يتهم البروفيسور أيال زيسر اتفاق أوسلو بعدة اتهامات أصيلة؛ الأولى أن الاتفاق صفى إنجاز دافيد بن غوريون بالتعاون مع عبد الله الأول ملك الأردن، وهو “دفن” الحركة الوطنية الفلسطينية. والثانية أن فشل الاتفاق جعل حل الدولة الفلسطينية غير عملي.
الكاتب مخطئ جداً في هاتين المسألتين.
الحركة الوطنية الفلسطينية، التي ولدت على خلفية تفكك الإمبراطورية العثمانية وخوف العرب الذين كانوا يعيشون في البلاد المقدسة من أن تسلبهم الهجرة اليهودية بيوتهم، لم يدفنها بن غوريون وعبد الله؛ فقد استغلتها دول عربية بقدر كبير، واجتازت ارتفاعات وهبوطات وتعززت بقيادة ياسر عرفات منذ الستينيات. قرار العالم العربي في 1974 الاعتراف بـ م.ت.ف كممثل وحيد للشعب الفلسطيني كان التعبير الأبرز على هذا التعزز.
محق زيسر في أن مسيرة أوسلو عززت م.ت.ف في لحظتها الأصعب (تأييد عرفات لصدام حسين أدى إلى إبعاد الفلسطينيين عن دول الخليج، وانحلال الاتحاد السوفياتي مس سياسياً بالـتأييد الدولي لـ م.ت.ف). منظمة حماس، التي كانت تعد فتية وغير فاسدة، أصبحت بديلاً مهماً لـ م.ت.ف، ولولا أننا استغللنا ضعف م.ت.ف في صالح المسيرة السياسية لحلت حماس (التي لم تكن مستعدة للاعتراف بإسرائيل والتي اتخذت الإرهاب طريقاً) محل م.ت.ف. مشكوك أن يكون انتصار الحركة الإسلامية – الإرهابية وغياب الحركة الوطنية والعلمانية، أفضل لإسرائيل.
كما أن زيسر محق في إشارته إلى أن الأيام الأفضل من ناحية الفلسطينيين كانت تلك التي تلت حرب الأيام الستة، حين كانت الحدود مفتوحة، وسكان “يهودا السامرة” وغزة انخرطوا في نسيج الحياة الإسرائيلي.
وإن كان في ذلك حنين مبالغ فيه بعض الشيء، إذ إن هذا كان انخراطاً بين الحصان وراكبه، لكن غير قليل من الفلسطينيين يفضلون اليوم حل الدولة الواحدة على تقسيم البلاد.
لكن التنازل عن الأغلبية اليهودية هو تنازل مطلق عن الحلم الصهيوني من كل أطراف الطيف السياسي. الحدود الشرقية ضرورية لدولة يهودية وديمقراطية. أما أوسلو فقد فشل في أنه لم يحقق هدفه: حل دائم بين إسرائيل والفلسطينيين حتى 4 أيار 1999.
فشل في أن معارضيه يستخدمونه كاتفاق سلام يتيح لهم مواصلة الاستيطان، والتوقع من الفلسطينيين التصرف وكأنه أمامهم أفقاً سياسياً ما. لكنه بالتأكيد لم يلغِ خيار الدولتين.
إن إقامة كونفدرالية “رقيقة” بين دولتين مستقلتين وسياديتين – إسرائيل وفلسطين – فيما تكون الدولة الفلسطينية مجردة من السلاح ويتمكن المستوطنون الذين يجدون أنفسهم شرقي الحدود المستقبلية من الحصول على تعويضات والانتقال إلى إسرائيل، أو البقاء في الأماكن التي هم فيها كمواطني إسرائيل ومقيمين دائمين في فلسطين (أولئك حيال تسوية مشابهة بالنسبة لفلسطينيين يرغبون في السكن كمقيمين في إسرائيل)، هو السبيل الأكثر معقولية اليوم لتنفيذ حل الدولتين (إذا لم تختر إسرائيل طريق شارون ولا تنسحب من الضفة الغربية أو أجزاء منها من طرف واحد).
يكتب زيسر بأن الموقعين من الطرف الإسرائيلي تعاطوا مع النزاع كنزاع إقليمي، ولم يفهموا بأنه نزاع وجودي، يقاتل فيه كل طرف في سبيل بلاد إسرائيل كلها.
كمن بادر إلى المسيرة، يمكنني أن أشهد عن نفسي فقط. فالدافع الأساس كان ديمغرافياً. صحيح أن الطرفين رسما في الطرف خرائط ظهرت فيها بلاد إسرائيل على جانبي نهر الأردن كـ “خريطة وفد عمال صهيون إلى مؤتمر فرساي في 1920 وكرمز م.ت.ف). لكنهما اجتازا تعديلات لأنهما اضطرا لمواجهة واقع متغير، والبراغماتيون الذين يشكلون الأغلبية في كل طرف، فهموا بأن حلا ًوسطاً تاريخياً يمكنه أن يمنح الطرفين فضائل عديدة.
بقيت محافل لا بأس بها في كل طرف ترى في كل حل وسط خيانة، ومحظور منحها حق الفيتو.
يوسي بيلين
إسرائيل اليوم 11/9/2023