هشام جابر: نحن الآن امام أهم لحظة في تاريخنا العربي

حجم الخط
0

‘الشعب يريد هزار النظام’ عمله المسرحي الجديدبيروت ـ ‘القدس العربي’ ـ من مازن معروف: ابتكر المسرحي الشاب هشام جابر شخصية ‘روبرتو قبرصلي’. وقف بها مؤخرا في بيروت، ضمن عرض ( الشعب يريد هزار النظام) الذي صُنِّف كـ ‘ستاند أب كوميدي’، إلا انه تجاوز منطق السارد والنص والنكتة الذكية والشخصية الحقيقية التي تحادث الجمهور. اوكل المهمة إلى السيد قبرصلي، ليرفع جابر عرضه من مجرد خليط نكات إلى كوكتيل كوميدي مشدود وغني بالصور السوريالية. تناول الاوضاع في البلاد العربية، تونس، مصر، ليبيا، البحرين، اليمن وسورية. ولم يوفر الأحزاب اللبنانية ولا قنوات التلفزة المحلية التي تتصارع فيما بينها وتصمت جميعها تقريبا حيال ما يحدث في سورية. عن روايته المسرحية، وقراءته للمشهد السياسي، كان هذا الحوار.* عنوان عرضك الاخير كان ‘الشعب يريد هزار النظام’ عبر شخصية وحيدة على المسرح ( روبرتو قبرصلي) العنيف، والغاضب طوال الوقت، والذي يكون على الجميع اتقاء شره وحتى الجمهور. قبرصلي شخصية مسرحية بأزيائها وانفعالاتها ونبرة صوتها وسلوكها، وبذلك تكون قد قدمتَ ما لا يمكن تسميته ‘ستاند أب كوميدي’، في الوقت الذي تمسكت فيه بنص مستقى مما يجري حاليا في العالم العربي. نريد أن نعرف أكثر عن روبرتو قبرصلي، وكيفية تعاطيه مع الواقع. * روبرتو قبرصلي بدأ العمل عليه في عرض ‘خبز عربي’. ثم استكملت ملامحه في ‘ليس للعموم’. كنت أريد لهذه الشخصية أن تتطور، وعملت على ذلك. ‘ليس للعموم’ كان العمل الفصل في مسيرتي. أعمل بالإجمال في ستايل مسرحي خارج اللعبة المسرحية. ألعب في فكرة التفاعل مع الجمهور، وإخراج الناس من مجرد متفرجين سلبيين، او أفقيين. في ‘ليس للعموم’، عملت على شخصيتين قاسيتين، شبيهتين بشخصيات تيم برتون. لكنني أردت مزيدا من التطوير فيهما، فأخذتهما إلى مطرح شعبي أكثر. كنت أريد إدراج تفاعل لا يتوقعه أحد. القبرصلي لا يلتزم بتفاصيل. يمكنه ان يلعب مع الجمهور، أن يصفع أحدهم من دون أن يزعل. إنه شخصية تبعث على الضحك مهما فعلت. وهذا لا تصل إليه إلا بشخصية لا يمكن الفكاك منها. وفكرة الشخصيات الثابتة، كانت تشغلني منذ دراستي المسرحية في الجامعة. أن تبتكر شخصية جديدة لكن لها علاقة بالحياة من جهة وبما هو فوق الحياة، أي الفن، من جهة أخرى. روبرتو قبرصلي كان اكثر ملاءمة من سواه للتطوير. في ‘ليس للعموم’، فُتحت المسرحية على اكثر من جهة واحتمال. نمت هذه الشخصية عبر تفاعلها مع الجمهور. طورت الشخصية في مصر، ثم أكملت العمل عليها في لبنان. أنا لا اتابع ‘الستاند أب كوميدي’، في العادة لا يمكنني الاستمرار لأكثر من ثلاث دقائق أمام عرض مماثل. لكن اللافت أنك لا تحتاج سوى إلى ميكروفون وإضاءة جيدة لتقدم عرضا، وبالطبع نصا قويا، وقدرة على الارتجال. فعملت في هذا الاطار، وكان اهتمامي في تحفيز جمهور مختلف. لا يعنيني الجمهور الآتي لكي يستقبل ما تقدمه له ويغادر. لا يعنيني ذلك الجمهور السلبي، الميت، كأنه مجموعة من الجثث. الجمهور الذي لا يفعل شيئا سوى الجلوس في الصالة ومشاهدة العرض والتصفيق بعد انتهائه. أريد جمهورا فاعلا، لا يأخذ شكل الجثة، كما المدينة. الحمرا مثلا ليس شارع المثقفين، هو شارع تجاري، يبيع الناس فيه ويشترون وتتقاطع مكونات المجتمع فيه عبر التجارة. هناك إذن العديد من الفئات الاجتماعية التي تتلاقى هنا. لذلك اريد جمهورا واسعا، مختلفا. حين يكون أحدهم داخلا مطعما لتناول وجبة ويرى إعلانا عن عرض مسرحي، اريده أن يأتي ويتفاعل معي. هذا حق للجميع. هذا الجمهور المختلف والمتنوع يفيدك كفنان ويفيد العرض. لذلك كنت أقدم عروضا في حانات مثلا. جمهور آت ليتناول مشروبا ويغادر، وخلال ذلك يلقى نفسه امام عرض مسرحي ويتفاعل معه بحماسة. هذا جميل جدا. عملت عرضا عن المونديال مثلا بعنوان ‘بُخش نظر’. وهذا سبقه، كما العروض الاخرى، بحث دقيق في المجتمع وتأثير الفوتبول عليه، وتاريخ اللعبة، ومن ثم دمج السياسة فيه، لأن السياسة لا تنفصل عن المجتمع في حال. الشكل اللبناني والأحزاب، تكون مادة إلى حد عميق لعرضي. أهتم أولا بتثبيت الأرضية او الشيفرات التي عليك أن تبني فوقها مساحات كبيرة في المسرح. هذا الأمر يرفع سقف الفضاء المسرحي في العمل. * تأثيرات المحيط العربي والعالمي تصب إلى حد ما في لبنان ويعاد إنتاجها بصيغة محلية. رأينا روبرتو غاضبا جدا من التشكيلة الحبية اللبنانية ومدى تأثرها بالجار السوري، وهذا التجاهل الإعلامي في لبنان لأحداث سورية. * صحيح. دعني أقول لك بأن ما يحدث حاليا في العالم العربي هو من أهم المحطات منذ خمسين او ستين عاما، أي منذ أن نلنا استقلالنا. المنطقة بدأت تدخل في التاريخ. الكبار يقررون عادة شكل التاريخ وموقعك داخله. لكن المنطقة العربية، وبسبب الثورات، لم تعد ذلك المتفرج على التاريخ. الثورة بدأت في تونس، البلاد التي تتسم بمستوى ثقافي أعلى من باقي الدول، ويتميز شعبها باحتكاكه مع قيم اوروبية، وتحصيله العلمي العالي، ووجود عدد كبير من المثقفين فيه. كان هذا مقابل نظام مهترئ لم نكن حتى نسمع عنه شيئا. لم نكن نشعر بتونس ولا نقرأ عنها شيئا. لم تكن موجودة على الخريطة العربية السياسية. اللحظة الثورية امتدت إلى مصر ذات النظام السابق المهترئ أيضا، وكانت هناك حاجة للتغيير. مصر هي مركز العالم العربي. وكان الشباب قد بدأوا بالتأسيس لهذه الحركة الضخمة من حوالي ثماني سنوات. مصر نواة كبيرة جدا. لكنها كانت فاقدة لدورها وتآكلها الفساد والبنية التحتية المنهارة والفساد الثقافي والسياسي والمالي، وهناك تنوع كبير فيها وطبقة عمالية فاعلة. حين نجحت ثورة مصر، انفلش الأمر وامتد في اكثر من مطرح. والحريات في مكان ما تُمنَح. ولا شيء يسمى صحافيين مستقلين. ليس هناك اعلام مستقل. هناك نظام كبير على الكوكب ومنظمات اعلامية تتبع سياسة معينة. في العالم العربي، يمكنك ان تتبين شكل النظام من التلفزيون الرسمي التابع له. هي أنظمة فاشية لا تملك سوى ميكروفون واحد، ولا تدهشك ابدا. لا تقول ما يفاجئك. أنت تعرف خطابها وتوجهها. تندهش فقط حين تسمع عن ثورة. هل تذكر أنك اندهشت يوما؟ هذه المؤسسات الاعلامية تقدم لك صورة عن شكل النظام ومدى ذكائه، ومتابعته، وتعاطيه مع المسائل ومطالب الشعوب، ومدى حداثته، ومدى عمق قراءته للمشهد على الكوكب، وطريقة تفكيره، وموقعه في العالم، كما مدى صدقيته. الاعلام الرسمي يأخذ شكل النظام تماما. كما في سورية الآن. في لبنان، يتنوع الوضع أكثر. الإعلام يتخذ شكل اكثر من نظام. شكل كل نظام يتدخل في لبنان. الـ ‘أو تي في’ (OTV ) التابع للجنرال عون مثلا، يقدم نفسه على انه خلطة بين الحداثة والفرانكوفونية، ثم تجد أنه تلفزيون ضيعة كسروانية لا أكثر. هو يتوجه لجمهور محدد. تبدأ كرجل علماني ثم تتحول إلى زعيم للمسيحيين! بلا أي تفسير. ثم الترفيه الذي يقدم متأخر تماما. حتى أن برامج الستينيات كانوا اكثر خفة وأفضل. ‘الأو تي في’ كما كانت الـ ‘ال بي سي’ مطلع التسعينيات. الـ ‘إم تي في’ (MTV) تتوجه لأهل المتن الفرانكوفونيين كذلك، يصورون الوضع على انه تمام. إنه شركة لرجال أعمال يريدون كسب المال. هي قناة يهمها أن تعكس صورة عن لبنان شبيهة بدبي مثلا، لجلب الاستثمار. وعندهم شكل مذيعات معين. كلهن شبيهات بباربي. الأمر شبيه بما يحدث في الإعلام الأمريكي مثلا. إذا درجت الأسنان الناصعة البياض، ترى جميع المذيعين وقد أصبحت أسنانهم بيضاء جدا. إن انتقلت من الـ ‘إم تي في’ إلى قناة ‘المنار’، فستظن أنك في بلد آخر، ثقافة أخرى، ولا يمكنك أن تصدق أن هؤلاء اللبنانيين لا يبعدون عن بعضهم البعض سوى بضعة كيلومترات. هناك ( بروباغاندا) معينة، باختلاف مصدر التمويل، وشكل المجتمع الذي يريدونه، وأي جمهور يريدون، وماذا يريدون من هذا الجمهور، وأي كتب يفترض بهؤلاء قراءتها، وأي مواد ينبغي أن يشاهدها. بروباغاندا لجمهور من طائفة معينة. ‘المنار’ توهم بأن هناك حالة تعبئة عامة، وكأن لا شيء آخر على الكوكب يستحق الحديث عنه. الـ ‘إل بي سي’، ايضا لها سياستها. وتلفزيون ‘الجديد’ كذلك. ‘الجديد’ يتبنى منهج اليسار الممانع. لكنها أقرب إلى الصحافة الصفراء. يبحثون عن الفضائح وتاليا نكتشف بأن لا شيء يستحق التضخيم. كمسألة تزوير النشيد الوطني اللبناني. الأمور لا تستحق التضخيم إلى ذلك الحد. بروباغاندا سخيفة. هي مواضيع تبعث على الضحك. في عملي الميديا دائما موجودة، وعلي أن اتعاطى مع هذا الاساس. الناس تستقي معلوماتها من الميديا، ومما يقدم لها. العرض الأخير كان خليطا من هذه الجهات الاعلامية. يقول قبرصلي في بداية ‘الشعب يريد هزار النظام’: أنا جايي لسِمِّلكُنْ بَدَنكُنْ. وهو نص أسود مع أنك تضحك كثيرا إلا انها كوميديا سوداء.* لكنها شخصية لا تأتي بحلة سوداء. الكوميديا تأخذ استعارات سوريالية عندك، ولا تقف عند حدود الهزل المجرد. روبرترو لا يدفعك إلى الأسى، وإنما إلى التساؤل بشأن الوضع الراهن في لبنان.

صحيح. روبرتو يحضر نفسه كثيرا قبل الوقوف على الخشبة. إنه متابع للوضع اللبناني عن كثب. هو بالنهاية ليس عرضا لنكات تنسج حول الحالة اللبنانية، وإنما تشريح لهذه الحالة. روبرتو لا موقف لديه من فريق معين وهو غير منحاز لأي كان. روبرتو يريد أن ينتقد لأن كل اللبنانيين يعيشون في نفس كومة الغائط، في الحفرة ذاتها. فلينتقد إذن، ليس من المفروض أن يكون هناك مانع. لتتكلم في السياسة اللبنانية من دون أن تغضب أحدا، عليك أن تكون ذكيا وفاهما لتفاصيل هذا الوضع وخباياه، وأن تكون قادرا على دحض حجج الآخرين، ومناقشتهم. كما عليك أن تكون صريحا، عندها يكون الحق معك حتى وإن كنت صداميا. إلى الآن، لم يضربني أحد على المسرح. مع أنني لا استبعد هذ الاحتمال في لبنان. الامر فعلا يبعث على الخوف وهو ليس بمزحة. لن يحميك أحد. وممكن أن يكون حتى مسلحا. لذلك، وضعت في إعلان العمل المسرحي ‘ممنوع إدخال الأسلحة’. * لكن، بالعودة إلى مسألة الميديا في لبنان، هل ترى أن المؤسسات الإعلامية متفقة على غض النظر عما يحدث هناك؟* في لبنان، هناك فريقان سياسيان. ذهنية بيروت الغربية وبيروت الشرقية لا تزال حاضرة في لبنان مع بعض التغييرات الطفيفة. الطرفان السياسيان لا يمكنهما أن يعيشا من دون النظام السوري الحالي. فريق الممانعة والمقاومة لا يمكنه الاستمرار من دون النظام السوري، لأنه نظام دعمه وحماه وفضله على آخرين. الفريق الثاني، متمثل بواجهة هي ‘تيار المستقبل’، لكنه فريق المارونية السياسية أو بما تبقى منها وحتى في الخطاب، لكنه أصبح مع مزيج سني. إنه مرتاح مع فريق سني. يستطيع بذلك تدوير الزوايا. لكن هذا الشكل الماروني، لا يستطيع العيش من دون النظام السوري، لأن سورية، عبر التاريخ، أبقت على حياة الموارنة، ولبنان بلد الموارنة تاريخيا. النظام السوري قدم حماية لهذا الماروني، مع أنه كان يستطيع إبادته لو أراد. صحيح أن هناك خلافات مع النظام السوري لكنها لا تصل إلى حد القطيعة. النظام في سورية، يحمي كلا الطرفين اللبنانيين. لبنان بلد صغير يقع على حدود سورية الكبيرة، والأمر ليس مزحة. إن أي تغير في سورية سيؤثر حكما على لبنان. البيوت السياسية في لبنان، لا تحمل ثورة كبيرة لإلغاء الإقطاع السياسي. الامر سيكون مؤذياً لهذه العائلات السياسية ذات التاريخ المعروف. وأي تغيير سيطيح حكما بهؤلاء. هناك خوف لدى فريق من ان ينتقد ما يجري في سورية. وليس من مصلحته السياسية أصلا أن ينتقد. لا يمكن للنظام السوري أن يلغي بكركي. لا يجوز الأمر. لأن النظام ممثل بأقلية في سورية. النظام هو أقلية علوية حاكمة. وعليه ان يحافظ على الأقليات، لأنه جزء منها في هذا البحر الكبير ذي الغالبية السنية. شرعية الاقليات وشكلها وطريقة تعاطي الناس معها تفرض احتمالات سياسية كبيرة. بالنهاية، هي طوائف نكل بها وملجأها الوحيد في هذه المنطقة بين لبنان وسورية وفلسطين. وتاريخهم مليء بالمعارك. وهم مجموعة طوائف مختلفة في العادات والتقاليد وحتى الموسيقى والأزياء… إلخ. لكل طائفة شكل اجتماعي. وهي طوائف تدافع عن ذاتها بطريقة آلية، لأنها خائفة طوال الوقت من أن تلغى. ومن غير المسموح لطائفة أن تكون قوية لهذه الدرجة في هذا البلد. الأمر حصل مع الموارنة ومن ثم مع السنة، والآن ربما مع الشيعة. لبنان محكوم بالتنوع. التنوع فقط. تلك الطوائف تحتاج إلى من يوازن بينها، ويهيئها جميعا. وكان هناك طوال الوقت نظام ( سورية) يؤمن شروط هذه الصيغة، لان اللبنانيين غير قادرين على اتمامها بأنفسهم. وسائل الاعلام اللبنانية ليس هدفها الاول ان تكون إنسانية، بل هي موكلة حماية طائفتها. لذلك لا استغرب ان يكون هناك صمت حيال الاوضاع السورية. يفهمون جميعا أن بقاء النظام السوري ضرورة لبقائهم. أتمنى لو تكون الوسائل الاعلامية صريحة في هذا المجال. في الوقت ذاته، لا يمكنك أن تثق بكل ما تراه على الانترنت بشأن ما يحدث في سورية. نحن بحاجة لموضوعية لفهم أولا ما كان يحدث من قبل وليس الآن. استعادة الفكر الثوري جيد، لكن فلنفهم اكثر. هناك مشكلة جهل عالمية. الفرد لا يتابع ولا يستقصي. إنه يتلقى فقط ما يقدم له في الميديا. علينا أن نقرأ المشهد بموضوعية، من دون أن نكون مع أو ضد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية