القاهرة ـ «القدس العربي» يُسقط مشاعره الرومانتيكية ليس على المحبوبة وإنما يسقطها على الوطن الذي يسكنه ويسكن فيه، لا يشبه أحدا ولا أحد يشبهه له نفس خاص ومذاق شعرختلف، رغم رومانسيته البادية في كل القصائد إلا أنه من هواة الشغب، وكثير الاشتباك مع القضايا، ومعارض يمارس نقده بنبل ولا يلقي بالا لتبعات ما يترتب على صراحته التي قد تعطله أحيانا وتفقده ما قد يتحقق له من امتيازات، لو تعوّد الصمت.
ماهر مهران شاعر من جيل التسعينيات أتي من جنوب مصر إلى القاهرة في الرحلة المتبعة لكل المبدعين، وما هي إلا سنوات قليلة حتى كانت له بصمته الشعرية الواضحة عبر عدة دواوين، اخترق بها «كردون» النشر المقصور على أهل الحظوة والمقربين، فهو النافذ بموهبته لسلاسل الإبداع وطاقات النور.
صدر له «هفهفات النخيل» عام 99 و»عزيزة» 2001 و»أغاني أشجار السنط» و»الخدامة» و»أوجاع متوحشة» و»تعليم مجاني» و»فاو أسطورة الدم»، وهي الرواية التي صدرت بين إنتاجه الشعري وقطع بها خط التسلسل ثم عاود التواصل مع القصائد والدواوين بأعمال أخرى هي «الترنج الأبيض وإيه ده؟» و»يقول عبد الصبور» ولكنه سرعان ما كرر التجربة الروائية مرة أخرى بعمل روائي ارق هو «بنات قبلي».
وتصور البعض أن العودة الى الرواية كانت لضيق النص الشعري بما حاول ماهر مهران أن يطرحه من هموم ومشكلات، بيد أنه خيب الظنون وأصدر مجددا ديوانه الأحدث «جسمها جنينة» ليلقي بالعنوان الملتبس حجرا في الماء الراكد ويعطي دلالات كثيرة لمعاني القصائد التي كالعادة تأرجحت بين الرومانسي والسياسي، وهو تنوع معهود في إنتاج مهران الأدبي، الذي يداعب خيال القارئ فيقوده إلى مناطق ناعمة من الصور والتعبيرات، ثم ينقله وبشكل مفاجئ إلى وعورة الاصطدام والمواجهة وشد الحبل الى آخره بينه وبين خصمه الافتراضي الجوع أو الفقر أو السلطة، فتلك عناصر تكوينه الإبداعي في الرواية والقصيدة، على حد سواء.
يكتب الشاعر المرهف عن المفارقة بين الحياة والموت والخط الفاصل بينهما: حبل المشنقة هو الموت لو خدت بيه تطويحه ـ حبل المشنقة هو الحياة لو عملته مرجيحة ـ حبل المشنقة ممكن يكون شرخ في أرواح البشر وممكن يكون فستان وعطر وروج وتسريحة.
هكذا يصنف حبل المشنقة ويصفه وفق تصوره الإنساني والإبداعي فهو، إما أن يتحول إلى حياة إضافية للإنسان باعتباره بطلا أو أن يهون أمامه الموت تماما فيأخذ شكل الحياة والمرجيحة والتسريحة والروج والعطر.
وفي مصيدة الحمام تتناهى رقة الشاعر وحساسيته فيكتب: حط الحمام ع العش وهو مكسور الجناح كان نفسه يجيب الفرح لكن رجع بجراح ـ حط الحمام حطه ع العش والبسطة لا طال يكون نسر ولا طال يكون بطة.
وهنا يؤكد ماهر على الأماني المغتالة والأمنيات الضائعة ويرمز إلى الإنسان المسالم بالحمام، حيث اشتهاء الوديع بالحمام حيث اشتهاء المقامات والبطولات ليس وحده كافيا لتحقيقها، وهي صورة تشاؤمية يعكس بها ما يراه في الواقع وما يشعر به من إحباطات إزاء كل المؤرقات الخاصة والعامة.
وفي القصيدة عنوان الديوان «جسمها جنينه» نلمح انطباعا مختلفا لمغازلة صريحة لعاشق ولهان في حبيبته، فهو يتضرع أن تنظر إليه بعين الرضا وتسمح له بالدخول، وهو الواقف على بابها، وبينما نعيش نحن أجواء القصيدة ونتابع بأسى لوعة ندرك في العمق أن العاشق هو طفل الشوارع وان الحبيبة التي يقف على بابها متضرعا ليست إلا بلاده الشقية التي يأمل في احتوائها ويطمع في رضاها.
تنويعات كثيرة على هذا الوتر تتجلى في قصائد مثل، صورة وأنا فلاح ومسح الجوخ وبيان للأمة والسيرة الذاتية وغيرها، ومنها تكتمل رسالة الشاعر وتتكون قصائده الرقيقة حينا الملتهبة أحيانا.
كمال القاضي: