مهدي نصيروأنا أقرأ هذه المجموعة الشعرية الصغيرة في حجمها والصادرة عن دار أمواج وبدعم من وزارة الثقافة لعام 2011 والواقعة في 115 صفحة وتضم عشرة قصائد اتخذت شكل المقاطع والومضات المتصلة والتي يُكمل ويتابع بعضُها بعضاً في نسيج لغوي وإيقاعي حاذق وجميل، توقفتُ كثيراً عند مقاطع قصيرة مُكثَّفة وتفيضُ شعراً وحزناً وفقْداً وحضوراً وغياباً وتسكنها امرأةٌ تغيبُ وتحضرُ في جدليَّةٍ سكنت كلَّ قصائد هذه المجموعة.
يقول علي شنينات في أوَّل عتبات هذه المجموعة والمأخوذة من إحدى قصائد المجموعة: ‘الشوارعُ مصابةٌ بالكُساحِ تمشي بلا قدمينِ / فقط شاعرٌ في آخرِ الزِّقاقِ مُصابٌ بالهشاشةِ / يتوكَّـأُ على قصيدة نثريَّة’في هذه الإضاءة تبرز الثنائية العميقة التي تعمل بها وفي مناخاتها قصيدة علي شنينات: ( الشارع / الناس / التاريخ / الواقع ) والكسيح والذي يمشي بلا قدمين في مقابل ( الشاعر / النُّخبة / القصيدة / الحلم / المرأة الأسطورة ) والمصابة بالهشاشة والضعف وتتوكَّـأ على قصيدة نثريَّة، وربَّما اختياره لقصيدة نثرية له إيحاء جانبي آخر.
في القصيدة الأولى في المجموعة ‘في أوَّل الأربعين’ يدشِّن الشاعر المجال الحيوي لقصيدته ويبدأ بالعزف الخافت على هذه الجدليَّة التي تسكنه وأسكنها مفاصل قصيدتهيقول علي شنينات: ‘حينَ رأيتُكِ تخلعينَ الشمسَ عن كاهلكِ وتلوِّنينَ بالحكمةِ قوسَ قُزح أدركتُ كيفَ في كلِّ عامٍ يسقطُ المطرْ’ ص 15 هذه المرأة / الأسطورة الغائبة / الحُلم / الخصب / عشتار / عناة / إيزيس والمحتجبة والغائبة عن الحضور في الشوارع وفي التاريخ والتي أسكنها الشاعر القصيدة كباب لدخولها الدائم الذي معه يأتي الخصبُ والفرح والمطرُ وأقواسُ قزح.
يرتقي علي شنينات في بوحه بالتناقض المؤلم الذي يسكنه ويواصل عزفه الماهر على أوتارِ قصيدته المشدودة فيقول: ‘ها أنا أُفتِّشُ عنكِ هكذا دونَ إذنٍ من إله القبيلةِ أو من حارسِ القلعةِ / يا حبيبتي امنحيني المفاتيحَ / لأجدكِ خلفَ أبوابِ القصائدِ / تغتسلينَ بالحكمةِ / وتُمشِّطينَ جدائلَ الفضيلةِ امنحيني المفاتيحَ قبلَ أن تقبضَ عليَّ أساطيرُ الغياب’ ص16 . في هذا المقطع الأخير من أوَّل قصائد الديوان نقرأ هشاشة الحُلم وبكائهُ، فكيف لهذه المرأة المتمردة على حكمة القطيع وفضيلته أن تغتسل بالحكمة وتُمشِّطَ جدائلَ الفضيلة؟ أنه بحث الشاعر المستحيل عن تزويج المتناقضات العميقة / بحثه عن مفاتيح القصيدة القادرة على الحياة وإنزالها من برجها العاجيِّ إلى التاريخ وطينه وحكمته وفضيلته والتي يقف دونها إله القبيلة / لذلكَ يرجوها الشاعر أن تمنحه مفاتيحَ أبوابها ليحملها إلى التاريخ والحياة والناس قبل أن تقبض علينا أساطير الغياب.
في قصيدة ‘ طين ٌ رخو ‘تواصل قصيدة علي شنينات تأسيس مناخاتها الباحثة عن المرأة الأسطورة والتي لا تجيء ليُسكنها أرض الناس العطشى فيقول: ‘والشاعرُ ولدٌ ممهورٌ بالخفَّةِ يقطفُ وردَ الشُّرفاتِ يُهرولُ في ركنِ مساءٍ مُكتظٍّ يحجزُ كُرسيينِ من الدهشةِ يجلسُ ينتظرُ امرأةً لا تجيء ‘ ص23 . يصل التناقضُ أعلاه في هذه القصيدة وتصل الهشاشةُ العميقةُ أعلى درجات توترها، فحين تختفي وتغيب هذه المرأة الأسطورة ويقوم الشاعر لوحده دونها ليشكِّل العالم ويُشكِّل وجوده ووجهه فلا يجد غير كومةِ طينٍّ رخوٍ دون ملامح فيقول: ‘في المرسمِ أصنعني من طينٍ رخوٍ / أركِّبُ رأساً ينزلقُ على كتفيَّ / أحاولُ لصقَ يدينِ / تسيلانِ على جسدي الهشِّ / فأسندني بساقينِ تذوبانِ سريعاً في أوَّلِ خطوٍ / فأجدني في الصُّبحِ على أرضِ المرسمِ / كومةَ طينٍ رخوٍ دونَ ملامحَ / تُشبهني ‘ ص27 . وحتى يدفع الحالة الشعرية إلى مسارها الذي بنى الشاعر عليه رؤيته للقصيدة ويضع هذه الحالة في سياقها كحالةٍ عامة وليس كحالة نخبوية فيقول في مقطع سابق من هذه القصيدة: ‘أنا جذعُ المدينةِ كلها أتكاثر باللغةِ فأُسندُ أحلامَ العابرينَ على وجعِ الممراتِ الضيِّقةِ المدينةُ ملآى بي وكلُّ الشوارعِ تُفضي إلى قصيدتي النثريَّة’ ص25 . هذه القصيدة تحملُ في داخلها كل مكوِّنات وهواجس ورؤية قصيدة علي شنينات وجدلها العميق بين الحلم والواقع والنزوع الصادق والمستحيل لتجسيد الشِّعر كوجود حقيقي يحمل للحياة الجمال والخصب والدهشة.
في قصيدته ‘أقرصُ لهفتها بالقصائد’ يواصل علي شنينات الحفر عميقاً في وجع التناقض العميق الذي بنى قصيدته عليه ويواصل العزف على أوتار الحضورِ والغياب لهذه المرأة المدهشة ‘الرقيقة بحجم الوردِ والعميقةُ جداً كالقصيدة’. يقول علي شنينات في هذه القصيدة والتي نقرأ بها صورةَ امرأتين (الحلم الواقع ) و(المرأة الأسطورة المرأة في تجسُّدها في الواقع): ‘المرأةُ التي تمرُّ كلَّ مساءٍ / تمسحُ هُدبَ القصائدِ بالزيزفون / أقولُ لها شكراً / والمرأةُ التي وقفت بجانبِ الشمسِ تغتسلُ بماءِ القصيدةِ / نسيت أن تقولَ للقصائدِ شكراً ‘ ص34 . وفي ‘لأنَّكِ كالغيمِ’ يواصل علي شنينات حلمه بحضورها وتجسُّدها بالتاريخ والواقع فيقول: ‘مدهشٌ لو تخرجينَ عاريةً من نافذةِ الكلامِ / سيكونُ لكِ سبقُ الخروجِ على تقاليدِ القصيدةِ أوَّلاً / وتكونُ لكِ اليدُ الطولى في رسمِ خارطةِ السلام ‘ ص53 . أيُّ سلامٍ هذا الذي يبحثُ عنه الشاعر؟ وأيُّ سبقٍ تبحثُ عنه القصيدة في الخروجِ على تقاليدها؟ إنَّه سلامُ القصيدة مع الواقع وتجسُّدها فيه وزرعها للجمال والخصب في الشوارع الخلفية للتاريخ / إنَّه حلم الشاعر الأبديُّ المستحيل.
ويواصل علي شنينات حفره العميق بأظافر الوردة التي ‘تنامُ على سرير القصيدة’ ويعلو صوتُ عزفه القاسي على هذه الجدليَّة العميقة بين المرأة الوردة والأسطورة والمرأةِ التاريخ والواقع، بين حضورها الطاغي في القصيدة وغيابها القاسي أيضاً في التاريخ فيقول: ‘اخرجي من يدي لا أحتاجُكِ الآنَ / فثمَّةَ امرأةٌ تنامُ على سريرِ القصيدةِ تُشبهُكِ الفرقُ واضحٌ أنني شكَّلتها من طينةِ الشِّعرِ ونفختُ فيها من رؤايَ ‘ ص62 . يتأرجح الشاعر بين ضدينِ يأخذانه كلٌّ إلى مناخاته ففي ‘ذابلٌ بالغياب’ تعود القصيدةُ إلى واقعها المُتعالي الذي يقود الشاعر إلى الاعتراف بديمومة الجدل بين الحضور الجزئي والغياب، بين الأسطورة والواقع، بين القصيدة والتاريخ، ثنائيات تتبادل وتتجادل وتتحاور وتتنافر وتتآلف داخل قصائد هذه المجموعة التي تفيض بالشِّعر العالي، يقول علي شنينات في هذه القصيدة: ‘شكراً لشوقي الذي عوَّدني على الركضِ كثيراً / في المسافةِ بينَ حضورِكِ والغيابِ ها أنا بكاملِ لياقتي الآنَ أقفُ على منصَّةِ التتويجِ بطلاً للراكضينَ إلى الخسارة’ ص66 . ويواصل الشاعر جدله العميق والمؤلم والقاسي والثريَّ فيعلو حيناً ويهبطُ أحياناً ويصرخُ عند وصول التوتر أقصاه، فيقول: ‘يا أنثى بحجمِ يدي أهِ لو تعرفينَ حجمَ يدي التي قبضت على جمرِ المسافةِ بينَ اتساعِ الرؤى والمستحيل’ ص72، ويعلو هذيانه أعلى فأعلى فيقول: ‘لمَ لا تدركي أنَّ مفتاحَ بابي مُعلَّقٌ بجديلتكِ / وأنَّ زندَ البابِ يصدأُ من قِلَّةِ العابرين ‘ ص75 . وفي محاولةٍ لرأب الصدعِ بين حضورها والغيابِ، هذا التوتُّر الذي سكنَ قصائد المجموعة يقترح الشاعرُ حلاً مؤقَّتاً لوجعِ الغياب وذبذباتهِ المنهِكة بين القصيدة والتاريخ، فيقول في قصيدتهِ ‘أجنحتي طويلة’: ‘وأنا في مفازةِ الوجعِ الخفيِّ متربِّصاً بالنساءِ العابراتِ على شبقِ الكلامِ رميتُ بكلِّ فراستي حجراً مقدَّساً في بئرِ الحياةِ الخاربِ أسميتُهُ دونَ احترازٍ هكذا: حجرَ القصيدة’ ص93 . كأنَّ الشاعر اقترحَ في ‘حجر القصيدة’ معادلاً وموازياً لما سمَّاه الفلاسفة والحكماء (حجر الفلاسفة وإكسير الحياة) ولما سمَّته القصيدة ‘إكسير التاريخ’ الذي إذا أصابه هذا الحجر وامتزج به حوَّله من البكاءِ والدماءِ والفقدِ إلى البهجةِ والفرحِ والحضور، ولرهانه على هذا الإكسير ولوعيه أنه يحتاجُ قصيدةً شابةً متجدِّدةً لا تهرمُ حتى يكون لها قدرة هذا الإكسير وسحره في التاريخ والحياة، فيقول في عودة إلى التناقضِ في شحنتهِ الحارقة والقلقة: ‘كعجوزٍ هرمةٍ تتوكَّـأُ على حظٍّ قليلٍ تخرجُ مني الفكرةُ مَن يُعيدُ لي كُحلةَ عينها والشَّالَ والأصابعَ وبحَّةَ صوتِها والزَّغبَ كي تستعيدَ شبابها هذه القصيدة؟’ ص101 . بقيت ملاحظتانِ مهمتانِ حول هذه المجموعة:
أوَّلاً: التشكيل الإيقاعي لقصائد هذه المجموعة والتي تنتمي لقصيدة النثر العالية المستوى مع تنويعات تفعيلية كانت تأتي عفوَ الخاطرِ ودونَ قصدٍ من الشاعر وهذا ما أعطى إيقاعية قصائد المجموعة تميُّزاً وجمالاً.
ثانياً: لغة القصيدة عند علي شنينات لغةٌ حاول صهرها وإعادة تشكيل مفرداتهِ وصياغاتهِ بعيداً عن جلبِ كتلٍّ لغويَّةٍ جاهزةٍ ومجانيَّةٍ ومشاعيةٍ ومُستهلَكة، مما أعطى هذه المجموعة شخصيَّة لغويَّة مستقلَّة.
أردتُ في هذه القراءة لهذه المجموعة الإشارة إلى أنَّ هذه المجموعة مليئةٌ بالشِّعرِ الجميل والعالي والراقي وتؤشِّر إلى شاعرٍ حقيقيٍّ سيأخذ مكانه في الشِّعر والقصيدة الأردنية والعربية وتستحق أن يلتفت إليها النقاد المحترفون.