هزلت حتى بدا من هزالها…

حجم الخط
0

يعد اتخاذ المجلس الوطني لحزب الاستقلال ـ أقدم حزب سياسي في المغرب ـ (بغالبية 870 عضوا من أصل 976 عضوا) في دورته العادية الثالثة قرارا بالانسحاب من التشكيل الحكومي، من القرارات الاستثنائية التي ستُسجَّل في تاريخ حوليات السياسة المغربية، بعد أن قَبِل هذا الحزب بالانضمام إلى هذه الحكومة الجديدة منذ سنة ونصف السنة، بعد إقرار الدستور الجديد. فحزب الاستقلال حصل على 60 مقعدا في البرلمان في انتخابات تشريعية سابقة لأوانها، جرت في المغرب في 25 تشرين الثاني/نوفمبر 2011، أحلَّته في المرتبة الثانية بعد حزب العدالة والتنمية الإسلامي، الذي فاز لأول مرة منذ تأسيسه قبل 17 عاما، بأكثر المقاعد بحصوله على 107 مقاعد، فشكَّلَ الحزبان الاستقلال والعدالة والتنمية تحالفا حكوميا بمعية حزب الحركة الشعبية اليميني وحزب التقدم والاشتراكية اليساري، أسفر عن توقيع ‘ميثاق الأغلبية’ الذي تضمن المبادئ السياسية التي سينبني عليها العمل الحكومي، وإعلان أول حكومة مغربية تخرج من رحم الربيع المغربي، من خلال مَنح إحدى عشرة حقيبة وزارية للإسلاميين برئاسة عبد الإله بنكيران، وست حقائب للاستقلال مع رئاسة البرلمان، وأربعة مقاعد لكل من حزبي الحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية.
وكان حزب الاستقلال أثناء هذه الأحداث ولا يزال يعيش صراعا داخليّا ما بين تيارين كبيرين: التيار التاريخي المتمثل في عائلة الفاسي، التي أسست حزب الاستقلال، وتيار جديد نام يقوده حميد شَبَاط، البرلماني وعمدة مدينة فاس، وزعيم الذراع النقابي للحزب، يريد إخراج زعامة الحزب من منطق التزكية والمبايعة للمترشح الوحيد الذي كان ينحدر من الأسرة المؤسِّسة للحزب إلى لعبة صناديق الاقتراع.
وبعد تشكيل الحكومة الجديدة بقيادة العدالة والتنمية بتسعة أشهر، قام حزب الاستقلال في ايلول/سبتمبر 2012 بتنظيم انتخابات منصب الأمين العام الجديد للحزب، فأدَّى التباري بين حميد شَبَاط وعبد الواحد الفاسي بن الراحل علال الفاسي، مؤسس الحزب في النصف الأول من القرن الماضي، إلى فوز الأول فوزا بينا كاسرا لقاعدة التزكية والمبايعة سالفة الذكر. ولما وصل حميد شَبَاط إلى سُدَّة الحزب، وجه انتقادات كثيرة لحليفه الحكومي حزب العدالة والتنمية، واتهمه بتهميش حزب الاستقلال في العمل الحكومي، ووصف طريقة إدارة رئيس الحكومة بأنها طريقة إدارة حزب وليس إدارة حكومة، وذلك باتخاذه لقرارات مصيرية تهم المغاربة من دون أن يستشير الأحزاب المكوِّنة للحكومة. ورفع مذكرة لرئاسة الحكومة سمَّاها بـ’جهاد الكرامة’، طالب فيها بتعديل حكومي، وعدم الزيادة في الأسعار، والقيام بإصلاحات حقيقية تُخرج المملكة من آثار الأزمة الاقتصادية العالمية، وأزمة منطقة اليورو، والإسراع في تنزيل مضامين الدستور الجديد.
ولما انتهت اجتماعات أحزاب الأغلبية الحكومية من دون جديد يذكر، ازداد غضب حميد شَبَاط، فعمل على أن لا يترك أي فرصة لتجمع خطابي أو اجتماع حزبي إلا ويكيل النقد اللاذع لهذه الحكومة، إلى أن حشد أعضاء حزبه اخيرا في اجتماع الدورة العادية، للتصويت على قرار تاريخي لم يكن في جدول أعمال الاجتماع أصلا، فأخرج الأمين العام آخر أوراقه؛ ليوقع حكومة ‘بنكيران’ في مأزق فقد الأغلبية في البرلمان، ودعا إلى تحكيم الملك في هذا التدبير السياسي، بإعمال الفصل 42 من الدستور الجديد الذي ينص في فقرته الأولى على أن ‘الملك رئيس الدولة وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحُسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة. الملك هو ضامن استقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة’.
وليت شعري مَن يدلّني على وجه الاستدلال في مضامين هذا الفصل على الخرق الدستوري الذي تسبب فيه انسحاب حزب الاستقلال، وأي عرقلة أحدثها لسير المؤسسات، وأي نسف للاختيار الديمقراطي ووو… حتى يطلب التحكيم الملكي وتنزيل مضمون هذا الفصل؟
وبما أنه لا شيء من هذه المحذورات المتضمنة في الفصل 42 قد وقعت، فإن الدعوة إلى تحكيم الملك دعوة لا مسوِّغ لها، ما دام أن الانسحاب لا يعدو أن يكون حَراكا سياسيا معتادا، إن لم يكن مدبَّرا. وعليه فقد قام الحزب بإرسال مذكرة تفسيرية تتضمن أسباب الانسحاب إلى الملك، بوصفه رئيسا للدولة والحَكَم بين المؤسسات، الذي قام بدوره بمهاتفة رئيس الحزب، وطلب منه الإبقاء على وزراء الحزب في متابعة أعمالهم الوزارية ـ والعهـدة على راوي الحزب ـ إلى حين عودته من رحلته الخاصة في فرنسا.
والمتابعون للشأن السياسي المغربي لم يتفاجأوا من هذا القرار الذي كان متوقعا؛ ويعد قرار الانسحاب لحد الساعة قرارا نظريا لم يتم تطبيقه فعليّا، إذ كلف مجلس الحزب الهيئة التنفيذية بتدبير الموقف، إما بالقيام بانسحاب حقيقي، أو بالتراجع عن قرار الانسحاب، بحسب ما يظهر لها تبعا للمعطيات الجديدة.
وهذا يدعونا للتساؤل: هل للأحزاب السياسية المغربية استقلالية حقيقية في اتخاذ القرار؟ أم هي استقلالية صورية؟ لمَّا لجأ هذا الحزب للمَلك في قبول قرار الانسحاب أو رده؟ ذلك أن المجلس الوطني لأي حزب هو جهازه الداخلي الذي يصدر القرارات المصيرية للحزب، وهو الذي صوَّت للانسحاب من الحكومة في حالتنا هذه، فكيف ينتظر هذا الحزب الملك للحسم في موضوع الانسحاب؛ لذا يمكن القول: إنه لا عبرة بمن يتشدق باستقلالية مزعومة للأحزاب في المغرب.
وقد ذهب بعضُهم إلى عَدِّ قرار الانسحاب هذا بأنه قد يؤدي إلى أزمة حكومية وضرب من عدم الاستقرار السياسي الذي قد تكون له آثار سيئة على الشعب اقتصاديا واجتماعيا، وتوقعوا أن يستقبل الملك رئيس الحزب المنسحب لإيجاد حل للمشكلة؛ وذلك لأن المغرب يسعى إلى تفادي حالة اللاستقرار السياسي الذي تعيشه بعض البلدان العربية؛ لما قد تجلبه للبلاد والعباد من خسارة اقتصادية واجتماعية. ويرى المتأمل في حلول هذا الانسحاب أنها لا تخرج عن أربعة حلول، وهي: إما القبول بشروط الحزب المنسحب، أو الذهاب إلى انتخابات مبكرة، أو تشكيل أغلبية جديدة، أو استمرار الحكومة الحالية بدون أغلبية.
أما الأول فهو احتمال استجابة رئيس الحكومة لمطالب حميد شَبَاط وحزبه، في ما يخص التعديل الحكومي، والإجراءات التي اقترحها لحل مشاكل العجز في الميزانية، وإعادة النظر في طريقة اشتغال الفريق الحكومي في حل مشاكل صناديق التعاقد وصندوق المقاصة، فإذا ما استجاب رئيس الحكومة لهذه المطالب، فإن حزب الاستقلال سيستمر في الحكومة وتنتهي الأزمة. وإن كان هذا الحل من شأنه أن يورث الحزب الإسلامي ضعفا وهوانا سياسيا، يُكدِّر صفو عمله الحكومي.
أما الحل الثاني فهو اللجوء إلى انتخابات مبكرة تعيد ترتيب الخريطة السياسية، لعلها تخوِّل لحزب العدالة والتنمية الحصول على أغلبية، تكفُلُ له متابعة عمله الحكومي بكل أريحية. وهي عملية يجب أن تخضع بحَسب الدستور الجديد للفصل 104 منه، الذي ينص على أنه ‘يمكن لرئيس الحكومة حل مجلس النواب، بعد استشارة الملك ورئيس المجلس، ورئيس المحكمة الدستورية، بمرسوم يُتخَذُ في مجلس وزاري. ويقدم رئيس الحكومة أمام مجلس النواب تصريحا يتضمن، بصفة خاصة، دوافع قرار الحل وأهدافه’. لكن هذا الحل له كُلفة سياسية واقتصادية باهضة، فقد يُدخل المغرب في قائمة البلدان التي تعاني من عدم الاستقرار السياسي، وتجعل رؤوس الأموال الأجنبية تصدُّ عنه وتنفر منه، كما ستكلفه ملايين الدراهم للصرف عليها تنظيميّا.
أما الحل الثالث فهو بحث حزب العدالة والتنمية ـ في حالة انسحاب حزب الاستقلال ـ عن حلفاء جدد يوفرون له عدد مقاعد كفيلة بضمان الأغلبية في مجلس النواب. وإذا نظرنا في الأحزاب التي تتوفر على مقاعد كثيرة نسبيا، فإننا نجد حزب الأصالة والمعاصرة اليميني بـ47 مقعدا، إلا أنه يُستبعد قَبولُه الانضمام للحكومة؛ لعداوته الشديدة للإسلاميين. أما حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية اليساري ذو الـ39 مقعدا، فقد اختار المعارضة الايديولوجية لهذه الحكومة التي يقودها حزب إسلامي، ومن ثم سيستنكف عن القيام بدور المنقذ. ويبقى أمام الإسلاميين التجمع الوطني للأحرار ذو الـ52 مقعدا، وحزب الاتحاد الدستوري ذو الـ23 مقعدا، أما الأول فقد عُرف أمينُه العام (وزير الاقتصاد والمالية السابق) صلاح الدين مزوار بعداوته السياسية للإسلاميين، وما الملاسنات السياسية بين الطرفين بخافية على كل ذي عينين. أما الاتحاد الدستوري (23 مقعدا) فإن انضمامه للحكومة لن يُجدي؛ لأنه لن يوصل الرصيد النيابي للحكومة في البرلمان إلى منزلة الأمان من المعارضة، ذلك أن عدد المقاعد لن يتجاوز 181 مقعدا (العدالة والتنمية 107، الحركة الشعبية 33، التقدم والاشتراكية 18، الاتحاد الدستوري 23)، والعدد المطلوب لضمان الأغلبية هو 198 مقعدا.
ومن ثم فتبقى معرفة الحزب الذي يمكن أن يرشَّح لإنقاذ هذه الحكومة ضربا من ضروب الكهانة، ورجما من رجوم الغيب.
أما الرابع فهو استمرار الحكومة بأقلية برلمانية، وهو أمر لا تخفى تَبِعَاته السياسية التي من شأنها أن تعرقل العمل الحكومي.
هذا ولا تُعد مسألة انسحاب حزب الاستقلال بالكارثة القاتلة ـ إذا سلَّمنا بوجاهته وسلامة نية أصحابه ـ على عكس ما هو رائج، ذلك أن مثل هذه الانسحابات في الدول الديمقراطية تسهم في تقويم التدبير الحكومي وتحسينه، ولا جرم أن العمل السياسي في المغرب هو أحوج ما يكون إلى مثل هذه الرَّجَّات التي توقظ من السبات، وتدفع القائمين على الحكومة إلى التصحيح والتصويب لأجل مصلحة المواطن، أما إذا كان لأجل مصلحة التحالفات الحكومية، واللوبيات الاقتصادية، وتحسين موقع الحزب في التشكيل الحكومي، فإن قرار الانسحاب سيكون مجرد زوبعة في فنجان، ذلك أن هناك من ذهب إلى ترجيح الاحتمال الأخير، لمَّا رأى أن تأسيس الحكومة الحالية برئاسة بنكيران كان قد وقع بعد مرور تسعة اشهر على ظهور حركة 20 فبراير المواكبة لحراك الربيع العربي، التي يجوز أن نقول، إنها أسقطت الحكومة التي كان يرأسها حزب الاستقلال (المنسحب من الحكومة الحالية)، فجاءت الانتخابات الجديدة بحزب العدالة والتنمية على رئاسة الحكومة، فرغب حزب الاستقلال في استرجاع كرسي الرئاسة الذي أُخِذ منه.
وخلاصة القول إن حزب الاستقلال إذا قبل بالتنازل عن الانسحاب من دون أن تنفَّذ شروطه التي طالب بها، سيكلفه ذلك غاليا سياسيّا. وأما إذا قبِل حزب العدالة والتنمية بمطالب هذا الأخير، فإنه سيخسر هو أيضا أسهما كثيرة من شعبيته في الشارع. فكيف سيتم تدبير هذا الأمر؟ وما هو المقابل السياسي الذي سيُرضي رئيس حزب الاستقلال؟ وما هي المسوِّغات ـ ولن يعدمها ـ التي سيخرج علينا بها بنكيران إذا ما قبل بالشروط الشَبَاطية؟ وهل سيستطيع حزب العدالة والتنمية إتمام ولايته الحكومية، وله قرين سياسي يسيل لعابه لكرسي الزعامة؟ وهل تصبح الحكومة المغربية برئيسين في ظاهرة فريدة من نوعها؟!

‘ باحث وكاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية