هكذا تبدو العيسوية ساحة لإرهاب الشرطة الإسرائيلية 

حجم الخط
0

“هكذا هو الأمر مع العيسوية، هذا هو حبي الأول”، قال ضابط الشرطة، اساف عوفاديا، وابتسامة صغيرة على شفتيه وملامح عاطفية تغطي عينيه، “هذه هي القرية الأولى التي تسلمت مسؤوليتها”. هكذا بدأ البحث عن السلاح الذي هرّبه ظاهرياً “إرهابي” في الفصل الأول من المسلسل الوثائقي الكاذب “محافظة القدس”. هذا المسلسل الذي مُنع نشره على الشاشة وعلى الشبكة بعد أن كشف مراسل الصحيفة نير حسون عن أن شرطة المحافظة المعتبرين زرعوا سلاحاً في بيت أحد سكان العيسوية بهدف عمل درامي.

دفن المسلسل، واعتذر المخرج من هيئة البث والمشاهدين، لكن ليس أمام الفلسطيني الذي اقتحموا بيته تحت جنح الظلام وأيقظوه وأطفاله من النوم بعنف كي يستخدموهم، بدون علمهم، في صناعة الترفيه الإسرائيلية. ولكن شرطة لواء القدس تواصل التنكيل بالعيسوية.

أجل، الشرطة تنكل بالعيسوية. ليس هناك طريقة أخرى لوصف جهنم التي يعيش فيها سكان العيسوية القريب من قلعة الإسمنت وإغلاق الجامعة العبرية في جبل المشارف منذ خمسة أشهر. 150 يوماً وليلة من اقتحامات الشرطة الخاصة وحرس الحدود، والحواجز في الشوارع، قنابل الصوت، والرصاص، ثم قتيل واحد وعشرات المصابين.. ومئات الاعتقالات.. الضرب.. تحرير مخالفات وغرامات.. صراخ بمكبرات الصوت.. صافرات تدوي طوال الوقت.. وأضواء زرقاء.. وصراخ وبكاء.

الواقع في العيسوية تحول إلى مسلسل تلفزيوني شرطي، أو ربما ساحة تدريب للوحدة الخاصة وحرس الحدود. يجب أن تكون هناك، في الشوارع المتعرجة والضيقة، بين المحلات التجارية والشقق والمدارس وملعب كرة القدم… كي تعرف فداحة الذعر غير المعقول، عندما تندس طفلة صغيرة في طريقها إلى البقالة بين سيارات الشرطة وزعران أعضاء الوحدة الخاصة المسلحين. امرأة تحمل طفلها تنظر من النافذة، حيث يقوم رجال الشرطة في الأسفل بالضرب بالعصي على باب المبنى.

شباب وفتيات أنهوا التدريب الأولي ويخرجون من السيارة المدرعة، ثم يقطعون الحركة في الشارع الرئيسي ويوجهون سلاحهم الجاهز إلى كل صوب. هم مذعورون وفاقدون للسيطرة ويلقون قنابل الصوت، ثم يتلقون الحجارة وينسحبون ويركضون إلى الأعلى في زقاق ضيق بين مشترين في إحدى البقالات والحافلة التي علقت في أعلى الشارع، وبين البيوت المكتظة المحاذية لشارع ليس له رصيف.

كل من انضم إلينا في مهماتنا الليلية التي كان هدفها كبح أو توثيق تنكيل الشرطة بالعيسوية، يعرف أن النموذج يكرر نفسه. هكذا في مساء عادي، تزحف الحركة ببطء في الشارع الرئيسي قرب المسجد، وفجأة تأتي خمس سيارات للشرطة، الواحدة بعد الأخرى. رجال الوحدة الخاصة في الشرطة وحرس الحدود، جميعهم من الشباب، يخرجون من السيارات ويقطعون الحركة. أعمال الشغب المعتادة تبدأ، صرخات احتجاج للمارة في ساحة المسجد.

يُسمع إطلاق رصاصة، وزجاج يتحطم، وصراخ من كل الاتجاهات، أحد رجال الشرطة صوب بندقيته للزجاج الأمامي لسيارة علقت في الأزمة المرورية. امرأة في الداخل أصيبت عيناها بشظايا الزجاج، أما الطفلة التي في الخلف فمتجمدة ووجهها أبيض مثل الشيد. يحاول أحد ما تقديم الإسعاف الأولي. عجوز يتوجه إلى رجال الشرطة كي يسمحوا لسيارة الإسعاف بالمجيء. هم يدفعونه بشكل فظ. أشخاص حوله طلب منهم المجيء إليه، “لا تلمسوه، هذا المختار”، صرخوا.

فجأة سمع صوت واثق بمكبر الصوت. قائد الوحدة الخاصة في القدس بجلاله جاء ليُحل النظام. في تلك الليلة شاهدته مرتين، في كل مرة كان يظهر وهو يستعد لإدارة التوتر، كما يقولون، بعد أن قام الأغرار بخلق مواجهة متعمدة وفقدوا السيطرة.

منذ أشهر، في كل مرة عرضت فيها الشرطة اتفاقاً أو كان هناك يوم هادئ، وظهر للسكان بأن الحياة عادت إلى مسارها، تأتي قوة الوحدة الخاصة في الشرطة وترمي العيسوية بمزيد من الضربات. هذا ما حدث يوم السبت. أحد العاملين في الوردية قال “سمعنا القائد يقول لرجال الشرطة: ابعدوهم من هنا”. جاءوا إلينا، وقال شرطي “اذهبوا من هنا لأن السيارة يجب أن تستدير. تحركنا كما طلب منا، وعندها بدأ أحد السكان بالصراخ على رجال الشرطة وقال لهم بأن لا يمكنهم الدخول إلى منطقته الخاصة. ومن دون سبب آخر انقض عليه رجال الشرطة بالضرب المبرح.

حسب وصف الناشط، انضم رجال شرطة آخرون إلى هؤلاء وشرعوا يضربون كل من يجدونه في الشارع. عندما حاول أحد السكان الصراخ عليهم بأن يتوقفوا، انقضوا عليه بالضرب أيضاً. لقد أطلقوا قنابل الصوت والرصاص المطاطي. في مرحلة ما، توجه رجال الشرطة إلى النشطاء الإسرائيليين، من جهة طلبوا منهم “الابتعاد عن المكان”. وفي الوقت نفسه طوقوهم ومنعوهم من الذهاب. حسب الوصف، أُدخل الجيران إلى مدخل مبنى قريب. شرطي أطلق الغاز في مدخل بيت الدرج وامتلأ الفضاء بالغاز المسيل للدموع. وثمة أشخاص بدأوا يصلون إلى بيت الدرج، وصادف مرورهم في الشارع فتيات وآباء خائفين مع أولادهم، عدد منهم أطفال ومصابون بغاز الفلفل من جراء الأحداث التي جرت في الشارع مع طواقم ممرضين.

التنكيل في العيسوية متنوع، إبداعي، متصلب: طفل ابن خمس سنوات يستدعى للتحقيق في مركز الشرطة، غرامة بآلاف الشواقل بسبب عقب سيجارة تم رميه على الرصيف، و”اتفاقات” بادرت إليها الشرطة وخرقتها المرة تلو الأخرى، بعد أن أعلنت لجنة أولياء الأمور عن الإضراب عن التعليم، واقتحمت الشرطة مدرسة واعتقلت طالباً أثناء يوم التعليم، واعتقل عضو في لجنة أولياء الأمور… إلخ. لا يوجد لذلك أي نهاية أو تفسير عدا عن أن المنطق المخيف الذي يقضي بأن هناك أموراً يسهل القيام بها عندما لا يكون للدولة حكومة منتخبة، ولا يوجد للشرطة مفتش عام، وحتى المحكمة العليا بالأساس توفر ذريعة بالتنكيل باسم قوى القانون بحق رعايا مسلوبي الحقوق.

بقلم: ميخال بيلغ

هآرتس 12/11/2019

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية