطئا عند الأطفال يؤثر سلبا علي منتوجهم ومستقبلهم، ومن ثمة ضرورة مراقبتهم، كما أن للمناهج التعليمية دوراً في بناء طفولة قادرة علي تحمل المسؤولية وإنجاح مشاريع مجتمعاتها المستقبلية. في مدينة القنيطرة قدم العربي بنجلون محاضرة قيمة ضمن فعاليات الأسبوع الثقافي الكويتي التي اختتمت الأحد الماضي، وكانت محاضرته بعنوان مجلات الأطفال بالعالم العربي: العربي الصغير نموذجا ، هناك التقينا الأستاذ بنجلون الذي يستعد للمشاركة في إحدي التظاهرات الخاصة بالأطفال في تونس، فأجرينا معه هذا الحوار، الذي يكشف فيه القناع عن بعض من تجربته الإبداعية، وعن اهتمامه بإبداعات الأطفال بشكل عام. الأستاذ العربي بنجلون أنتم من المتخصصين في الكتابة الموجهة للأطفال، هل تعتقدون أن هذا اللون من الكتابة قادر علي تهذيب الذوق العام للأطفال، وتكوين أجيال مثقفة قادرة علي تحمل المسؤولية؟ هناك كتابة للأطفال في المغرب، إلا أن المشكلة تكمن في العلاقة بين القارئ الصغير والمنتوج الصغير فالموجة السائدة الآن تتمثل في هذا الإقبال الكبير علي الانترنيت، وكل ما يتعلق بوسائل التكنولوجيا الحديثة خاصة فيما يتعلق بالحاسوب والتلفزيون وما إلي ذلك. هناك العديد من الكتاب يكتبون في هذا الموضوع ويتناولونه سواء من خلال الكتابة القصصية أو الشعرية أو الروائية، لكن المشكلة كما قلت تتمثل في هذه الموجة من الألعاب الإلكترونية والحواسيب والشبكة المعلوماتية التي تغزو كل المدارس والأندية والبيوت والأحياء، وأصبح في متناول الطفل أن يستفيد من هذه الخدمات بثمن زهيد، فلسنا ضد هذه النقلة النوعية، لأنه لا يمكن أن نبقي بعيدين عن التطور العلمي والتكنولوجي والمعلوماتي الذي يغزو كل أنحاء العالم، لكن الطفل الآن أصبح رهينة لهذا التكنولوجي، ولم يعد قادرا علي تطوير معلوماته من خلال الكتاب والمجلة، بل إن الطفل أصبح يلعب أكثر مما يقرأ ويتوعي ويتثقف ويطور من مواهبه القرائية والعقلية والذهنية والنفسية، بمعني أن استعمال هذه الوسائل من طرف الطفل المغربي استعمال خاطئ، بينما نري أن الطفل في الدول المصنعة لهذه الإنجازات العلمية الحديثة يتعامل معها بحذر، بالرغم من كونه في موطنها الأصلي، إذ نجد في الولايات المتحدة أكثر من 340 مجلة، ويصدر منها حوالي 53 مليون نسخة، ونجد أن كتاب هاري بوتر قد طبع منه أكثر من خمسين مليون نسخة ووزع في جميع أنحاء العالم، وبلغات عديدة حتي العربية، بمعني أن العالم المتطور ما زال متشبثا بالكتاب والمجلة، لأنه لا يمكننا أن نستغني عن الحرف والعين التي تلتقط الحرف، والفم الذي يقرأ الحرف، والعقل الذي يتدبر هذا الحرف، بينما نحن في المغرب والعالم العربي قفزنا قفزة أكثر من اللازم، واستغنينا عن الكتاب والمجلة وأقبلنا إقبالا خاطئا ومعوجا علي هذه الإنجازات العلمية، وبالتالي علينا أن نغير من سلوكنا وسلوك أطفالنا خوفا عليهم من الانحراف. هل يمكن القول أن الاستعمال الخاطئ للوسائل الإلكترونية الحديثة لدي الأطفال قد ينعكس سلبا علي مستقبلهم التعليمي، مع العلم بأن لها إيجابياتها؟ لا ننكر الإيجابيات،… هناك فراغ في حقل التعليم والثقافة بالمغرب وفي حقل الرياضة أيضا، لا توجد هناك متنفسات ترفيهية أو تثقيفية أو تكوينية، وإن كانت فهي نادرة، وغير موزعة بشكل متساو بين المدن والمناطق المغربية، إذن أمام هذا الفقر الأدبي والثقافي يجد الطفل والشاب نفسه أمام خيار واحد وهو الهرولة نحو هذه الإنجازات العلمية والوسائل الإلكترونية الجديدة، وبالتالي يكون استعمالها من طرفهم استعمالا في غير موضعه، ربما قد تفيده، لأنه لا يطمح إلي أكثر من التواصل مع الآخر، ومعرفة ما يروج في العالم، لكن فضول الشباب والأطفال يقود إلي أشياء لا تحمد عقباها. سأعطيك مثالا، نحن نناضل من أجل حديقة نباتية، في أي مدينة من المدن تجد أناساً يتمنون هذه الحدائق، لكن في العديد من الدول المتقدمة نجد هناك حدائق نباتية، وأخري علمية، وحدائق فيزيائية، وهذه الأخيرة بقدر ما تفتح مجال اللعب والترفيه للطفل، بقدر ما تلقنه مبادئ العلوم… في المغرب لا يحصل هذا، ونتمني حدائق نستريح فيها ونشم هواء نقيا ولا نجدها … إنها مشكلة. إذن أمام هذه الأزمة الخانقة وعدم الاهتمام بالطفولة والشباب، وقلة خلق فضاءات العمل الإبداعي ووسائل التثقيف الحقيقية، أمام هذا الفراغ والأزمة يجد الطفل والشاب نفسه وجها لوجه أمام هذا الصندوق العجيب والخطير ليغوص في بحر الشبكة العنكبوتية (الانترنيت) ليدخله، وهو غير معزز بأسلحة كافية حتي لا ينحرف وبثقافة علمية روحية أو علمية وأخلاقية للتعامل مع قد ما يصادفه في طريقه من منزلقات فكرية أو سلوكية. وأين يتجلي دور الآباء في مراقبة أبنائهم في هذا المجال؟. للأسف هناك العديد من الآباء لا يعرفون ماذا يفعل الأبناء، كثير منهم أميون، أقصد لا يدركون خطورة الإقدام علي الانترنيت فكيف لهم أن يعملوا علي توعية أبنائهم، ثم إن الكثير من الآباء يسهلون لأبنائهم ولوج هذا العالم، وذلك بإدخال الشبكة العنكبوتية إلي منازلهم، إذن كيف يمكن تفسير هذا المعطي؟. إن العملية صعبة للغاية فانعدام المراقبة الحقيقية يؤثر علي مستقبل الأطفال والشباب ليس في المغرب بل في الوطن العربي أيضا. كعضو اتحاد الكتاب العرب شاركت في العديد من المهرجانات والندوات والتظاهرات الخاصة بأدب الأطفال. ما هي أبرز الاقتراحات التي تطرحها من أجل طفولة عربية، ناضجة، مثقفة وقادرة علي تحمل المساهمة في بناء صرح بلدانها؟. لا يمكن أن ننهض بثقافة الشباب والطفل، أو حتي بثقافة الكبار لأن البنية الثقافية العربية مهترئة، الإنسان العربي يلهث يوميا وراء لقمة العيش، واللباس، وملء البطن، فهذه الأمور اليومية، وهذا القدر غير الجميل، والحاجيات الحياتية يراها ضرورية، بينما الكتاب والمجلة، الثقافة، القراءة، الفن الرفيع، تبقي ثانوية، فلكي تغير من هذه الرؤية، والنظرة الدونية للثقافة والكتاب، والتي تعوق المجتمع من أجل بناء غد ومستقبل مشرقين، علي الدولة أن تخصص ميزانية لتنمية الجانب الثقافي والفني الخاص بالأطفال والشباب، وإن كانت فتبقي زهيدة وغير كافية، حتي نعيد للطفل والشاب العربي الثقة في دور الثقافة في التغيير، وأعطيك مثالا فميزانية ثقافة الطفل في الولايات المتحدة تأتي في الدرجة الثانية بعد ميزانية التسلح، فهاتان الميزانيتان هما اللتان تشهدان كل سنة نموا مهما، وهنا نطرح السؤال لماذا تغدق أمريكا أموالا طائلة علي أطفالها، لو لم تدرك أن مستقبل البلد في الطفل ومع الطفل، فبناء الإنسان يبدأ من الطفولة، وأمريكا تبني مجتمعها من خلال أطفالها، وفي الانتخابات الأمريكية نجد أن كل رئيس عندما يبدأ خطابه يبدأه بالطفل في أمريكا، وأوروبا يهتمون بالطفل، أما الطفل في العالم العربي فهو مهمش، ومقصي وبعيد عن اهتمامات المسؤولين، أقصد الاهتمام بكل ما تحمله الكلمة من معني، وبالتالي دائما تكون اقتراحاتي من خلال محاضراتي داخل وخارج المغرب الاهتمام بالطفل من جميع النواحي خاصة فيما يتعلق بالجانب التعليمي والثقافي. وفي المغرب؟ هناك جمعيات كثيرة تهتم بالأطفال، وهناك مجلات، وبرلمان للأطفال، لكن كل ذلك لا يبشر بمستقبل زاهر للأطفال. ولتغيير الأمور ماذا يمكن فعله لصالح أطفالنا؟ ـ يجب علي وزارة التربية الوطنية المغربية أن تغير مناهجها، وأن تطور هذه البرامج والمناهج، لأن حالتها الراهنة تدعو إلي الشفقة، ولا يمكن أن تنتج إلا البطالة والعطـــالة، ربما يعود ذلك إلي أن التصور العام للمغرب ينبغي أن يبقي كما هو، وأن يتمسك بالأمور من هوامشها، وألا يتعمق أكثر، ربما تكون هناك إشــــارات دورية علي أن الأوضاع في العالم العربي وأفريقيا تبقي تقليدية وألا تتطــور حتي لا تصبح هذه الدول منافسة للدول العظمي، ثانيا علي وزارة الثقافة ألا تقتصر فقط علي إصدار قصص ومجاميع شعرية بل يجب أن تؤسس مكتبة في كل حي من هذا البلد. وأعطيك مثالا عن توني بلير في حملته الانتخابية كان يعد بتشييد مكتبة في كل حي، حيث أنشأها، ووظف عددا من القيمين عليها، وبالرغم من تقدم أوروبا علميا وصناعيا فما تزال متمسكة بالكتاب، كوسيلة تقليدية للعلم والتثقيف. أصدرتم العديد من الكتب للأطفال، هل تحسون أنكم قدمتم الشيء المهم أم أنكم دائما في بحث مستمر عما يهم الطفل حسب ظروف الزمان والمكان؟ العالم يتغير ونحن أيضا نتغير، وبالتالي فان إصداراتي هي الأخري تتغير حسب الظروف، لقد كتبت ما يقارب خمسين مجموعة قصصية فيها ما هو علمي، نفسي، وديني بأسلوب حديث، وفيها الكثير من الجوانب الحياتية وفي كل يوم أكتشف أن هناك جانبا لم أتطرق إليه من قبل، وأن جانبا مهما ينبغي أن يُلم به (بضم الياء)، فأتناوله في أشكال قصصية أو مسرحية أو شعرية متنوعة. طموحاتي دائما هي البحث الدائم عن الأشكال التي تبني شخصية الطفل في المغرب والوطن العربي، ولا يمكن أن أدعي الكمال في هذا الصنف الإبداعي الذي يحتاج إلي اهتمام. وربما إلي ممارسة نقدية توجهه؟ بالفعل، في المغرب وفي العالم العربي، يوجد العديد من النقاد المتخصصين، هناك بعض الكتابات تحمل انطباعات وآراء، وأفكار قد تصيب أحيانا وقد تخطئ أحيانا كثيرة، بل إن كتاب الطفل هم أيضا لا ينطلقون من كتاباتهم الخاصة، إما يلخصون روايات قديمة أو قصص مترجمة، يعني غير متخصصين في الكتابة للطفل، لأن هذا النوع الأدبي في حاجة إلي تخصص ودراسة عميقة لنفسية الطفل وجوانب من شخصيته، فنحن الذين عملنا في ميدان التعليم، درسنا ما تيسر علي يد مربين واحتككنا بالأطفال مباشرة، وحاولنا أن نمزج ما تعلمناه، لكي نوظفه في كتاباتنا، وهذا العالم يتطور ونحن نواكبه، ولا ندعي أننا أجدنا فيه مئة في المئة. قريبا، تشاركون في إحدي اللقاءات الخاصة بأدب الطفل بتونس. ما نوع المشاركة التي ستقدمها وهل المغرب يساهم من جانبه في إثراء الخطاب الثقافي والتعليمي الطفلي في الوطن العربي؟. سأشارك في تظاهرة خاصة تقيمها إحدي المؤسسات التي تصدر إحدي المجلات بتونس الهدف منها هو تطوير هذا المنبر الإعلامي الخاص بالطفل. السؤال المطروح هو كيف نستطيع أن نطور مثل هذه المنابر حتي تخدم مصلحة الطفل ليس فقط في شمال أفريقيا بل في العالم العربي، محاضرتي تحمل بعض الأفكار الجديدة الانتقادية، وأفكارا أخري تسعي إلي بلورة الخطاب الموجه للطفل في تونس، وأنا من المساهمين في هذه المجلة ومنابر عديدة خاصة بالأطفال، الهدف الأساسي من كل هذه الكتابات والندوات والمحاضرات هو السعي إلي طرح أفكار متواضعة خدمة للطفولة والشباب العربي حتي يكون نافعا لنفسه ومجتمعه.0