هكذا تحول إسرائيل القدس المحتلة إلى “أورشليم”

حجم الخط
1

الناصرة- “القدس العربي”:

صدرت، حديثا، عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية “مدار” بالتعاون مع دائرة شؤون المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية، ورقة إسرائيلية تحت عنوان “الخطط الاقتصادية الإسرائيلية في القدس الشرقية وتأثيرها على حل الدولتين”، تستعرض وتحلل أبرز خطط وقرارات الاحتلال في المدينة المحتلة منذ العام 2010.

وتحاول الورقة الكشف عن علاقتها بسياسات التهويد الإسرائيلية التي تسعى – ضمن مساعٍ أخرى كثيرة – إلى تثبيت مقولة “القدس الموحدة عاصمة دولة إسرائيل” على الأرض، والحيلولة دون أن يكون الشطر الشرقي من القدس عاصمة للدولة الفلسطينية مستقبلا. وتُشخص الورقة التي أعدها الباحث عبد القادر بدوي، وتقع في 48 صفحة، كيف لجأت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة إلى مجموعة من الأدوات والآليات من أجل “إدارة” حياة الفلسطينيين في القدس الشرقية المحتلة بما يتواءم مع استراتيجيتها الساعية إلى “تهويد المدينة”؛ فصعدت من عملية الاستيطان وسهلت انتقال المستوطنين إلى الأحياء الاستيطانية التي أقامتها في المدينة من جهة، ومن جهةٍ أخرى عمدت إلى التضييق على المقدسيين وصعدت من عمليات مصادرة الأرض والعقارات وهدم المنازل، وبشكلٍ متزامن أيضا، فرضت “نوعية حياة” من الناحيتين الاقتصادية والسياسية أثقلت كاهل المقدسيين ووضعتهم في مأزقٍ كبير خاصة في قضايا السكن والبناء وغيرها.

وتتابع الورقة إحداثيات كثيرة تبين اعتماد الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة سياسة الاستيعاب والأسرلة ضمن سياساتها تجاه المقدسيين سعيا منها لاستدماجهم في النظام الاقتصادي الإسرائيلي، بعد أن “أدركت” أنه لا يُمكن لـ”اقتصاد القدس” أن يتطور دون استدماج المقدسيين فيه، كونهم، وفق هذا المنظور، كتلة بشرية كبيرة في المدينة لا يُمكن تجاوزها في إطار عملية “التطوير الاقتصادي العام”. لذلك؛ لجأت أولا إلى استيعابهم ضمن منظومة التعليم الإسرائيلية، في حين حاربت المنهاج الفلسطيني والمدارس التي التزمت به، ووضعت مجموعة من “الحوافز” للمدارس التي تُدرس المنهاج العبري واللغة العبرية، وبشكل متزامن وضعت مجموعة من “الحوافز” في الجامعات العبرية لتشجيع المقدسيين على الانخراط فيها، كل ذلك بهدف تأهيلهم لسوق العمل الإسرائيلية، كأيد عاملة رخيصة، بما يضمن تطور هذه السوق ونهوضها بشكل رئيس.

تشويه طبيعة القدس

وخلصت الورقة إلى أن السياسات الإسرائيلية عملت على إعادة إنتاج المكان/ الحيز الفلسطيني من خلال عمليات التخطيط والاستيطان، وبشكل موازٍ، التعامل مع الفلسطينيين كمُقيمين تتم إدارتهم وفق خطة محكمة تحد من تناميهم ديموغرافيا، وخلقت واقعا جديدا – سيكون من الصعب التراجع عنه ما لم يُفرض عليها دوليا – بعد أن تمكنت من إعادة صياغة “حل الدولتين” بطريقة تضمن مصالحها واعتباراتها التي تحتل القدس فيها المرتبة الأولى “كعاصمة موحدة”، حيث عملت ومن خلال منظومة استيطانية تهويدية متكاملة (الجمعيات الاستيطانية، الحكومة وقراراتها والخطط البرامج الصادرة عنها) إلى تشويه طابع المدينة المقدسة وصولا إلى محاولة تغييره كليا ليُصبح طابعا يهوديا صهيونيا بالتزامن مع السعي المسعور لإزالة الطابع العروبي (الإسلامي-المسيحي) في سياق “تحويل القدس إلى أورشليم” بكل ما تتضمنه هذه المقولة من إحالات سياسية واقتصادية وثقافية ودينية مكثفة.

ما هو دور المنظمات اليمينية في تصنيف منظمات حقوقية فلسطينية بأنها “إرهابية”؟

في تقرير آخر يتوقف “مدار” عند قضية تجريم منظمات فلسطينية حقوقية التي أثارت ردود أفعال رافضة للقرار الإسرائيلي أو مطالبة بتقديم مسوغ حقيقي لتبريره، من قبل جهات إسرائيلية حكومية ومن الحليف الأكبر والأهم لإسرائيل في العالم (الولايات المتحدة)، فضلا عن دول في الاتحاد الأوروبي وممثليه في مؤسسات الاتحاد، إلى جانب منظمات إسرائيلية ودولية وإقليمية.

علاقة ظرفية بدون أدلة

القاسم المشترك بين كل التصريحات والبيانات الصادرة عن جهات رسمية أو منظمات حقوقية ومدنية إسرائيلية، وما تزامن معها من تصريحات للناطق باسم الخارجية الأمريكية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وغيرها من المنظمات والدول، هو عدم وجود مسوغ قانوني حقيقي ومعلومات مثبتة تدين هذه المنظمات الفلسطينية بالتورط في أعمال عنيفة مناهضة للاحتلال، أو أن جزءا من الأموال التي تلقتها من الجهات الممولة لنشاطاتها ذهب بشكل مباشر أو غير مباشر لتمويل نشاطات خارجة عن الإطار الذي خصصت له وضمن إشراف ورقابة الدول الممولة لها.

ويقول التقرير إنه إلى جانب الرفض المبدئي للقرار، واعتباره “هجوما على المدافعين عن حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير وتكوين الجمعيات”، وفق ما نشرته صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية في 26 أكتوبر/تشرين الأول، اعتبرت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشيليت أن القرار “غير مثبت” وأنها لم تتلق أية “أدلة أو معلومات تؤكده”، وهو ما ذهبت إليه السويد عبر وزارة خارجيتها التي نفت أن تكون “قد تلقت معلومات مسبقة حول الإعلان”، وأكدت أنه لم “يثبت أن تبرعاتها تم إساءة استخدامها من قبل هذه المنظمات” بالإضافة إلى أن الادعاءات الإسرائيلية “قديمة وتم فحصها في السابق ولم يتم إثباتها”.

الاعتبارات السرية

وبرأي “مدار” تقف خلف هذا القرار “الإشكالي” جملة من الاعتبارات السياسية والداخلية الإسرائيلية، كما أنه يسلط الضوء على الدور المتعاظم لمؤسسات المجتمع المدني اليمينية، والمنهجية التي تتبعها، والتي تستند فيها إلى علاقات ظرفية وعوامل هامشية وشخصية ومعلومات جزئية وانتقائية، بهدف إعداد ملفات ضد منظمات المجتمع المدني الفلسطيني، وتحجيم دورها خاصة على الساحة الدولية وفضح الانتهاكات التي يمارسها جيش الاحتلال ضد الفلسطينيين.

دور متعاظم لليمين بغطاء منظمات مدنية

ويربط الناشط أمير مخول، والذي شغل في السابق موقع مدير منظمة اتحاد الجمعيات الأهلية العربية في حيفا داخل أراضي 48 بين استحداث وزارة الشؤون الاستراتيجية في العام 2001 وشبكة المنظمات اليمينية التي انبثقت عنها أو تدور في فلكها، وما بين قرار الوزير غانتس اعتبار المنظمات الفلسطينية الست منظمات “إرهابية”.

ويرى أن “الوزارة تقوم بتنسيق كل الحملات الصهيونية الرسمية وغير الرسمية، على أساس تكامُل الأدوار وخدمة أهداف الوزارة. كذلك فإن موقع “سيحاه مكوميت” الإسرائيلي (محادثة محلية) اليساري، وفي سياق تغطيته للإعلان الإسرائيلي وطبيعة المنظمات التي تم الإعلان عنها بأنها “إرهابية”، تطرق إلى الملاحقة التي كانت تتعرض لها هذه المنظمات ومحاولات قطع التمويل عنها من قبل موقع “ان جي اوز مونيتور” للرصد.

كما أن إسرائيل استحدثت منظومة أطلقت عليها اسم “كيلَع شلومو” (مقلاع سليمان)، والمعروفة أيضا باسم “مشروع كونسيرت”، وسبق أن نشر تقرير مفصل عنها في “المشهد الإسرائيلي”، وقد أقرتها الحكومة العام 2017، وخصصت لها ميزانية تصل إلى أكثر من ربع مليار شيكل (80 مليون دولار)، وهي ذراع متقدمة لوزارة الشؤون الاستراتيجية، و”شركة للصالح العام”، وبملكية خاصة أقيمت من أجل تنفيذ جزء من الأنشطة المتصلة بظاهرة نزع الشرعية عن إسرائيل والمقاطعة، وذلك بالتنسيق مع الوزارات ذات الشأن في العام 2018، وهو ما يرى مخول أنه قدم المسوغ لدى غانتس لإعلانه الستة المتزامنة.

تمويل سري

وحول التمويل يقول موقع “سيحاه مكوميت” إن هناك الكثير من الغموض حول مصادر التمويل التي تلاحق منظمات حقوقية فلسطينية وأجنبية والذي يتدفق عليها بسخاء من قبل منظمات وجهات سياسية يمينية في مختلف أنحاء العالم. وقد كشف تحقيق نشرته صحيفة “هآرتس” في العام 2010 أن 23%من تمويل المنظمة مجهول المصدر وسري تماما بينما 72.5%من تمويلها غير مكشوف بشكل واضح وهو ما يجعل 95.5% من مجمل التمويل الذي تتلقاه غير مصرح به ولا هو مكشوف بشكل كاف ومن أبرز مؤسسيها البروفسور جيرالد شتاينبرغ، مستشار للحكومة الإسرائيلية ومدير موقع “مونتور”.

ويخلص التقرير للقول إن كل ما تقدم يتيح إمكان الافتراض بأن بصمات منظمات اليمين الإسرائيلي غير الحكومية واللوبي الذي يتحالف معها واضحة في قرار إعلان المنظمات الحقوقية الفلسطينية منظمات “إرهابية”، وهو قرار ربما يهدد بتفجير تناقضات ليس بين الحكومة الإسرائيلية وحلفائها في العالم فقط، بل أيضا داخل الائتلاف الحكومي نفسه، والذي تعتبره المعارضة اليمينية “خطرا وولد بالخطيئة وعبر الخداع”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية