هكذا تم تفويت احباط الاختطاف

حجم الخط
0

اولمرت حاول ابرام صفقة شاليط بعد ايام من اختطافه باطلاق سراح 250 اسيرا لكي لا تضطر اسرائيل الى مبادلته بعد سنوات بألف اسيرعاموس هرئيلكان المستوطنون كالعادة تقريبا من اوائل الذين عرفوا وأبلغوا أكثر التفصيلات الحيوية. ففي ساعات الظهر من الخامس والعشرين من حزيران 2006، في حين كانت مجموعة صحافيين تنتظر في نفاد صبر توجيها أوليا عن الواقعة مع رئيس هيئة الاركان دان حلوتس، في كيبوتس كيرم شلوم، نشرت واحدة من وكالات الأنباء في يهودا والسامرة وغزة رسالة البيبر التالية: ‘اسم الجندي المختطف جدعون شاليط في التاسعة عشرة من متسبيه هيلا في الجليل. وسُلمت عائلته إبلاغا’. ومرت دقائق بعد قبل ان يجري تحديث اسم المختطف في البيبرات ليصبح جلعاد. كان آنذاك قد بدأ اللقاء مع حلوتس الذي أشار في نظرة الى الوراء الى بدء نصف سنة فظيع في ولاية رئاسة الاركان والتي اضطر في نهايتها الى استقالة عمله. نشك في أنه كان واحد من الحضور في المبنى القديم لنادي الكيبوتس يستطيع أن يُخمن ما الذي تخبئه لحلوتس وللدولة كلها في الحقيقة، اسابيع الصيف التالية. ومن المؤكد أن لا أحد منا خطر بباله ان يمر أكثر من 1900 يوم حتى عودة الجندي شاليط الى عائلته.

اجتاز المخربون الحدود قبل بزوغ الفجر في 4:45 فجرا. ومروا من طريق نفق حُفر تحت الجدار، على طول مئات كثيرة من الأمتار ولمدة شهور. وعندما ارتفعوا فوق الارض داخل اسرائيل كانت ظهور قوات الجيش الاسرائيلي للتهديد وكانت ما تزال تنظر غربا نحو القطاع. في الساعة 5:13 هاجمت ثلاث خلايا ثانوية كل واحدة على حدة دبابة شاليط ومدرعة فارغة أقامها الجيش الاسرائيلي غير بعيد عن هناك من اجل التضليل وبرج مراقبة. وهوجمت جميع الأهداف بصواريخ مضادة للدبابات. شب حريق في دبابة المركفاه المصابة واستُعمل نظام اطفاء الحريق.

ولما كان محرك الدبابة قد توقف عن العمل فانه لم يعمل ايضا نظام التهوية وحدث في الفراغ الصغير شعور بالاختناق. قفز اثنان من رجال الفريق، الملازم اول حنان براك والملازم فيبل سلوتسكر الى الخارج فأُطلقت النار عليهما فقُتلا في مكانهما. وخرج شاليط من الدبابة متأخرا شيئا ما بعد أن رمى أحد الفلسطينيين قنابل يدوية داخل برج الدبابة فأسره مختطفوه.

خلّص الجيش الاسرائيلي رجل الفريق الرابع الذي بقي جريحا مغشيا عليه في الدبابة، بعد ذلك. وفي غضون ست دقائق منذ بدء الهجوم في الـ 5:19، اجتاز المختطفان الجدار عائدين الى داخل القطاع ومعهما شاليط الجريح. ظهرت حركة الشخوص الثلاثة نحو الغرب غير واضحة في فيلم فيديو صوره برج مراقبة عسكري من الأبراج القليلة التي ظلت تعمل تحت اطلاق حماس للنار.

يتذكر ضباط خدموا في فرقة غزة ‘فوضى مجنونة. وقع اضطراب كبير في شبكة الاتصال ومضى وقت حتى أدركوا انه ينقصنا أحد الجنود وأُعلنت حالة ‘هنيبعل’ (اختطاف جندي). بعد ذلك أرسلوا الى الميدان وحدات خاصة كثيرة كان يبدو في كل لحظة أنها توشك ان تدخل القطاع لكن لم يكن لأحد في الواقع معلومات عن مكان احتجاز المختطف’. ثمن التغطية على الحقيقةبعد بضع ساعات جاء حلوتس ليوجه المراسلين. قبل ذلك بسنة فقط كان رئيس هيئة الاركان في ذروته. عُين للمنصب، بحيلة قذرة جدا، على يد اريئيل شارون وشاؤول موفاز اللذين أرادا أن يُنحيا عن المنصب بعد مرور ثلاث سنين فقط سلفه بوغي يعلون. كان رئيس الاركان الخارج الذي حذر من أخطار الانفصال، مستعدا لتنفيذه بحسب الأوامر التي وجهت اليه لكن شارون فضل التعجل بتعيين حلوتس. وكان كيبوتس كيرم شلوم واحدا من المواقع التي تدرب فيها الجيش والشرطة على اجلاء مستوطني غوش قطيف.

قطف حلوتس سريعا ثمار تعيينه االسياسية. فقد تمتع بقرب كبير من شارون وصورة ايجابية على نحو خاص في الصحف التي امتدحت في أكثرها تنفيذ الانفصال بصورة نقية. لكن كل شيء بدأ يتحطم في ذلك الصباح. وبقدر ما دفعت اسرائيل ثمنا عن التغطية على الواقع الأمني. ولما كان من المهم للمستوى السياسي ان يروج للانفصال باعتباره انجازا، جرت مضاءلة الأخطار الكامنة في الوضع الجديد. وكان الاستعداد للدفاع عن الخط حول غزة جزئيا ومُنع الجيش الاسرائيلي من العمل داخل القطاع لاحباط عمليات مخطط لها.

أنتج توجيه حلوتس، على غير عمد، نشوب خلاف بين الأذرع الامنية. فقد قال رئيس الاركان لمراسلين ان الجيش الاسرائيلي لم يُنذر بالعملية قبل ذلك فغضب رئيس ‘الشباك’ يوفال ديسكن قائلا ان الجهاز نقل الى الجيش الاسرائيلي انذارا مفصلا بل مركزا جدا يتعلق بالعملية المتوقعة.

نشرنا قبل سنتين في صحيفة ‘هآرتس’ صيغة الانذار كما تم توثيقها بعد ذلك في تحقيق الجيش الاسرائيلي. ‘تنوي عناصر ارهابية تنفيذ عملية نوعية في الحال. يبدو أنها في منطقة جنوب القطاع، مع تأكيد منطقة سوفا كيرم شلوم. ليس مخطط العملية واضحا لكنه ممكن والحديث عن دخول من طريق الجدار. والانقضاض على هدف قرب الجدار أو على معبر جنوبي القطاع، أو نفق تفجيري أو عملية دخول’. بناء على الانذار عززت قيادة الجنوب قواتها بصورة محدودة فوق شريط طوله 14 كم. لكن حلوتس لم يتعمق في التفصيلات وهذه حقيقة كُشف عنها فورا تقريبا حينما أسرع الصحفيون الى مستشفى سوروكا لاجراء مقابلة مع رجل فريق الدبابة الجريح الذي قال في غفلة انه كان في ذلك الشريط استعداد لعملية اختطاف. ورفض ديسكن، في رد على كلام حلوتس، التعاون مع فريق التحقيق الذي عينه رئيس هيئة الاركان برئاسة اللواء (احتياط) غيورا آيلاند.

أخذ قائد منطقة الجنوب، يوآف غالنت، منذ بدء القضية بسياسة متعمدة هي التأييد الشامل لسلسلة القيادة تحته. لم يبحث غالنت عن أكباش فداء ووافقه على ذلك آيلاند الذي اهتم أصلا باستخلاص استنتاجات عملياتية أكثر من اهتمامه بقطع الأعناق.

أفرط قائد المنطقة في التوصية حقا بعد ايام قليلة من الواقعة، بمنح قائد كتيبة الاستطلاع البدوية وسام شرف بسبب أدائها في الواقعة (وزن آيلاند خاصة عزله وقتا قصيرا)، لكن عندما انقشع الغبار لم يدفع أحد من الضباط الثمن. بل ان غالنت عُين رئيسا للاركان السنة الماضية وهو تعيين أُلغي في آخر لحظة في شباط هذا العام لاسباب اخرى. أما قائد فرقة غزة زمن الاختطاف، أفيف كوخافي، فيتولى اليوم رئاسة ‘أمان’. كشفت استنتاجات آيلاند عن اختلالات على طول الجبهة وعرضها. فقد تصرف الجيش الاسرائيلي في مواجهة غزة مخالفا قواعد الحرب. بلا عمل في العمق عن جانبي خط التماس، وبغير مراقبة الى الوراء، وبغير تغطية متبادلة بين القوات. وقد جُعلت المروحيات المقاتلة على استعداد في قاعدة بعيدة عن القطاع فقط بصورة لم تُمكّن من تدخل جوي سريع فيما يحدث: وكان مستوى السيطرة والرقابة من اللواء الميداني على القوات زمن الواقعة منخفضا. وفوجيء فريق آيلاند مفاجأة سيئة مما وصفه بأنه فقدان الحدة والتآكل التدريجي لطرق االقتال التي تبناها الجيش في الماضي على حدود لبنان.

وبيّن التحقيق ايضا ان قائد دبابة آخر لاحظ المختطِفين اللذين اجتازا الجدار مع شاليط الى القطاع. وبرؤية متأخرة نقول انه لو اقتربت الدبابة من المكان وأطلقت النار فلربما أُحبط الاختطاف (لكن ربما أفضى ذلك الى موت الجندي ايضا). وحاول قائد الدبابة الحصول على إذن باطلاق النار لكن لا أحد سمعه بسبب اضطراب شبكة الاتصال. وحينما أُجيب أُذن له باطلاق نار الرشاشات فقط الذي لم يكن فعالا. وأفضت القضية بعد ذلك الى اعادة الامر العسكري ‘هنيبعل’ الذي يبيح اطلاق النار لاحباط اختطاف حتى لو كان ثمن ذلك تعريض حياة المختطف للخطر.

وقد جرى تحديد مشكلة خطيرة في مجال الاستخبارات. فبرغم ان هذا كان الانذار الوحيد للاختطاف على الحدود لم يجرِ تعزيز الاستخبارات في ذلك الميدان. والى ذلك كان للجيش الاسرائيلي معلومات دقيقة عن نشاط المخربين لكنها لم تترجم كما ينبغي ولم يجرِ تحديد يقظة القوات وفُوِّت احباط الاختطاف.

بعد الاختطاف بسنتين كُشف في صحيفة ‘معاريف’ وصحيفة ‘هآرتس’ عن جانب مشحون آخر للقضية. فقبل ثلاثين ساعة من الهجوم في كيرم شلوم، اختطفت قوة من دورية هيئة القيادة العامة أخوين من نشطاء حماس من بيتهما في شرقي رفح. وقد علم أحد الأخوين، وهو مصطفى معمر، بخطة حماس للاختطاف، لكنه كُسر وأدلى بالمعلومات في تحقيق ‘الشباك’ بعد الواقعة التي اختطف فيها شاليط ببضع ساعات فقط.

تأخرت عملية الاعتقال الاسرائيلية يوما بسبب اختلاف بين قيادة الجنوب وهيئة القيادة العامة التي احتارت في الموافقة عليها. واليكم ‘لو’ اخرى في سلسلة طويلة: ربما لو جرى التحقيق مع معمر في موعده لأمكنت مضاءلة خطر اختطاف شاليط.

في رد على اختطاف الجندي بدأت اسرائيل عملية ‘أمطار الصيف’، وهي عملية عسكرية عنيفة داخل القطاع. يتذكرون في فرقة غزة ذلك قائلين ‘قتلنا كل مسلح يتحرك’. وقد جرى التعليل للاجراءات رسميا بأنها جزء من استعمال ضغط على حماس بقصد اعادة الجندي. ولم تكن في الواقع صلة حقيقية بين قصف آخر لمطار الدهنية المدمر واعادة شاليط، وقد عرفوا هذا جيدا في الجيش.

استمر الهجوم الاسرائيلي بضعة اسابيع اخرى لكنه خفت لعدم الاهتمام. زعمت قيادة الجنوب ان حماس خاصة مضغوطة وتُظهر علامات انكسار ربما تُمكّن من اعادة شاليط السريعة. لكن رئيس الحكومة اهود اولمرت كان مهتما آنذاك بمشكلات اخرى هي: الاختطاف الثاني لجنديي الخدمة الاحتياطية الداد ريغف واهود غولدفاسر على الحدود الشمالية والذي أفضى الى حرب لبنان الثانية. وأصبحت غزة مرة اخرى ميدانا ثانويا.

من غد اختطاف شاليط استدعى اولمرت اليه رجل الأمن الذي جمع خبرة كبيرة بعلاج مجال الأسرى في الماضي. وقد أوصى ذلك الرجل اولمرت قائلا: ‘أتِِمّ صفقة معهم اليوم. أعط حماس 250 شخصا وأنهِ القضية، وإلا استغرق ذلك ثلاث سنين وكلفك ألف أسير’. أجاب رئيس الحكومة قائلا: ‘يشير علي ناسي مشورة اخرى. فهم يعتقدون ان استغلال الاختطاف لتحطيم حماس أفضل’. وتعلمون ما الذي حدث بعد ذلك والذي سينتهي اليوم بعد خمس سنين واربعة اشهر تقريبا.

هآرتس 18/10/2011

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية