هكذا المراحل الانتقالية

حجم الخط
0

د. كمال الهلباوي تتميز المراحل الانتقالية في حياة الأمم النامية وخصوصاً بعد الثورات الشعبية التي تنفض دون قيادة حاكمة واضحة موثوق فيها- كما حدث في حالة ثورة مصر- تتميز تلك المراحل- بالقلق العام وضعف الثقة، وقلة الإنصاف، وتشويه سمعة الآخرين وتسفيه آرائهم وتهديدهم بالحق أو الباطل، وتتميز كذلك بالترهل والانفلات الأمني الذي يصل إلى حد الفوضى المزعجة أحياناً كثيرة، فضلاً عن روح الانتهازية التي تسود بتلون غريب يعكس مهارة بعض المنافقين العالية.كانت هذه هى أهم سمات المرحلة الانتقالية التي تمر بها مصر بعد الثورة، والتي امتدت من مساء يوم 11 فبراير 2011، فور إعلان مبارك التنحي عن السلطة وحيث هتف الثوار: الشعب والجيش إيد واحدة. وكأن الثورة قد أتمت مهمتها بإقتدار، وأسندت أمرها إلى اولياء أمرها.لا تزال هذه المرحلة الانتقالية مستمرة، وإن تحسنت بعض الأوضاع قليلاً، وستستمر هذه الحالة أو المرحلة بشكل أو بآخر حتى تستقر الأوضاع السياسية وخصوصاً العلاقات الخارجية منها، وحتى تستقر الأوضاع الاقتصادية والأمنية على أضعف الأحوال أو نصل جميعاً إلى أقل المطلوب، وهو ما وعد به الرئيس مرسي في حملاته الانتخابية وخطاباته.تكثر الرؤى، ويكثر طرح الحلول في المرحلة الإنتقالية، كل حسب فهمه ومقاسه، حتى تستقر الأوضاع فتكون هناك معالم استراتيجية واضحة، وسياسات عامة توضح هوية الدولة وتوجهاتها، وكذلك خطط تنفيذية دقيقة لازمة، ويتم حشد كل الامكانات والقدرات اللازمة لتنفيذ تلك الخطط بدقة متناهية، بعيداً عن العبثية التي سادت في حالة مصر زمناً طويلاً. بدأنا مرحلة الانتقال وكانت صعبة للغاية لأن النظام لم يسقط، وسقط رأسه وبعض أركانه فقط في مرحلة الانتقال، ويدل على ذلك الأصوات التي حصل عليها شفيق في انتخابات الإعادة، كما يدل على ذلك الجرائم العديدة التي ارتكبت في مصر تحت حكم المجلس العسكري ولم تجد صدى لدى جميع الأحزاب السياسية الذين كانوا يخطبون ود المجلس، ولم يفهموا أو لم يريدوا أن يفهموا، ما كتبته الصحف عن فساد بعض أعضاء المجلس العسكري وخصوصاً ‘صوت الأمة’. يتوق الشعب إلى مرحلة الاستقرار، ولذلك دعم الشعب الاعلان الدستوري المعيب، وخصوصاً المادة 28 والمادة 60 منه حيث أن لهما أكثر من تفسير. تلا ذلك انتخابات ديموقراطية حرة نزيهة لأول مرة في عهد الاستقلال، إذ أن الانتخابات النيابية قبل ثورة 23 يوليو 1952 كانت تجري تحت الاحتلال، وكانت معظم الأحزاب صناعة بريطانية أو على الأقل لا يخالفون رغبات وخطط المحتل كثيراً، أما الانتخابات في عهد مبارك فكانت تمثيلية ديوقراطية، وكانت الديموقراطية تحته ديموقراطــــية تزوير بدون حريات حقيقية، بل وديموقراطية الصفقات السياسية مع معظم الأحـــزاب السياسية، وديموقراطية السجون والمعتــــقلات، وشراسة الأمن وتوحشه، وديموقراطية الحزب الحاكم وقانون الطوارئ المستمر لمدة ثلاثين سنة، بما يذكرنا أيضاً بديموقراطـــية من سبقه وهى الديموقراطية ذات الأنياب. ولذلك عنما قامت الثورة وسادت الحريات وأقيمت الانتخابات وتفكك الحزب الوطني الحاكم لم تكن هناك أحزاب قوية تنافس حزب الحرية والعدالة أو النور، وقد نشأ كل منهما كحزب سياسي حديثاً ببركة الثورة الشعبية العظيمة.كانت الفترة الانتقالية ولا تزال، صعبة ومحرجة، ومما زاد في صعوبتها ضعف الادارة- رغبة أو رهبة- في ظل المجلس العسكري، مما ساعد على استمرار نمطية الأداء، كما كان في النظام السابق في أكثر الأحوال. ثم كانت الانتخابات الرئاسية التي تفوق فيها الرئيس مرسي مرشح حزب الحرية والعدالة على الفريق أحمد شفيق المرشح الذي كان يمثل النظام السابق والثورة المضادة، والذي كاد أن ينجح ويعيد إنتاج ماكينة النظام القديم التي ماتت، إلى الحياة مرة أخرى. إن مصر لا تزال تمر من خلال نفق الفترة الانتقالية وهو شبه مظلم، ويحتاج إلى إضاءة من جميع جوانبه، إضاءة سياسية، تعيد للناس الحرية والكرامة بأوسع مدى، وتضمن إستقلال القضاء، وتضمن تشريعات جديدة سواء في الدستور أو القوانين وتؤكد على تداول السطة سلماً، وتضمن على الأقل -إن لم تقدس- حق النقد والتظاهر السلمي والتقويم والبعد عن الاحتكار والاستحواذ والهيمنة، وتحقق العدل والمساواة وكيفية استفادة الوطن من الكفاءات والقدرات بما في ذلك تلك التي من خارج الحزب الحاكم.لقد أصبح الشعب لديه حساسية شديدة من قانون الطوارئ، ولم يعد الشعب يفرق بين قانون الطوارئ سيء السمعة وحالة الطوارئ المستمرة أيام المخلوع، ولذلك وقفوا ضد تعديل القانون الحالي الذي أعده وزير العدل لصالح المواطن وكأنه ينشأ من جديد. ويحتاج الوطن خلال الفترة الانتقالية أيضاً إلى إضاءة إقتصادية تنظر بعين الكرامة إلى أصحاب البطالة والعنوسة فضلاً عن سكان العشوائيات وتشريعات الاستثمار التي تركز على الانتاج أكثر من الاستهلاك، والتمويل الذاتي بعيداً عن القروض التي إنقسم الناس مؤخراً حول شرعيتها وحلها وحرمتها وجوازه من عدمه.وإنتقل بعض من عارضوا القروض أيام حكومة الجنزوري إلى تجويز القروض ولهم أدلتهم الفقهية في الجواز، وهناك من جوزها لأن نسبة الفائدة لا تتخطى1,1’، وهي في نظره مثل المصروفات الادارية، وهناك من عارضها تماماً لأنها ربا محرم، كانت كثيراً أم قليلاً، حتى كتب الأستاذ وائل جمال مقاله المعنون: دليل المعترض على حجج المقترض، ونشره بـ’الشروق’ يوم الاثنين 3 سبتمبر 2012. ورغم أن الوضع الاقتصادي في مصر ينذر بكارثة إلا أننا ينبغي أن نبحث عن البدائل، ويكفي في هذا الجانب أن نقول قوله الحق التي جاءت في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم ‘اليد العليا خير من اليد السفلى’ ونترجمها عملياً، فنحن لا تكن يدنا العليا ونحن نقترض من صندوق النقد الدولي، ولا حتى عندما نتلقى معونة أو قرضاً لا يرد من الصين. وهذه الفترة الانتقالية تحتاج إلى علاج شامل واضح لمشكلة البطالة وأصحابها، الذين ينتظرون الأمل الواسع للخروج من هذه المشكلة العويصة، تلك التي تزداد سوءاً يوماً بعد يوم ولم نشهد أي تحسن لها منذ سنوات عدة حتى الآن.هناك من يرى أن كثرة الوفود الاقتصادية ورجال الأعمال الأمريكان إلى مصر، هو لتشجيع التنمية الاقتصادية فيها حيث يقول باتريك فنتريل المتحدث باسم الخارجية الأمريكية’ على مصر أن تنهض اقتصادياً ونحن نرغب في مساعدتها لأننا نريد إزدهارها’. غريب أن يكون التحرك الشعبي المصري أو الثورة قد هيأ أمريكا لتكون في مساعدة الشعب المصري وإزدهار مصر، وكأن أمريكا هيئة إغاثة عالمية. كما يرى الأمريكان أن هذا التحرك هو التعبير الواضح عن ثقة رجال الأعمال الأمريكيين في مصر والتزامهم بتنميتها إقتصادياً. الوفود القادمة إلى مصر تضم رجال أعمال يمثلون شركات أمريكية كبيرة وهم أصحاب خلفيات أمنية مثل مايكل فرومان، وهو من اخطر رجال الأمن القومي في أمريكا وعلى علاقة طيبة جداً بإسرائيل. وترى أمريكا أن ما أعلنه الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن استعداد بلاده لشطب نحو مليار دولار من ديون مصر إنما هو دليل على ذلك الاهتمام بمصر وبمساعدتها.وفي الفترة الانتقالية نحتاج إلى شفافية ووضوح مع الشعب فيما تتخذه الرئاسة أو الحكومة من خطوات لحل المشكلة القائمة، وليس عن طريق التصاريح الجوفاء التي لا معنى لها، والتي تفقد الشعب الثقة في الجكومة، مثل ما صرحت به مصادر في رئاسة الجمهورية من أن القرض من صندوق النقد بلا شروط، وكأن صندوق النقد تحول إلى هيئة خيرية، وسوف يستثني الحكومة المصرية بعد الثورة من شروط الاقتراض أو الإقراض، حباً في الثورة الحضارية، وعطفاً على شعبها المسكين أو حرصاً على مستقبلها السياسي وسعياً إلى إنقاذها من الافلاس.بدأت العدالة إلى حد بعيد تأخذ مجراها في الفترة الانتقالية، بعد أن ترك المجلس العسكري السابق، بقيادة المشير الباب واسعاً لبعض المفسدين وأعمدة النظام السابق والثورة المضادة ليمارسوا حياتهم العادية، أقصد تخريبهم في المجتمع، فعلى سبيل المثال تم منع فاروق حسني من السفر بعد أن عجز عن إثبات مصادر ثروته، وأيضاً إعادة فتح باب التحقيق مع سوزان مبارك وتحتاج وحدها إلى عدة محاكمات، فهي عميدة الإفساد المتعمد في مصر، ومنها إحالة العادلي إلى محكمة الجنايات من جديد في تهم تتعلق بجمع مليار جنيه حراماً عن طريق استغلال نفوذه. ومن تلك الاجراءات أيضاً وضع أحمد شفيق على قوائم الوصول والترقب تمهيداً لمحاكمته بشأن الإضرار بالمال العام وبيع أراضي الطيارين في منطقة البحيرات المرة بأبخس الأثمان أو بلا ثمن يذكر إلى أولاد مبارك، ومنها إحالة رئيس هيئة الرقابة الإدارية إلى التقاعد والتحقيق معه في تستره الطويل على الفساد حيث تحولت تلك الهيئة العظيمة إلى محطة مهمة جداً للمساعدة في التستر على الفساد وأهله، والحيلولة دون وصول الحق إلى أهله، هذا جزء من معاناة المجتمع في الفترة الانتقالية نحو إستقرار الديمقراطية.في الجانب الآخر تحاول المعارضة- أن تجمع شتاتها- وكأنها تعلمت الدرس، للوقوف في تكتلات سياسية إستعداداً للانتخابات القادمة. وعلى الجانب الإيجابي الذي يصب في مصلحة العمل والبناء، بدأت العجلة تنتظم نوعاً ما بأداء الحكومة وتحركاتها على مختلف الساحات والميادين، فضلاً عن حركة مؤسسة الرئاسة بعد إستكمال معظم جوانب الهيكلة والعمل فيها. هناك أمل كبير في الاصلاح يواجه خوفاً شديداً من الاخفاق وضعف القدرة على الوفاء بالعهود، ولكن هذه هي طبيعة الفترات الانتقالية في بلد شهد ثورة عظيمة خمدت رويدا رويدا، حيث لم يكن لها رأس واضح وقيادة مستمرة بروح الثورة، أسلمت قيادتها في الفترة الانتقالية إلى مجلس عسكري كان ينتمي قلباً وقالباً إلى النظام السابق والثورة المضادة إلا قليلاً، وها هم يجنون ثمرة أخطائهم التي تجرعت منها البلد الكثير. وماذا عن المستقبل؟ نتمنى أن يكون أفضل.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية