هكذا عرفت البكر وصدام: رحلة 35 عاما في حزب البعث (10)

حجم الخط
0

عدنان الحمداني لم يكمل خطته الخمسية فقد اكتشف صدام ان تلميذه ضالع في التآمر فأعدمهالمشاريع وزعت علي كل المحافظات لزيادة الانتاجية والقضاء علي التخلف.. والدولة اهتمت بالقطاع العلمي

اعدها: هارون محمدہصدام يواصل الاشراف علي التنمية العراقيةواصل صدام حسين عملية الاشراف علي سياسة التنمية مع بدء تحكمه بمفاصل الهيئات الاقتصادية وابعاد صالح مهدي عماش عن مهامه الرسمية داخل البلاد في أيلول (سبتمبر) 1971 وقد رافقت وضع خطط التنمية والمناهج الاستثمارية والمشاريع الكبري، ووقفت علي خلفياتها وأهدافها ومحدداتها، بحكم مهماتي الرسمية في العراق خلال الفترة 1968 ـ 1978، فعايشت مرحلتها المشرقة ثم تابعت حلقات انتكاستها. مثلت وزارة التخطيط محورالتحرك في اطار التخطيط المركزي، فيما كان الدكتور جواد هاشم تولي حقيبتها مرتين منذ أحداث تموز (يوليو) 1968 تخللها تولي الدكتور رشيد الرفاعي المنصب ذاته في النصف الأول من السبعينات، وعرف كلاهما بالمستوي العلمي الرفيع والكفاءة التنظيمية العالية، في حين لم تكن خطة التنمية الخمسية المنتهية في ربيع 1975 والمناهج الاستثمارية السنوية السابقة آنذاك محكومة بموارد مالية جيدة. ثم تولي عدنان الحمداني، ذو الموقع المتقدم في الحزب والدولة، بدعم من صدام، الحقيبة الوزارية اعتبارا من تشرين الثاني (نوفمبر) 1974 ليبدأ بتنفيذ خطة التنمية الخمسية 1976ـ 1980 في ظل قفزة هائلة بموارد البلاد النفطية(1). وساعد في الاختيار توليه في الوقت نفسه منصب السكرتير العام للجنة المتابعة لشؤون النفط وتنفيذ الاتفاقيات. وتيسرت لعدنان الحمداني السرعة المناسبة للتنفيذ بحكم رئاسة صدام لمجلس التخطيط، وكونه رئيسا للجنة المتابعة، وامساكه بالصلاحيات الواسعة بموجب قانون تنفيذ المشاريع الكبري لعام 1973. تمتعت وزارة التخطيط منذ أحداث تموز (يوليو) 1968 برعاية خاصة من قيادة الحزب والدولة، وتعزيز عملها بدوائر متخصصة علي مستوي عال من الكفاءة في التخطيط الكلي والقطاعي علي الأمدين القصير والمتوسط. وأنشئت، لأول مرة، ادارة خاصة للتخطيط بعيد المدي يمتد 20 عاما ليصبح ذلك اطارا في معالجة الثغرات الاقتصادية والاجتماعية العميقة المزمنة عبر أربع خطط متوسطة المدي. كما تعزز التخطيط المركزي بجهاز معلوماتي متين تمثل بـ: الجهاز المركزي للاحصاء، وتأسيس المركز القومي للحاسبات الألكترونية و المركز القومي للاستشارات الهندسية والمعمارية و المركز القومي للاستشارات والتطوير الاداري، الي جانب تشكيل هيئة تصنيف المقاولين ونقل ارتباط هيئة المواصفات والمقاييس العراقية اليه. و نتيجة لتنامي دور القطاع العام انشغلت الدوائر المعنية في كل مؤسسة من مؤسساته بعملية التخطيط ورسم مشاريعها، ما جعل خطة التنمية الخمسية والمناهج الاستثمارية السنوية نسيجا شاملا بالمشاريع ذات التمويل المركزي او التمويل الذاتي، ذات نظرة متكاملة لاستثمارات القطاعين العام والخاص. والي جانب الهيئة التوجيهية التي يترأسها وزير التخطيط وتضم رؤساء الدوائر التخصصية في الوزارة وأعضاء متفرغين، لبلورة القضايا والبت فيها ضمن صلاحياتها، يأتي مجلس التخطيط برئاسة رئيس الوزراء او من ينوب عنه في قمة الهرم التخطيطي. ودخلت لجنة المتابعة لشؤون النفط وتنفيذ الاتفاقيات منذ تشكيلها في النصف الثاني من عام 1972 كشريك متنامي الأثر في مجال التخطيط للمشاريع الكبري ومشروعات الثروة المعدنية وفي مقدمتها النفط، كما لعب (المجلس الزراعي الأعلي) برئاسة عزت الدوري، عضو مجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية، دورا في عملية التخطيط للقطاع الزراعي. استطاع صدام حسين، بحكم صلاحياته وعلي خلفية تطلعاته، ان يضع أمام عينيه كل ما يمس التخطيط بوجه عام وحركته العملية. ولعبت الأجهزة المعنية والمستشارون الاقتصاديون دورا هاما في تقديم الآراء والمقترحات السليمة التي كان صدام يلتقطها بسرعة ويتبناها بقوة ويوسع آفاقها ويربط بين مفاصلها. وقف صدام وراء تطلع راسخ لنهضة سريعة في البلاد تتصف بالشمول والتوازن والاستقرار، وتوفير القاعدة المادية الضرورية لها، فشكلت قيادته لخطوات تأميم النفط المتتالية، وتوفير الأطر الضرورية للاسراع بتنفيذ المشاريع الكبري حلقات ضمن هذا السياق. وجاءت العبارات الواردة في التقرير السياسي للمؤتمر القطري الثامن لحزب البعث العربي الاشتراكي المنعقد في الفترة 8 ـ 12 كانون الثاني (يناير) 1974 حاملة بصمات صدام حسين بتأكيد أهمية التخطيط ودوره في التنمية الشاملة المنشودة. وذهب صدام أبعد من ذلك حين أصدر مجلس قيادة الثورة القانون رقم 142 لسنة 1974(4) ألزم بموجبه الوزارات وجميع دوائر الدولة ومؤسساتها وهيئاتها وأجهزتها باتخاذ التقرير السياسي المذكور منهاجا ودليل عمل لها في ممارسة اختصاصاتها. البدء بتنفيذ المشاريع الكبريشكل تعنت الموقف السوري بشأن أجور مرور النفط العراقي عبر سورية عقب تأميم النفط الخلفية التاريخية لهذا القانون، حين لم يكن لدي العراق ورقة ضغط في تلك المفاوضات، ما دفع العراق الي تبني خطة جديدة لمنافذ تصدير النفط دعيت بالشبكة الاستراتيجية للنفط، كما جري الحديث عنها في موضع سابق. وشكل الاسراع في تنفيذ مفاصلها، وفي مقدمتها أنبوب النفط فاو ـ حديثة والميناء العميق جنوبا، العامل الحاسم في الأمر. وفي نطاق لجنة المتابعة لشؤون النفط وتنفيذ الاتفاقيات، التي كنت أحد أعضائها، سادت القناعة بضرورة توفير مستلزمات تسريع تنفيذ هذين المشروعين اللذين قدرت تكلفتهما بنحو 200 مليون دينار. فاندفع صدام حسين، رئيس اللجنة، باحتضان الرأي المتمثل باستخدام صيغ جديدة تتجاوز ما هو متبع عادة من قواعد ومحددات اجرائية، ثم توسعت الفكرة لتشمل المشروعات المماثلة التي يلعب الزمن في تنفيذها الدور الحاسم. في ضوء هذه الخلفية أقر مجلس قيادة الثورة بجلسته المنعقدة في 31 كانون الأول (ديسمبر) 1973 اصدار قانون تنفيذ المشاريع الكبري رقم 157 لسنة 1973، ونشر في الجريدة الرسمية الوقائع العراقية بتاريخ 10 ـ 1 ـ 1974. ويتضمن الأركان التالية: أولا ـ يتمتع المشروع الخاضع لهذا القانون بتسهيلات وامتيازات للشركات في أية مرحلة من مراحله ابتداء من مرحلة الدراسات وعبورا بمرحلة العطاءات وانتهاء بمرحلة التنفيذ وتسليم المشروع، من بينها: 1 ـ اعفاء المتعاقدين من ضريبة الدخل والرسوم الجمركية ورسم الطابع ورسم صندوق دعم التصدير واية ضرائب ورسوم أخري. 2 ـ الاعفاء من تطبيق القواعد والقيود الخاصة باجازات العمل واستخدام الأجانب عدا ما يتعلق بتقديم البيانات. 3 ـ الاعفاء من القيود المفروضة علي الاستيراد عدا ما يتعلق بتقديم المعلومات، وكذلك الاعفاء المؤقت بتعهد شخصي لجميع الآلات والمعدات والعدد المستخدمة لانجاز المشروع لحين صدور شهادة الاستلام النهائي. 4 ـ الاعفاء من الالتزامات المالية بموجب قانون التقاعد والضمان الاجتماعي او أي قانون آخر يحل محل القانون الحالي شريطة قيام المتعاقد بمسك السجلات الاحصائية اللازمة، وتتولي لجنة المتابعة او الجهة الرسمية المتعاقدة تسديد ما يترتب بذمة صاحب العــــمل من التزامات مالية بهذا الشأن. 5 ـ الاستـــــثناء من الاجراءات المنصوص عليها في قوانين الاستملاك، وتحديد بدلات الاستملاك من قبل لجنة يتم تأليفها بقــــرار من رئيس لجنة المتابعة تتولي تقدير التعويض العادل، مع الحفاظ علي حق صاحب الملك بالاعتـــراض علي مبلغ التعويض أمام محكمة التمـــييز التي يعد قرارها قطعيا. ثانيا ـ كلف القانون لجنة المتـــابعة لشـــؤون النفط وتنفيذ الاتفاقيات بتنفيذه، ومنح رئيسها صدام حسين صلاحيات واسعة لتطبيق نصوصه: 1 ـ للجنة المتابعة تسمية اي مشروع يخضع لهذا القانون، سواء كان مشروعا مدرجا في خطة التنمية أو مشروعا جديدا، مستأنسة بمقترحات الأجهزة الرسمية. وللجنة الطلب من مجلس التخطيط اضافة المشروع الجديد لخطة التنمية ورصد المبالغ اللازمة له. 2 ـ تساعد لجنة المتابعة هيئة فنية مهمتها بحث وتنسيق أساليب تنفيذ المشاريع الكبري ومتابعة تنفيذ قرارات اللجنة. 3 ـ للجنة المتابعة الاشراف المباشر علي المشروع الخاضع لهذا القانون، او تكليف جهة رسمية بمهمة الاشراف. 4 ـ للجنة المتابعة منح المشروع التسهيلات والامتيازات المذكورة في القانون كلا او جزءا، ولرئيس لجنة المتابعة ان يمنح، في الأحوال المستعجلة والطارئة، أيا من تلك التسهيلات والامتيازات. 5 ـ مع مراعاة الأحكام الواردة في قانون العمل بخصوص انهاء خدمة العمال وقضايا الاستخدام، كمبدأ، خول القانون رئيس لجنة المتابعة، عند الاقتضاء، اصدار قرارات خاصة باستثناء المشروع من بعض أو كل تلك الأحكام. سرعة قياسية في تنفيذ مشاريع الخط الاستراتيجي والميناء العميقضرب العراق، في ظل هذا القانون، مثلا أعلي في سرعة تنفيذ مشروعي خط النفط الاستراتيجي والميناء العميق، حيث أحيلت مقاولات التنفيذ علي شركات عالمية خلال بضعة شهور، وتم الانجاز في غضون ثلاث سنوات. وشكلت بداية التشغيل أواخر عام 1975 أهمية بالغة، حيث استطاع العراق توجيه نفط الشمال الي ميناء التصدير جنوبا عبر الخط الاستراتيجي، وابعاد الضغوط السورية بشأن أجور مرور النفط العراقي حين حل موعد التفاوض بشأنها في نهاية ذلك العام. في الواقع لم تتوقف فكرة القانون المذكور عند حدود المشاريع الكبري، اذ جري توجيه كل الأجهزة الرسمية لمراجعة القوانين والأنظمة والتعليمات المتعلقة بالشؤون المالية والجمركية، بهدف ازالة العقبات وتهيئة أجواء أفضل أمام الشركات لتسريع تنفيذ المشاريع بصورة عامة، وكلفت لجان متخصصة بهذه المراجعة الشاملة. ويلاحظ هنا:

أولا ـ أن مشروعي خط النفط الاستراتيجي والميناء العميق حظيا بتسهيلات وامتيازات خاصة قبل صدور قانون تنفيذ المشاريع الكبري، وشكلت تجربتهما دفعا وقاعدة لهذا القانون.

ثانيا ـ أن صلاحية لجنة المتابعة بتبني مشروع معين واخضاعه للقانون المذكور واضافته لخطة التنمية، ان لم يكن واردا فيها منذ البداية، قد تثير تساؤلا بشأن عملية التخطيط المركزي وما قد يؤدي الي اختلال في توازن الخطة، ورغم مشروعية هذا التساؤل فان القبول بتلك الصلاحيات نابع من الأهمية العليا الاقتصادية والسياسية للمشروع ومتطلبات السرعة القصوي في تنفيذه. ويشكل مشروعا الخط الاستراتيجي والميناء العميق مثالين صارخين لهذه الاعتبارات، ولكون رئيس لجنة المتابعة ـ صدام حسين ـ يترأس مجلس التخطيط في ذات الوقت، يظهر التنسيق بين هاتين الهيئتين مسألة مفروغا منها من الناحية المبدئية. ثالثا ـ كما تبدو الصلاحيات المحصورة بيد رئيس لجنة المتابعة شأنا غير معتاد. وقد نجد الجواب عن ذلك من خلال الرغبة في سرعة اتخاذ القرار الحساس من قبل شخص يزاول أعلي المسؤوليات في الحزب والدولة، الي جانب كون قراره ـ كما دلت المؤشرات في تلك المرحلة ـ يتخذ بعد التشاور مع الآخرين وموازنة كافة الاعتبارات. وهكذا شكل القانون، من الناحية العملية، اطارا هاما في حركة التنمية والسرعة المثالية في انجاز المشاريع الحساسة، في فترة كان صدام حسين فيها متواضعا في مسلكه ومستمعا للرأي المقابل، ومتخذا القرار بعد روية وتمحيص. صدام يخطط لتوازن تنموي ذي مضمون اجتماعي وثقافيكان صدام مقتنعا بجعل التنمية ذات مضمون مادي واجتماعي وثقافي، واضعا أمام عينيه التوازن الاقليمي بين مناطق العراق(3)، وتقليل الفوارق بين حياة المدينة والريف، والنهوض بالقطاعين الزراعي والصناعي باعتبارهما عمادي البلد علي الأمد البعيد، وتوسيع البني التحتية في مجال المواصلات والاتصالات، والنهوض بالخدمات الأساسية للمواطنين، ساعيا لانعتاق العراق من حلقة الدول النامية بأقصر فترة زمنية، جاعلا، قبل كل شيء، تنامي ايرادات النفط مفتاحا لهذه الأهداف والتطلعات.. ونظر الي التسابق مع الزمن كأحد التحديات المطلوب تجاوزها. فالي حين اكتمال المشاريع النفطية وتحقيق الطفرة في الموارد المالية سعي العراق الي سد الثغرة بالحصول علي قروض سخية من دول متعددة لدفع عجلة التنمية دون تأخير، عبر اتفاقيات التعاون الاقتصادي والفني مع الاتحاد السوفييتي والصين وهنغاريا وبلغاريا وجيكوسلوفاكيا وبولندة وألمانيا الديموقراطية، وعلي أساس تسديد القروض فيما بعد بالنفط والمنتجات العراقية، الي جانب اتفاقيات مع بعض دول العالم الغربي كاليابان وفرنسا وإيطاليا، والبنك الدولي. وتشجعت الأجهزة التخطيطية في عملها ضمن هذه الأطر، وكان صدام حسين، في فترة النصف الأول من السبعينات علي وجه الخصوص، مشجعا لكل مقترح مفيد تأتي به الدراسات المقدمة من الأجهزة العراقية والشركات الأجنبية وبعثات البنك الدولي. وفي هذا السياق بدأ العراق، لأول مرة، باقامة الصناعات المعتمدة علي النفط، واستغلال الغاز في التصنيع المحلي والتصدير. جاءت حملة محو الأمية في المدن والأرياف وشمولها الصغار والكبار والرجال والنساء علي حد سواء، والأخذ بالتعليم الإلزامي للمرحلة الابتدائية لجميع أطفال العراق خلال فترة محددة وما تطلب من أبنية هائلة العدد ولوازم تعليمية مجانية، مثالا لتوسيع الثقافة الأساسية لدي عموم المواطنين. فارتفع عدد المدارس الابتدائية من نحو 5180 مدرسة عام 1970 ـ بداية الخطة الخمسية الأولي ـ الي 10220 مدرسة عام 1982، وزاد عدد التلاميذ المنخرطين فيها من 1.04 مليون الي 2.61 مليون تلميذ خلال الفترة المذكورة. ويأتي مشروع كهربة الريف بتزويد 000 9 قرية بالقوة الكهربائية مثالا آخر لخطة توفير الخدمات الأساسية في كل بقعة من العراق ((4. وبطبيعة الحال جاء انشاء السدود والمحطات الكهرمائية في مواقعها الطبيعية، ومشاريع استثمار الثروة النفطية والمعدنية في مناطق حقولها ومناجمها، وارتبطت مشاريع أخري بمواطن المواد الأولية و/ او مناطق الاستهلاك الرئيسية كحالة مصنع استخلاص الكبريت في كركوك ومعمل انتاج السماد الفوسفاتي في منطقة القائم القريبة من مناجم الفوسفات في عكاشات، ومصنع المعدات الكهربائية في بغداد، ومصنع انتاج الورق في البصرة، ومصافي النفط في بغداد والبصرة وفي بيجي الواقعة عند خط نفط كركوك ـ البحر المتوسط. توزيع المشاريع في جميع انحاء العراقوكان هدف توزيع المشاريع علي أنحاء العراق أحد الاعتبارات الهامة لتحديد مواقعها، كحالة مصنع انتاج الأدوية في سامراء، ومصانع انتاج السكر في كل من الموصل والسليمانية وكربلاء، ومصنع الجرارات الزراعية في المسيب، ومعمل الدراجات في المحمودية، ومصنع الحرير الاصطناعي في الهندية، ومصنع النسيج في الموصل، ومعمل انتاج الزيوت النباتية في بيجي. وجعلت اعتبارات المواد الداخلة في الانتاج والموقع البحري للتصدير والاستيراد محافظة البصرة، وضمنها منطقة الزبير علي وجه الخصوص، أحد أكبر المواقع للعديد من المشاريع الكبري(5). كان توازن الأهمية النسبية للقطاعات الاقتصادية في تكوين المعايير الكلية، والتقدم العلمي والتقني، وزيادة الانتاجية، والقضاء علي مظاهر التخلف، أهدافا تسعي الدولة لتحقيقها علي الأمد البعيد لطبيعتها الخاصة. وتطلبت أسباب موضوعية السماح، خلال الأمد المتوسط، بارتفاع درجة الاختلال القطاعي من خلال تنامي الأهمية النسبية لقطاع النفط والغاز، ليلعب هذا القطاع فيما بعد الدور المنشود بتهيئة القاعدة المادية الهائلة المطلوبة، لتصحيح الوضع بين القطاعات الرئيسية علي الأمد البعيد: النفط والزراعة والصناعة. فيما شهدت فترة الخطة الخمسية 1970 ـ 1974 بداية طفرة الاستثمارات النفطية، وتواصل وتيرتها في الفترة الخمسية التالية، قفزت الاستثمارات المخصصة للقطاع الزراعي من نحو 174 مليون دينار في الخطة الخمسية 1965 ـ 1970 الي نحو 340 مليون دينار ـ أي الي الضعف ـ في كل من الخطتين التاليتين(6). وشملت الاستثمارات في هذا القطاع جميع المجالات ابتداء من تخليص التربة من الملوحة وزيادة رقعة الأراضي الزراعية عبر سدود السيطرة علي المياه ومشاريع الري والبزل والاستخدام الأمثل للمياه، وادخال التقنية الحديثة وانشاء معاهد التعليم الزراعي وانتهاء بتوسيع دور المصرف الزراعي الحكومي، واضعة هدف الاكتفاء الذاتي للبلاد من المواد النباتية والحيوانية علي الأمد البعيد، وربط الانتاج الزراعي من زاويتي المدخلات والمخرجات بالقطاع الصناعي الذي شهد نموا افقيا واسعا وتطورا عموديا ملحوظا. وأصبح البلد ورشة عمل ضخمة لا أثر فيه للبطالة، وفتح الباب أمام الآلاف من العمال والمتخصصين من العرب والأجانب. ونتيجة لما تحقق من تنمية اقتصادية واجتماعية ضخمة، أصبح العراق مع نهاية خطة التنمية الخمسية عام 1980 علي بوابة مغادرة حلقة الدول النامية. وقد ساعد في ذلك تنامي ايرادات النفط بصورة متصاعدة، نتيجة زيادة كميات التصدير وتحسن الأسعار، لتسجل أكثر من 21 مليار دولار عام 1979 الذي سبق الحرب مع ايران، ما يعني حوالي ثلاثة أضعاف ما كان الحال عليه عام 1974. ومع ان القطاع الخاص نشط هو الآخر نتيجة الاستثمارات العامة الضخمة وتطور مستوي الدخل، فقد كان بالامكان تحقيق نتائج أكبر لو تم منح هذا القطاع دعما أوسع بوقت مبكر. صدام يولي اهتماماً بمجالات العلوم والتقنيةحظي مجال العلوم والتقنية العالية باهتمام ورعاية خاصة من صدام حسين، فارتبطت به مؤسسة البحث العلمي ولجنة الطاقة الذرية والمفاعلات الذرية. وفيما كان المفاعل الذري المقام في منطقة التويثة عام 1968 بالتعاون مع الاتحاد السوفييتي مخصصا لأغراض البحث العلمي، واتفاقية التعاون مع الهند عام 1974 في مجال البحوث الذرية للأغراض السلمية، بدأ صدام يتجه لتنمية القوة العسكرية واستخدام التقدم العلمي والتقني وتعزيز كوادره في سبيلها، الي جانب التنمية بمضمونها الاقتصادي والاجتماعي. استطاع صدام في هذا السياق كسب الفرنسيين لانشاء المفاعلات الذرية، ودول أوروبية ولاتينية لتجهيز المواد والتقنية في المجال الذري، واستمالة الاتحاد السوفييتي ودول شرقية وغربية لتجهيز مستلزمات بناء القوة العسكرية المتفوقة الأرضية والجوية والبحرية. لا شك ان بناء هذه القوة مسألة مشروعة يمكن تفهمها ان بقيت حدودها ودورها ضمن التصورات الواقعية للسياسة الاقليمية والدولية وموقع العراق فيها. ويبدو ان الايرادات النفطية الهائلة ساعدت في اغراء صدام لتنفيذ طموحاته العسكرية اضافة الي نهجه الفردي المتعالي. وهكذا، فبعد رسوخ قواعد التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، رأي صدام نضوج مرحلة الانتقال الي البنية العسكرية المتفوقة، وبدأت تجهيزاتها الضخمة المتواصلة تلتهم جانبا هاما من الموارد النفطية، ما شكل الانعطاف الأول في مسار استراتيجية التنمية. وحل الانعطاف الثاني عام 1980 ـ عام انتهاء خطة التنمية الخمسية الثانية والاستعداد لطرح الخطة الثالثة، بنشوب الحرب مع ايران في ايلول (سبتمبر) 1980، بعد تسعة شهور من انتقال صدام حسين الي الموقع الأول في الحزب والدولة عشية استقالة البكر منتصف تموز (يوليو) 1979، فانشغل العراق، ماديا وبشريا، بلهيبها طيلة ثمانية أعوام، ما أدي الي قلب الموازين التنموية برمتها. ففي الأشهر السابقة لاندلاع الحرب وصل حجم تصدير النفط الخام العراقي الي نحو 3.2 مليون برميل يوميا ليرتقي العراق الي مصاف أكبر مصدري النفط في العالم، الا أن تصدير النفط من الموانئ الجنوبية توقف خلال الفترة الأولي من الحرب بسبب الدمار الذي طال منشآت التحميل ولحق بمنشآت التصفية ومجمع البتروكيمياويات جنوب البصرة، وانخفضت ايرادات النفط الي نحو الثلث في العام التالي للحرب. فلم تعد موارد العراق النفطية قادرة علي مواصلة حركة التنمية، كما لم تعد قادرة علي تغطية نفقات الحرب الباهظة ما أدي الي انتقال العراق من بلد فوائض مالية متراكمة بلغت 35 مليار دولار عام 1980 الي بلد مكبل بقروض هائلة. ولم تمض فترة طويلة علي انتهاء العمليات الحربية بين العراق وايران عام 1988، وتداركه مشكلة انحسار تصدير النفط العراقي من خلال استخدام المنافذ السعودية والتركية، حتي وقع الانعطاف الثالث في أحداث الكويت عام 1990 مما أدي الي تدمير ما بناه طيلة الخطط التنموية الماضية، وتكبيل العراق بديون جسيمة، وتوقف شريان مورده النفطي. ولم تقو حتي البنية العسكرية المتقدمة، التي زاحمت خطط التنمية طيلة سنوات، علي الصمود. فبعد تسعة شهور من اندلاع الحرب مع ايران دمرت الطائرات الاسرائيلية المجمع الذري جنوب بغداد، ثم اضطر العراق الي أن يدمر بنفسه ما لديه من أسلحة متقدمة ومحظورة بعد اكراهه علي الانسحاب من الكويت. لم تستمر استراتيجية التنمية في العراق، التي انهمك صدام حسين برسمها ومتابعتها، أكثر من عقد واحد، فيما اقتضت الانتكاسات المتتالية وما رافقها من ظروف التقشف والحصار المفروض من قبل مجلس الأمن عقدين ونصف العقد تقريبا.

القدر لم يمنح الحمداني فرصة التمتع بخطته الخمسيةواصل عدنان الحمداني مهمته وزيرا للتخطيط منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 1974 وحتي منتصف شهر تموز (يوليو) 1979، وهو العام قبل الأخير من الخطة الخمسية الثانية التي دعيت بالخطة الانفجارية لضخامة استثماراتها. وكان الحمداني، كما جري التنويه، ساهم تدريجيا في حجب شفافية الأرقام والبيانات وخاصة المتعلقة منها بشؤون النفط والتعاقدات، واختار أشخاصا في أجهزة الدولة المالية يعول عليهم في تنفيذ تعليماته التي هي توجيهات صدام في النتيجة. وعلي اثر تسنم صدام رئاسة مجلس قيادة الثورة ورئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء منتصف تموز (يوليو) 1979 وما تبع ذلك من تشكيلة جديدة لمجلس الوزراء، لم يعد عدنان الحمداني وزيرا للتخطيط، اذ جري تعيينه نائبا لرئيس الوزراء ورئيسا لديوان رئاسة الجمهورية، وكانت تلك علامة واضحة لمدي اعتماد صدام عليه في تنفيذ توجيهاته وتعليماته ليس لأجهزة التخطيط ولجنة المتابعة فحسب، انما لجميع الوزارات ومؤسسات الدولة من خلال منصبه الجديد. الا أن القدر لم يمنح الحمداني فرصة التمتع بمعاينة نتائج خطته الخمسية ومعايشة الانتكاسات المتتالية التي حلت باستراتيجية التنمية، لعدم استمراره في منصبه الجديد أكثر من ثلاثة أسابيع حين (اكتشف) صدام ضلوع تلميذه في التآمر عليه، فأعدم مع رفاق له يوم 8 ـ 8 ـ 1979. الهوامش: (1 كانت خطة التنمية الخمسية السابقة تنتهي في 31 آذار (مارس) 1975، حيث كانت الميزانيات العامة ـ ومنها الميزانية الاعتيادية ـ تتبع معيار السنة المالية المنتهية في 31 آذار (مارس) المألوف في العراق منذ زمن الانتداب البريطاني. وتقرر تمديد الخطة الخمسية السابقة بمنهاج اضافي مدته 9 شهور لتبدأ الخطة الخمسية التالية في1 ـ 1 ـ 1976 وتنتهي في 31 ـ 12 ـ 1980، اثر صدور قرار مجلس قيادة الثورة في 7 شباط (فبراير) 1974 بالزام جميع الميزانيات والخطط في البلاد باتباع السنة التقويمية 1 كانون الثاني (يناير) ـ 31 كانون الأول (ديسمبر) وتنفيذه اعتبارا من اليوم الأول من عام 1976. (2 قرر مجلس قيادة الثورة بجلسته المنعقدة بتاريخ 7 تشرين الأول (أكتوبر) 1974 اصدار القانون رقم 142 لسنة 1974 الذي اعتبر نافذا من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية (الوقائع العراقية) في 13 من الشهر ذاته. (3 يشير وزير التخطيط العراقي الأسبق الدكتور جواد هاشم في كتابه (مذكرات وزير عراقي مع البكر وصدام) الي أن خطة التنمية الاقتصادية 1970 ـ 1974 جاءت متوازنة من حيث التوزيع الجغرافي لمشروعاتها، فقد نالت المنطقة الشمالية (محافظات: أربيل، السليمانية، دهوك، الموصل، كركوك) نسبة 24%، والمحافظات الوسطي (بغداد، ديالي، واسط، بابل، كربلاء، الأنبار، القادسية)، نسبة 53%، بينما نالت المحافظات الجنوبية (البصرة، ذي قار، المثني، ميسان) نسبة 23%. علما بأن عدد سكان كل منطقة منسوبة الي المجموع العام للسكان في ذلك الوقت كان علي النحو التالي: المنطقة الشمالية 25%، المنطقة الوسطي 56%، المنطقة الجنوبية 19%. (4 بلغت الاستثمارات المخصصة لهذا المشروع في خطة التنمية 1976 ـ 1980 مبلغ 76 مليون دينار عراقي. و تضمنت الخطة تشييد 000 400 وحدة سكنية بحلول 1979/1980، مع نظرة بعيدة المدي لانجاز 4 ملايين وحدة سكنية بحلول عام 2000 للاسهام بتوفير السكن لذوي الدخل المتوسط والمحدود. وارتبطت مواقع المشاريع باعتبارات اقتصادية هامة، والتوزيع الجغرافي في البلاد حين تتوفر المرونة. (5 من بين هذه المشاريع: مصنع انتاج أسمدة اليوريا، والحديد والفولاذ، و صفائح الألمنيوم، ومجمع البتروكيمياويات بالشعيبة، ومعمل انتاج الغاز السائل، الي جانب ميناء متكامل وفتح مسار بحري عميق للسفن الكبيرة عند خور الزبير لتصدير الأسمدة الفوسفاتية من منطقة عكاشات وأسمدة اليوريا والغاز السائل من مصانع خور الزبير ولاستيراد ركائز الحديد للمصنع المقام في تلك المنطقة، فيما أنشئت مرافق خاصة في ميناء ام قصر لتصدير الكبريت المستخرج من منطقة المشراق في الشمال، الي جانب ميناء الصيد البحري عند البصرة. (6 ارتفع حجم خطط التنمية الخمسية الثلاث المتعاقبة من نحو 600 مليون دينار الي ما يقارب 950 مليونا ثم الي نحو 13630 مليون دينار للفترة 1965 ـ 1980.7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية