هكذا عرفت البكر وصدام: رحلة 35 عاما في حزب البعث (2)

حجم الخط
0

هكذا عرفت البكر وصدام: رحلة 35 عاما في حزب البعث (2)

فؤاد الركابي قاد تكتلا داخل الحزب لازاحتي عن امانة السر وقيادة التنظيم ليصبح في رأس القيادةفي سجن ابو غريب كان الراديو ممنوعاً.. وصنعنا شطرنجا من الخبز.. وعلب السجائر استخدمناها للدمينوهكذا عرفت البكر وصدام: رحلة 35 عاما في حزب البعث (2)عرض: هارون محمدفؤاد الركابي أزاحنيعن أمانة سر القيادة القطريةعرفت فؤاد الركابي (1) جيدا، فقد جمعتنا العلاقة الرفاقية منذ تكوينات الحزب الأولي في أواخر الأربعينات وعلي مدي ثماني سنوات تالية، حين كان طالبا في كلية الهندسة بجامعة بغداد ثم موظفا مهندسا بعد تخرجه، فيما كنتُ طالبا في كلية التجارة والاقتصاد ثم معيدا في الكلية ذاتها بعد التخرج عام 1953 وقمنا معا بسفرات حزبية الي المدن واشتركنا في المظاهرات والاضرابات وتحملنا المهمات القيادية، وكنا نلتقي في سبيل ذلك كل يوم تقريبا.كان الركابي نشيطا وجريئا، لكنه كان تواقا للحصول علي المركز الأول في القيادة، وقد لاحظتُ، كما لاحظ رفاق آخرون، انه لا يتورع عن ممارسة طرق غير مقبولة للوصول الي طموحه الشخصي. وهكذا قاد الركابي تكتلا عن طريق الاتصالات الجانبية داخل وخارج بغداد بهدف ازاحتي من أمانة سر التنظيم أولا ثم من القيادة ثانيا ليتبوأ هو رأس الهرم الحزبي، ووقف مساندا لموقفي بعض الرفاق وخرجوا من القيادة، فيما تابع قياديون آخرون الوضع بدقة (2) ورغم ذلك واصلتُ العمل رفيقا حزبيا حتي مغادرتي العراق أواسط عام 1956 كأحد طلاب البعثة العلمية لدراسة الماجستير في الولايات المتحدة الأمريكية. وانقطعت أخبار الحزب عني خلال فترة الدراسة حتي رجوعي الي العراق في صيف 1958 وأول ما فعلتُ حين وصولي الي بغداد زيارة فؤاد الركابي في مكتبه وتهنئته علي توليه منصب وزير الاعمار عقب ثورة تموز (يوليو) 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي، وكان آنذاك أمين سر حزب البعث. وقد استرعي انتباهي في الزيارة القصيرة اكتظاظ مكتبه بالملفات السميكة المتراكمة علي أرض الغرفة بعد أن ضاقت منضدة مكتبه الواسعة بالعشرات منها، وكلها مسائل تنتظر البت، وكان الرجل يحاول اخفاء التعب والارهاق بتصنع الهدوء والابتسام أثناء تبادل الحديث، ما جعلني أتساءل عن الكيفية التي سيتيسر له الوقت الكافي لتصفح كل هذا الكم المتراكم من الملفات، عدا عن انشغالاته الحزبية والرسمية الأخري. وعلمت فيما بعد أن احدي أكبر مشاغله كان نتيجة الأوامر التي اتخذها خلال الأيام الأولي من مهمته بايقاف العمل في المشاريع الضخمة العديدة التي تقوم بتنفيذها شركات المقاولات الأجنبية في العراق ضمن خطة وزارته حتي اشعار آخر. وترتب علي ايقاف عمل الشركات فترة من الزمن مطالبتها بتعويضات جسيمة أرهقت ميزانية الدولة.ووقف وراء تلك الأوامر الانطباع الاعلامي/ السياسي الذي كان يغذي من الأحزاب المعارضة قبل الثورة كون هذه المشاريع، أو الجانب الأكبر منها علي أقل تقدير، ينفذ لمصالح أجنبية استعمارية ولا صلة لمصلحة الوطن الحقيقية فيها. وأتوقف هنا قليلا للاشارة الي أن تاريخ العراق الحديث، مع اختلاف أنظمة الحكم علي مدي نصف قرن، يكشف عن ممارسة أحزاب المعارضة لسياسات المغالاة وتضخيم الأمور، والابتعاد عن الموضوعية أحيانا كثيرة في حملتها ضد سياسة الحكم، وتوجيهها السياسي/ الاعلامي لقواعدها الحزبية وصفوف الجماهير وفق هذا النمط.وحين يسقط النظام تجد تلك الأحزاب نفسها مكبلة بما دفعته للجماهير سنوات طوالا من تضخيم وادعاءات يصعب التراجع عنها فيما تملي مصالح البلاد العليا انتهاج سياسة تتصف بالموضوعية والحكمة. علي كل حال دفعت التطورات السياسية ضمن نظام الحكم الائتلافي في المرحلة الأولي من عهد قاسم الي جعل الركابي وزير دولة في 30 ايلول (سبتمبر)1958 بعد قضائه فترة شهرين ونصف الشهر علي رأس وزارة الاعمار، ثم خروجه من التشكيلة الوزارية في 7 شباط (فبراير)1959 اثر تنامي الخلاف بين حزب البعث وعبد الكريم قاسم. وأعود الي الركابي بالاشارة الي الخلافات التي وقعت بينه وبين القياديين الآخرين في السنوات اللاحقة من مسيرته الحزبية وأدت به في نهاية المطاف الي انشطاره عن حزب البعث وقيامه بتأسيس تنظيم سياسي آخر (الحركة الاشتراكية العربية(، وسجن أكثر من مرة وقتل أخيرا في سجن بعقوبة الواقع شرق بغداد عام 1971.ثلاثة شهور في معتقل الدبابات في معسكر أبو غريببعد عودتي الي بغداد من امريكا وحصولي علي الماجستير في الاقتصاد عام 1958 عينت مدرسا معيدا في كلية التجارة والاقتصاد وانخرطت في تنظيمات الحزب التي اتجهت بعد فترة الي العمل السري التام بسبب الخلافات السياسية مع قيادة عبد الكريم قاسم ودخول البلاد في صراعات داخلية حادة. بعد فشل محاولة العقيد عبد الوهاب الشواف في الموصل في آذار)مارس) 1959 للانقلاب علي نظام قاسم قامت الأجهزة الأمنية الي جانب المقاومة الشعبية و حركة أنصار السلام ـ المسيّرتين من قبل الحزب الشيوعي ـ بأوسع وأبشع عملية لمطاردة المعارضين في عموم البلاد. واكتظت السجون ودوائر الأمن والتوقيف بعشرات الآلاف وبعضهم ممن لم يكن يختلف مع الشيوعيين الاّ بالرأي والكلمة. وشملت العملية رجال السياسة والجيش والأدباء وأساتذة وطلبة الجامعات ورجال الدين وغيرهم، من البعثيين والقوميين والاسلاميين من مخالفي نظام الحكم. في أحد أيام تلك الفترة طـُرق باب بيتي بعد منتصف الليل، ولم يكن الأمر يشكل مفاجأة لي، حيث دخلت مجموعة من (المقاومة الشعبية ) (3) وطلبت مني مرافقتها الي الأمن العام. وفيما كنت أغير ملابسي لاحظ أحد أفراد المجموعة بالصدفة كتابا في القومية العربية كان ابن خالي اشتراه من السوق قبل فترة قصيرة. فطلبت المجموعة منه مرافقتها الي الأمن العام أيضا. واضطر المسكين ـ وهو طالب في المدرسة المتوسطة ـ لتغيير ملابس نومه. وهكذا انطلقت السيارة بنا جميعا الي بناية الأمن العام الواقعة آنذاك في شارع النهر وسط بغداد. وجدتُ العشرات من الأشخاص محجوزين قبلي حيث قضينا ساعات في تلك البناية ـ مكان الحجز المؤقت ـ حتي أزف الصباح وجاء ضباط الأمن الي مكاتبهم. وبعد نحو ساعة تلا أحد الضباط قوائم أسماء المحجوزين حيث سمّي لكل قائمة مركز الحجز النهائي، وكنتُ ضمن عشرة أشخاص ممن تحدد لهم معسكر الدبابات في أبو غريب، الواقع الي الشمال الغربي من أطراف بغداد. وصلنا الموقع ودُونت أسماؤنا ثم أدخلنا في بيت بسيط وسط المعسكر وأغلقت بابه، ووجدت أمامي عددا من الأشخاص المحجوزين قبلي أعرف بعضهم. كانت فترة احتجازي التي استمرت 93 يوما غريبة ومخيفة. كل يوم يفتح الحراس الباب ليدخلوا مجموعة جديدة من المحجوزين حتي بلغ العدد (140) شخصا في البيت (المعتقل) بخمس غرف صغيرة، ما اضطرنا الي النوم ليلا علي وجبتين جنبا الي جنب كالسمك في علبة السردين، حيث لم تكن مساحة الغرف تكفي لاستلقاء جميع النزلاء علي الأرض في آن واحد. ولم أجد مكانا أفضل لتناول وجبات طعامي غير الجلوس علي أعلي حافة من سلم الدار بعد ارتقائها بصعوبة نتيجة اكتظاظ السلم ذاته بمختلف اللوازم. وكانت وجبات الطعام التي يحضرها المجهز أو ما يسمي (المتعهد) ذات نوعية رديئة، لكن الجوع يضطرنا لتناولها. وكانت هناك مشكلة مقرفة للغاية تحدث كل يوم حيث تضم الدار مرفقا صحيا واحدا لمئة وأربعين شخصا ينتظر كل منهم دوره في الصباح. كانت زيارات الأهل لنا محجوبة والجرائد والكتب ممنوعة عدا القرآن الكريم، وكان الراديو محظوراً أيضا. أما الشطرنج الذي صنعناه من عجينة الخبز لقضاء الوقت فكان يكتشف من قبل الحراس ويـُصادر كل مرة، وكذا الحال بالنسبة للدومينو المعمولة من علب السجائر. كنا نتنفس الهواء داخل البيت فقط ولم تر أجسامنا أشعة الشمس طيلة أسابيع، وكانت أجواء القلق والخوف مخيمة علي الجميع. ففي كل ليلة كان ضابط يفتح الباب وينادي علي مجموعة منا للتحقيق. ثم تعود المجموعة بعد ساعات كتلا بشرية لا حراك فيها من شدة التعذيب. وأقسي تعذيب كان قد حلّ بالقائد العسكري الكبير اللواء محمود شيت خطاب، حيث أدخله علينا جنود أربعة يحملونه من يديه ورجليه ويلقونه علي الأرض وهو فاقد الوعي. وبعد مضي فترة علي هذا المنوال ولخطورة حالته اضطر حراس المعسكر لنقله الي أحد المراكز الطبية. وبعد أن بدت مؤشرات الاصابة بمختلف الأمراض تنعكس علي المحتجزين استقدمت لجنة طبية لتجري الفحص علي كل منا موصية بتعريض الجميع الي الهواء والشمس بين الحين والآخر. وهكذا أذنت مكرمة السجّان ليسمح لنا بالخروج الي الساحة المحيطة بالدار نصف ساعة ولمرة واحدة في الأسبوع !. وكان القلق القاتل مخيما، علي الدوام، نتيجة احتمال شن المقاومة الشعبية أو فصائل أخري هجوما مباغتا علينا في ظرف حالك لا أثر فيه للانضباط او القانون. فانبثقت عنا لجنة ضمت العسكريين وحدهم، ووضعت خطة للمقاومة والهروب ينفذها الجميع في حال وقوع الهجوم.البزاز يقترح حملة عمل شعبي لتنظيف الحماماتكان ضمن المحتجزين في معسكر الدبابات في أبو غريب أشخاص من تيارات سياسية ومهن مختلفة، من بينهم: عبد الرحمن البزاز ـ عميد كلية الحقوق وقتئذ، ومحمد محمود الصواف رئيس جماعة الاخوان المسلمين، والعقيد منير الجراح ـ قائد فرقة عسكرية، والشاعر القومي عدنان الراوي، الي جانب موظفين وطلبة وعمال وكسبة وجنود.. كنا حذرين من قيام أجهزة الأمن بادخال عناصرها الي المعتقل علي أساس كونهم من ضمن المحتجزين، بهدف التصنت علي ما يدور بيننا من أحاديث وأسرار. فلم نسأم، تبعا لذلك، من توجيه أسئلة واستفسارات لكل نزيل جديد حتي نطمئن علي وضعه. وذات يوم أدخل الي المعتقل شاب بسيط لا يتجاوز عمره العشرين عاما، فأدخلناه معمعة الاستفسارات حول نشاطه السياسي وأسباب اعتقاله، فأوضح أنه كان ضمن تظاهرة مؤيدة لعبد الكريم قاسم ويحمل احدي صوره الكبيرة، وحدث أن حاول آخرون أن ينزعوا الصورة منه لرفعها عاليا بدعوي قصر قامته، فنشب نزاع أدي الي تمزقها، فاتهم بالقيام بعمل عدائي وجيء به الي المعتقل!ومن أجل ازالة السأم عنا نظمنا منهاجا ثقافيا يتحدث فيه مرة كل أسبوع أحد كبار المثقفين المحتجزين علي شكل محاضرة في السياسة او الأدب او التاريخ، حيث كنا ننحشر للاستماع ومناقشة جوانبها، جالسين القرفصاء في أوسع غرفة من غرف الدار الخمس الصغيرة. قضينا أسابيع عدة دون أن نتمكن من الاغتسال، حيث لم يكن حمام الدار الصغير الشرقي الطراز مهيئا لاستيعابنا، بل اختارته ادارة المعتقل وكان موقعا لخزن الأثاث المستهلك كأغطية الأرض )الكنبار) والكراسي وسواها. ومع مضي أيام الصيف وتراكمات تصبب العرق من أجسامنا وجدنا أنفسنا عاجزين عن استمرار تحمل ما نحن فيه، فاقترح عبد الرحمن البزاز مشاركة الجميع في حملةلتنظيف غرفة الحمام وتهيئتها للاستخدام. وتم ذلك بعد أن أعلمنا ادارة المعتقل بحملة التنظيف تجنبا لاساءة فهمها وتفسيرها بشكل مغاير للقصد الصحي والانساني. وبعد مضي حوالي عشرة أسابيع علي هذا الوضع جري تحول نسبي في موقف قاسم تجاه الحزب الشيوعي، وهو المعروف بممارسة لعبة تأجيج التنافر بين القوي الداخليةللحفاظ علي زعامته . واستطعنا التعرف علي هذا التطور حين سُمح، في آخر أيام احتجازنا، بتلقي الطعام الذي تعده عوائلنا، دون أن يُسمح لها بالمقابلة او السلام علينا.عدنان الراوي يضعنا في أجواء الأحداثومع أن حراس المعسكر كانوا يوصلون الطعام منقوصا، الاّ أن عدنان الراوي تلقي جهاز راديو صغيرا (ترانزستر) هُـرّب اليه عن طريق وضعه في كيس داخل قدر من الرز!. وقد علمنا بهذه القصة حين كنا نجلس علي شكل حلقات في الغرفة الصغيرة ومعنا عدنان عند اذاعة نشرة الأخبار من محطة بغداد. فكان يتلو علينا النشرة الاخباريةوالتعليقات، مقطعا بعد مقطع، مستخدما في ذلك سلك الانصات بين أذنه وجهاز الراديو. وكان المشهد يتم بهدوء وحذر كل مرة كي لا يلاحظه حراس المعسكر، وبهذه الطريقة المغامرة أصبحنا قريبين مما يدور في العالم الخارجي، واطلعنا علي التغيير الذي بدأ يطرأ علي سياسة عبد الكريم قاسم تجاه الحزب الشيوعي. ثم بدأ اطلاق سراح المحتجزين بالتدريج ودون أي محاكمة، وتم اخلاء سبيلي من المعتقل في منتصف شهر حزيران )يونيو) 1959 بعد أن أمضيت فيه 95 يوما، وعدت الي عملي مدرسا معيدا في كلية التجارة والاقتصاد.لقاء مع حمدي عبد المجيد واياد سعيد ثابتفي يوم محاولة اغتيال عبدالكريم قاسميوم الأربعاء 7 تشرين الأول (اكتوبر) 1959 كنت مع الرفيق حمدي عبد المجيد(4) في داره بجانب الكرخ ببغداد للبحث في أمور حزبية، وفيما كنا نتجاذب أطراف الحديث داهمنا صوت طرق علي الباب، فذهب حمدي ليستطلع الأمر، ومكث فترة يتحدث مع الطارق بصوت منخفض لم أسمع منه شيئا. ثم جاء الاثنان الي الداخل واذا بالقادم اياد سعيد ثابت. جلس اياد بهدوء وسألني: هل سمعت يا فخري بمقتل الزعيم ؟ قلت : ومن يقوي علي ذلك هذه الأيام !. فأطلق اياد ضحكة طويلة، ثم دعاني الي مرافقته بسيارته لحظة اعتزامه التوجه الي الأعظمية وهي منطقة سكناي، قبل أن يتم فرض حظر التجوال. وانطلق اياد بالسيارة وانا الي جانبه حيث توجه في البدء الي منطقة الكرخ. وبعد فترة من المسير توقف ليخبرني بنيته التوجه الي عيادة الدكتور تحسين معلة، غير أنه عاد من دون العثور علي الدكتور تحسين متسائلا ان كنتُ أعرف مكان سكناه، فأجبت بالنفي. ثم انطلقنا الي منطقة الأعظمية عبر جسر الصرافية لنجد الشرطة وقد أحكمت سيطرتها علي منفذي الجسر بهدف التعرف علي هوية العابرين. طلب مني اياد أن أبرز للشرطة هويتي الجامعية ففعلت وسمحت الشرطة لنا بعبور الجسر. أثناء السير كان اياد أباح لي أن الرفيق عبد الوهاب الغريري قـُتـل أثناء عملية اطلاق النار علي عبد الكريم قاسم، عندها تيقنت من أن قيادة حزب البعث قامت بعملية قتل قاسم وان اياد كان ضمن المجموعة المنفذة او علي صلة بها، كما فهمتُ سبب بحثه عن الدكتور تحسين. وبعد لحظات من الصمت أدرك اياد أنه أخطأ بهذا التفوه فرجاني تجاهل تلك العبارة، وكان في حينه واثقا من مقتل عبد الكريم قاسم. وعندما وصلنا الي منطقة الكسرة الواقعة بين جسرالحديد وساحة عنتر بن شدّاد أمام النادي الأولمبي في الأعظمية رأينا تجمعات تقف في الشارع الرئيسي معربة عن سخطها لعملية الاغتيال ومطالبة بتصفية الخونة. فرجوت اياد تفادي هذه المنطقة تحاشيا من تعرف أحد الموجودين علينا فيتم وضع حد لحياتنا بعد أن شهد العراق لأول مرة في تاريخه سحل المعارضين في الشوارع حتي الموت. لكن اياد واصل السير بهدوء تام وببطء وسط تلك الكتل البشرية، فيما كانت أعصابي في غاية التوتر!بعد وصولي الي المنزل استأنف اياد السير في رحلة البحث عن الدكتور تحسين. ولم تمض سوي ساعات وجيزة حتي أفادت الأخبار الرسمية بتعرض قاسم لاصابات طفيفة فقط نتيجة العملية. ثم توالت الأيام ومعها تضاربت الاشاعات عمن يكون وراء محاولة اغتيال قاسم. وبعد أن تم تشخيص الفئة التي قامت بالمحاولة والقاء القبض علي اياد سعيد ثابت وحمدي عبد المجيد خشيت أن يجري القبض عليّ أيضا بسبب اجتماعي المنفرد مع حمدي في ساعات محاولة الاغتيال ومرافقتي لاياد بسيارته بعد ساعة من الحادث، ومرت الأيام والأسابيع وأنا علي هذه الحال من القلق الدائم.بالصدفة.. تحولت بعثتي الدراسيةمن الصين الشيوعية الي المانيا الغربيةبعد اطلاق سراحي من مركز الاحتجاز في ابو غريب في منتصف حزيران )يونيو) 1959 وعودتي الي وظيفتي مدرسا معيدا في كلية التجارة والاقتصاد كان سمح للتقدم بطلبات للحصول علي بعثة دراسية في الخارج، فسارعت لتقديم طلبي لدراسة الدكتوراه في التخطيط الاقتصادي حسب القائمة الرسمية للدراسات المعلنة. وقد وافقت اللجنة الرسمية علي طلبي من الناحية المبدئية، أما موافقتها النهائية فكانت متوقفة علينتائج المقابلة الشخصية. في تلك المقابلة واجهت وجوها لعناصر من الحزب الشيوعي أعرفها مسبقا، فبادرني رئيس اللجنة بالاستفسار عما اذا كنتُ موافقا علي دراسة التخطيط الاقتصادي في الصين! فأجبته بنعم دون تردد، حيث كان الأنسب لي قضاء أربع سنوات من عمري في الصين علي أن أقضيها ولربما لفترة أطول في أحد سجون العراق. انتهت المقابلة ونشرت أسماء الطلبة المقبولين لبعثات ذلك العام ومن بينها اسمي ومكان دراستي الصين. وكانت تلك هي الخطوة الأولي لقصة فريدة!. كنتُ في واقع الحال قبلتُ الدراسة في الصين رغبة مني في الابتعاد عما قد يقع عليّ من كوارث وما قد تجره علاقتي بحمدي عبد المجيد واياد سعيد ثابت من ملاحقة وتعذيب، وفي الوقت ذاته كنتُ مدركا الأسباب التي دفعت اللجنة لتحديد الصين مكانا لدراستي. فاللجنة الخاضعة لنفوذ الحزب الشيوعي في العراق اختارت بلدا ينتمي الي الفكر الشيوعي وربما تمنتْ لو يتم هناك اجراء غسيل دماغ لرفيق بعثي!، او أن اللجنة تمنتْ لو رفضتُ مكان الدراسة كي يُستخدم الأمر ذريعة لشطب اسمي من البعثة. بعد فترة وجيزة خطوتُ الخطوة الثانية، فقابلتُ رئيس اللجنة واقترحتُ عليه جعل مكان دراستي ألمانيا الشرقية بدلا من الصين، بحجة أن كلا البلدين ينتميان الي فكر واحد، وهناك فائدة لدراستي في ألمانيا الشرقية حيث اللغة الألمانية لغة متداولة عالميا علي عكس اللغة الصينية، فكان أن وافق رئيس اللجنة علي مقترحي وتم تحويل مكان دراستي الي ألمانيا الشرقية. بعد فترة خطوتُ الخطوة الثالثة وقابلتُ رئيس اللجنة مرة أخري لأوضح له أن توفير مقعد دراسي في جامعات ألمانيا الشرقية يتطلب وقتا طويلا غير محدد، فلماذا لا أذهب علي وجه السرعة الي ألمانيا الغربية لدراسة اللغة الألمانية لكسب الوقت ثم أنتقل الي ألمانيا الشرقية فور اشعاري بتوفير مقعد دراسي فيها. فاقتنع رئيس اللجنة بالمقترح وأعطي موافقته علي سفري الي ألمانيا الغربية لدراسة اللغة فقط ثم الانتقال الي ألمانيا الشرقية للحصول علي الدكتوراه في التخطيط الاقتصادي هناك.سافرتُ الي ألمانيا الغربية وأكملتُ فصلين لدراسة اللغة وبدأت بالخطوة الرابعة والأخيرة. قابلت أستاذا في الاقتصاد بجامعة كولونيا وشرحت له قصة بعثتي ورغبتي في الدراسة في جامعته، وسألته عما اذا كان بامكانه تأييد تناول دراستي التخطيط في ظل المذاهب الاقتصادية المختلفة وفي مقدمتها الماركسي والرأسمالي. وافق الأستاذمشكورا وأرفقت كتابه بطلب وجهته الي الوزارة المعنية في بغداد راجيا الموافقة علي دراستي في جامعة كولونيا. وفي ظل أجواء سياسية مواتية ـ حيث بدأ عبد الكريم قاسم بالحد من نفوذ الشيوعيين ـ حصلت الموافقة، وهكذا تحول مكان دراستي من بكين أولا الي كولونيا أخيرا.الانخراط في تنظيمات البعث بألمانيا في المانيا الغربية، انخرطت بتنظيمات الحزب التي كانت منتشرة كخلايا وفرق في مدن جامعية عديدة مثل كولونيا وبرلين وبون وآخن وميونيخ وغيرها. وكان التنظيم رصينا، ولأعضائه وأنصاره دور بارز ضمن الوسط الطلابي في المناسبات الوطنية والقومية.وبعد أحداث 8 شباط ( فبراير) 1963 في العراق، وعقبها بأسابيع قليلة في سورية، ومجيء البعث الي الحكم في البلدين، عقدت التنظيمات الحزبية مؤتمرا موسعا في مدينة برلين علي مستوي شعبة. وتم انتخابي ضمن قراراته لتمثيل الشعبة في المؤتمر القومي للحزب الذي كان قد تحدد مكان انعقاده في بيروت كما جاء بكتاب الدعوة الموجهة من قبل القيادة القومية الي شعبة ألمانيا.سافرت في الموعد المحدد الي بيروت، الاّ أن المؤتمر تعرض الي تأجيل مستمر، عندها لمست من الرفاق وجود أسباب ترجع الي استمرار المناورات الجارية خلف الكواليس بين القياديين. فضقت ذرعا من الانتظار وقررت السفر الي بغداد في محاولة للاهتداء الي الأسباب الحقيقية، لكني لم أفلح فقررت العودة الي ألمانيا واعلام قيادة الشعبة بالأمر.عضو في اسفل السلم الحزبيفي أواسط عام 1964 عدتُ الي بغداد بعد حصولي علي شهادة الدكتوراه من جامعة كولونيا وجري تعييني رئيس ملاحظين في وزارة الاقتصاد براتب شهري قدره 50 دينارا، ما يفي بحياة معيشية متقشفة.في هذه الفترة عدتُ للانخراط في النشاط الحزبي علي نطاق محدود، حيث لمست علي الساحة تيارا مضادا يحمل هوية حزب البعث ذاتها ومتعاونا مع البعث في سورية، وما بين التيارين خلاف يصل الي حد الاتهام بالخيانة.وبعد أحداث تموز)يوليو) 1968 وتعييني وزيرا للاقتصاد، قرر الحزب تشكيل خلية حزبية تضم مجموعة من الرفاق الوزراء كنتُ أنا والدكتور جواد هاشم وزير التخطيط وعدنان أيوب صبري وزير دولة من بينهم. وكانت الخلية تعقد اجتماعاتها بصورة منتظمة في حين اختار الحزب رفيقا موظفا بدرجة بسيطة مسؤولا عنها ومديرا لجلساتها.وأثناء عملي، فيما بعد، رئيسا لمكتب الشؤون الاقتصادية لمجلس قيادة الثورة ومحافظا للبنك المركزي العراقي كـُلـفـت من قبل القيادة كي أكون ضمن الطاقم التدريسي في جامعة البكر للدراسات العسكرية العليا في بغداد في أواسط السبعينات، وكان جميع طلبة الجامعة من العسكريين فقط، فيما كانت محاضراتي تنصب في مجال العلوم الاقتصادية.كما جري تكليفي بالقاء محاضرات اقتصادية في مدرسة الاعداد الحزبي، وهي المدرسة التي يجري فيها تعميق وتوسيع ثقافة الأعضاء وتجري الامتحانات لهم كمعيار اضافي لصعودهم الي درجات حزبية أعلي.وكنتُ أمارس هاتين المهمتين فيما استمر وضعي بدرجة رفيق في أسفل السلم الحزبي.وخلال فترة اعارة خدماتي، أمينا عاما لمجلس الوحدة الاقتصادية العربي 1978 ـ 1983 كنت ملتحقا بحلقة حزبية في العاصمة الأردنية عمان كان الملحق العسكري العراقي مسؤولا عنها ومديرا لاجتماعاتها في السفارة العراقية. وفي تلك الفترة كنتُ مكلفا بالقاء محاضرات في المجال الاقتصادي علي الفرق الحزبية في الأردن.هوامش:(1) ولد فؤاد أحمد الركابي في مدينة الناصرية في جنوب العراق عام 1931 من عائلة متوسطة الحال. عضو قيادة تنظيم الحزب في العراق ثم أصبح أمين سر القيادة، وعضوا في القيادة القومية للحزب.(2 ) ضمن الأحاديث المسجلة في أواسط السبعينات لدي لجنة تاريخ الحزب عن الفترة التي سبقت عقد المؤتمر القطري ما ذكره الدكتور عبد الرحمن منيف من أن خروج الرفاق من القيادة والتبدلات الكثيرة التي كانت تحدث يومذاك كانت بقرار من فؤاد الركابي أكثر منها قرارات جماعية ـ جريدة الثورة (العدد الصادر في بغداد بتاريخ العشرين من كانون الاول (ديسمبر) 1993) وحول بدايات تكوين الحزب يقول الدكتور تحسين معلة .. جاءنا أمر من فؤاد الركابي وقال حينها انه من القيادة القومية لتشكيل قيادة قطرية، وربما هو من فؤاد وليس من القيادة القومية .. ـ حوار أجرته صحيفة الصباح مع الدكتور معلة ونشرته في عددها الصادر ببغداد في 3 نيسان (ابريل) 2004. (3) المقاومة الشعبية تنظيمات شبه عسكرية أنشأها الحزب الشيوعي، وضمت أعضاء منه ومناصرين وكانت تحكمت بشؤون الأمن في البلاد وبالشارع العراقي مقدمة الدعم لنظام عبد الكريم قاسم وملاحقة المعارضين باستخدامها مختلف أساليب العنف، واستمر الأمر علي هذا المنوال حتي انقلب قاسم عليها ووضع حدا لتصرفاتها.واللافت أن حزب البعث أنشأ هو الآخر تنظيمات مشابهة اسماها الحرس القومي مارست أساليب مماثلة عشية توليه السلطة عام 1963 عقب الاطاحة بنظام قاسم.(4) حمدي عبد المجيد أحد الشخصيات البارزة في حزب البعث وأصبح ما بين 1962ـ 1963 عضوا في القيادة القطرية، وعضوا في المجلس الوطني لقيادة الثورة 1963 وفي القيادة القومية ما بين 1963 ـ 1964 وأمين سر القيادة القطرية ووزيرا للعمل والشؤون الاجتماعية لفترة قصيرة في عام 196.7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية