هكذا عرفت البكر وصدام: رحلة 35 عاما في حزب البعث (3)

حجم الخط
0

هكذا عرفت البكر وصدام: رحلة 35 عاما في حزب البعث (3)

قرارات الثنائي البكر ـ وصدام كانت الفيصل وعبد الخالق السامرائي قاطع الجلسات ودفع حياته ثمنا لمعارضتهالبكر كان بسيطا يحب الغناء الريفي وانشغل بالجزئيات تاركا العنان لنائبه الذي رأي في جرأته ضمانا للسلطةهكذا عرفت البكر وصدام: رحلة 35 عاما في حزب البعث (3)اعدها: هارون محمدلماذا انتميت للحزب ثم خرجت منه كنتُ وما أزال مقتنعا أن الوحدة والحرية والاشتراكية أهداف سليمة بحد ذاتها وجدت في نفوس الشباب في فترة الأربعينات والخمسينات علي وجه الخصوص تجاوبا واسعا وأملا كبيرا، وكانت أدبيات الحزب التي تضع الحضارات المنبثقة في بقاع الوطن العربي علي مدي مئات القرون في إطار قومي تاريخي واحد تستهوي النفوس وتبعث فيهم الفخر والثقة. الوحدة العربية كانت وما تزال الهدف المشترك الأكبر لعموم العرب اينما كانوا، رغم تحولها، بعد الانتكاسات العديدة، من هدف الي أمنية، فهي قوة العرب والإطار الذي يجدد شخصيتهم ويعزز كرامتهم. والحرية بأبعادها وممارساتها ترجمة لطبيعة الإنسان وضرورة لتحقيق الذات. وإذا كانت الحرية في التطبيق علي مدي تاريخ البشرية محكومة بالنسبية، فإن الأمة العربية في تاريخها الحديث تفتقر الي الحد الأدني من مدياتها الدنيا. وهدف الاشتراكية الإنسان ذاته والمجتمع الزاهر بخيراته المتنعم بتضامن أفراده، فهي مسار يجنب المجتمع ما تحمله الرأسمالية والماركسية من سلبيات ويلتقي معهما في جوانب إيجابية.تلك هي الطروحات والأهداف التي آمنت بها، وانخرطت من أجلها في الحزب منذ عام 1948، وحين ألقي اليوم نظرة علي فترة تزيد علي نصف قرن من الزمن أجد الطروحات وقد شُوهت والأهداف قـُوضت، وعلي الطريق الطويل نفوسا أزهقت وعوائل شُتتت.لقد أصبحت الفردية وحب السلطة والتسلط معايير أساسية في القرارات السياسية والحزبية والبديل للمعايير الوطنية والقومية، فضُربت الخطوات المؤدية الي الوحدة العربية، وذبحت الحرية في داخل الحزب وخارجه، ونـُخـرت الاشتراكية ودُفعت نحو اليمين تارة ونحو اليسار تارة أخري وغُرست في جسمها طفيليات المتنفذين ومصالح الحاشية.وكانت الفترة ما بين تأسيس الحزب في العراق أواخر الاربعينات وحتي نهاية الخمسينات فترة نضال قاسية ساهمتُ فيها حزبيا بقوة عدا فترة انقطاعي عن الحزب بسبب الدراسة في الخارج بين منتصف 1956 ومنتصف 1958 وخلال الفترة من 1959 الي 1964 كنتُ منخرطا في قيادة التنظيم ـ شعبة المانيا الغربية ـ حيث بدأت تتجمع لدي الشكوك حول قدرة الحزب علي شق الطريق السليم ومجابهة التحديات، ذلك ان فترة النضال صعبة، لكن مهمة الحكم أصعب بكثير.وقد اكتشفت خلال سفري الي بيروت عام 1963لتمثيل شعبة المانيا في المؤتمر القومي للحزب المناورات والتكتلات التي يحيكها رفاق قياديون وراء الكواليس ليل نهار في حين لم يدم تولي الحزب الحكم في العراق عام 1963 غير تسعة شهور، حيث مورس العنف ودب التطاحن البيني ووقع الانهيار، وحل كل هذا بعد انهيار الوحدة بين سورية ومصر عام 1961بعد تجربة لم تدم أكثر من ثلاث سنوات، ولم يكن قياديو الحزب أحسنوا التصرف.عندما زارني علي صالح السعديوحمدي عبد المجيد في المانيا خلسة أثناء وجودي في المانيا للدراسة نهاية 1963 وفي احدي الليالي سمعت طرقا علي باب شقتي في مدينة كولونيا وكان الوقت ليلا، وإذا بي وجها لوجه أمام عضوي القيادتين القومية والقطرية علي صالح السعدي وحمدي عبد المجيد وكان قد دلـّهـمـا عليّ رفيق في السفارة العراقية بمدينة بون العاصمة آنذاك.كانت دهشتي كبيرة لهذه المفاجأة، إذ كنتُ في الواقع علمت من الأخبار قبل أيام من الحدث أن تحولا وقع في العراق يوم 11تشرين الثاني )نوفمبر) 1963 وأن علي صالح السعدي أخرج من منصبه كنائب لرئيس الوزراء وأبعد مع رفيقه حمدي عبد المجيد بطائرة الي العاصمة الاسبانية مدريد، لكنني لم أكن أتوقع أن يغادر السعدي ورفيقه عبد المجيد مدريد خلسة الي بون ثم الي كولونيا.قدمت لهما الشاي والمرطبات، فيما أخرج السعدي زجاجة ويسكي من خزانتي كنتُ تسلمتها هدية من زميل ألماني. كان عبد المجيد قليل الكلام محاولا التعبير عن هدوئه فيما كان ألم الأحداث بين علي وجهه. وتحدث السعدي طويلا حول تطور الأوضاع في العراق وأمله باستعادة الخط الثوري داخل الحزب والدولة، وعودة الأمور الي نصابها، وكان هادئ الأعصاب نسبيا، يضحك ويداعب أثناء الحديث، ويتململ بين الحين والآخر بسبب مضايقة )المسدس) الذي كان يحمله علي جنبه. وحين سألته كم من الوقت سيمضي في المانيا أجاب انها فترة وجيزة. وحين انتهي السعدي من تناول قنينة المشروب كاملة وحده، كان أفرغ ما في قلبه من حديث ليودعني وزميله عبد المجيد بعد منتصف الليل. العودة الي بغداد بعد الحصول علي الدكتوراه وعقب استكمالي دراسة الدكتوراه والعودة الي بغداد في منتصف 1964 أصبحت صلتي بالحزب ضعيفة نتيجة ما اصابني من ردود فعل بسبب الأحداث المريرة علي الساحتين العراقية والعربية التي كان للحزب يد فيها.كانت الفترة بين 1968 ـ 1983مليئة بالتجربة والنفاذ الي الأعماق مما أدي الي شعوري بالرضي في أن يكون وضعي الحزبي كرفيق في خلية بأسفل السلم التنظيمي طيلة تلك الفترة. إلاّ أن المهمات الرسمية العالية التي كـُلـفـتُ بها واتصالي المباشر مع أعلي القياديين في الحزب والدولة وفر لي فرصة أوسع وأعمق لتقييم الأمور والسلوك. فإلي جانب ما في ذلك من جوانب إيجابية هامة كانت هناك ذهنيات وممارسات سلبية حـلـّت علي الأفراد والمجتمع والدولة، ولم أنج شخصيا ـ وأنا الرفيق ـ من شرور بعض الرفاق! كانت السنوات الأولي من الثمانينات أصعب فترة مررت بها ـ حين كنت أمينا عاما لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية في عمان ـ حيث وجهتْ اليّ أصابع الاتهام بالوقوف ضد النظام، ذلك الاتهام الذي يؤدي الي قطع الرؤوس، لكني نجوتُ بخروجي من العراق بعد محاولة منعي من السفر، فانغلق أمامي باب العودة اليه، كما انغلقت أمامي أبواب الأردن ومصر لأسباب سياسية.في منتصف عام 1983 تركتُ أرض العروبة وتوجهت الي ألمانيا للسكن فيها، وتركتُ الحزب تنظيما ولم يترك كولونيا وبرلين وبون وآخن وميونيخ وغيرها. وكان التنظيم رصينا، ولأعضائه وأنصاره دور بارز ضمن الوسط الطلابي في المناسبات الوطنية والقومية.وبعد أحداث 8 شباط (فبراير) 1963 في العراق، وعقبها بأسابيع قليلة في سورية، ومجيء البعث الي الحكم في البلدين، عقدت التنظيمات الحزبية مؤتمرا موسعا في مدينة برلين علي مستوي شعبة. وتم انتخابي ضمن قراراته لتمثيل الشعبة في المؤتمر القومي للحزب الذي كان قد تحدد مكان انعقاده في بيروت كما جاء بكتاب الدعوة الموجهة من قبل القيادة القومية الي شعبة ألمانيا.سافرت في الموعد المحدد الي بيروت، إلاّ أن المؤتمر تعرض الي تأجيل مستمر، عندها لمست من الرفاق وجود أسباب ترجع الي استمرار المناورات الجارية خلف الكواليس بين القياديين. فضقت ذرعا من الانتظار وقررت السفر الي بغداد في محاولة للاهتداء الي الأسباب الحقيقية، لكني لم أفلح فقررت العودة الي ألمانيا وإعلام قيادة الشعبة بالأمر.اللقاء الاول مع احمد حسن البكرفي أوائل شهر تموز (يوليو) 1968 اتصل الدكتور محمد المشاط (1) وأعلمني بموعد لمقابلة أحمد حسن البكر في داره الواقعة في حي علي الصالح بمنطقة الكرخ من بغداد (2) وكانت تلك أول فرصة لي للتعرف علي البكر شخصيا، بعد أن سمعتُ عنه الكثير من بعض الرفاق. لمّح لي المشاط أن هذه المقابلة تدخل في نطاق التحضيرات لمجيء الحزب الي الحكم، لكن التلميح لم يكن مفاجأة لي فقد باح لي ابن عمي شفيق الكمالي بالأمر قبل فترة من هذا اللقاء.استقبلنا البكر بسرور وتواضع، وكان مرتديا ملابس صيفية بسيطة، ثم أجلسنا في غرفة الاستقبال، وكانت داره المعروفة لدي الكثيرين متواضعه البناء والتأثيث.كان هدف البكر التعرف عليّ شخصيا بعد ان قـُدّم له اسمي كرفيق مرشح لوزارة الاقتصاد في حال مجيء البعث الي السلطة، وكذلك التعرف علي آرائي في السياسة الاقتصادية والتجارية للبلاد. وكانت أسئلته، التي أخذت معظم وقت اللقاء، تنتقل من قطاع الي قطاع ومن تصور الي آخر. ومن حسن الحظ أنني كنتُ اكتسبت معرفة واسعة وتجربة غنية من خلال اشتغالي في وزارة الاقتصاد منذ عام 1964، حيث كنتُ أعمل فيها مديرا للتجارة الداخلية، ومديرا للعلاقات التجارية الخارجية وكالة بين الحين والآخر، ورئيسا للجنة حماية الصناعة الوطنية، الي جانب تمثيلي لوزارة الاقتصاد في العديد من الهيئات واللجان. وفي آخر اللقاء ودعني البكر عند باب داره وتمني لي كل الخير دون أن يفصح عن شيء محدد.وفي يوم 17 تموز( يوليو) 1968 حدث الانقلاب وأصبح البكر رئيسا للجمهورية ورئيسا لمجلس قيادة الثورة، واعلنت تشكيلتا مجلس قيادة الثورة والحكومة الجديدة، وكانت الاخيرة برئاسة عبد الرزاق النايف، وقد عبر لي شفيق الكمالي في أكثر من لقاء، عن عدم ارتياح الحزب لتشكيلة الحكومة التي تمخضت عن عملية الانقلاب هذه، وانه شخصيا يتوقع ترتيبا آخر في القريب، وكان الدكتور عبد الله النقشبندي وزيرا للاقتصاد في الحكومة الجديدة، وكنتُ آنذاك مديرا للتجارة الداخلية في الوزارة ذاتها، فذهبت اليه في اليوم التالي وقدمت له التهنئة.تعييني وزيرا للاقتصاد في حكومة 30 تموز(يوليو) لم تمرفترة أسبوعين حتي قامت عملية الانقلاب الثانية، حيث أعلن البكر يوم 30 تموز( يوليو) 1968 عن إقالة عبد الرزاق النايف رئيس الوزراء وإبراهيم الداوود (3) وزير الدفاع من منصبيهما، وبذلك يكون حزب البعث قد أمسك بزمام السلطة كلها من دون منافس، وفي ساعة متأخرة من مساء اليوم التالي أذيع من راديو وتلفزيون بغداد المرسوم الجمهوري بتشكيلة مجلس الوزراء الجديدة، حيث جري تعييني وزيرا للاقتصاد.كان شفيق الكمالي قد أخبرني هاتفيا بالأمر قبل اذاعته بنحو نصف ساعة مقدما التهنئة وطالبا مني متابعة الاستماع الي إذاعة بغداد، فيما لاحظتُ زوجتي غاصة ببكاء يجمع بين الفرحة والشعور بالقلق.في صباح اليوم التالي، أي الأول من آب (أغسطس) كانت السيارة الحكومية ( اقتصاد 1 ) واقفة امام داري في الأعظمية ببغداد لنقلي الي القصر الجمهوري لأداء اليمين أولا حسب الأعراف. وفيما كنتُ أرتب أوراقي ومحفظتي لاحظت أن شرطيين إثنين أخذا موقعيهما أمام الدار للحراسة الدائمة ليل نهار.جلستُ في السيارة وطلبتُ من السائق التوقف عند مكانين قبل التوجه الي القصر الجمهوري. توقفتُ اولا عند مكتب للبناء وطلبتُ من صاحبه التوجه الي داري فورا لتحويل الجراج الملحق بها الي غرفة مناسبة لسكن الشرطيين الحارسين وبناء ما يلزم لهما من مرافق في حديقة الدار. وسألني أين ستركن سيارتك الشخصية ليلا؟ أجبته: في العراء فليس عندي خيار. انطلقت السيارة مرة أخري وتوقفت ثانية عند محل للأثاث، وقمتُ باختيار أثاث جاهز وطلبتُ نقله الي داري فورا لسد ما لدي من نقص في غرفة الاستقبال والجلوس تحسبا لاستقبال الزوار والضيوف. فقد كانت داري آنذاك ـ الواقعة خلف المقبرة الملكية في الأعظمية ـ تضم غرفا ضيقة وبعض الأثاث البسيط للغاية.بعد إتمام هاتين المسألتين (الملحّـتـيـن) طلبتُ من السائق التوجه الي القصر الجمهوري حيث دخلته لأول مرة. وجدته قصرا محكم البناء بهندسة رائعة، دخل فيه الأثاث الراقي والإنارة الجميلة. وبعد فترة استراحة وتعارف في صالة كبيرة قام الوزراء بالتتابع بأداء اليمين أمام رئيس الجمهورية. بعدها توجهتُ الي وزارة الاقتصاد.في اليوم التالي عقدتُ اجتماعا مع جميع رؤساء المؤسسات والمديريات العامة التابعة للوزارة. كان هدفي تطمين هؤلاء والتأكيد ان ليس هناك معيار غير الكفاءة والإخلاص في العمل والالتزام بالخط الاشتراكي للدولة دون النظر الي اي اعتبار آخر. وجاء تأكيدي هذا بعد أن لمستُ قلقا يسود كبار الموظفين حول مستقبلهم، فيما كانت الضغوط بدأت تنهال عليّ لإحالة بعضهم علي التقاعد الفوري. وتحركت هذه الضغوط بشدة من قواعد الحزب وعكستها ملاحظات البكر أمامي في مناسبات عديدة لاحقة. البكر حذر وبسيط ومظلة للحزب تعرفت علي البكر شخصيا قبل فترة قصيرة من أحداث تموز (يوليو) 1968 كما سبق الحديث، وكان الرجل علي علم دقيق بمسيرتي الرفاقية منذ فترة تأسيس الحزب في أواخر الأربعينات حتي تاريخ الأحداث الأخيرة في تموز (يوليو). ولم يكن البكر في البدء، مرتاحا، علي ما يبدو من صلتي الحزبية الضعيفة في الفترة التي أعقبت رجوعي الي بغداد عام 1964 بعد حصولي علي الدكتوراه. ولكن نظرته تغيرت تماما مع مرور الأيام وأصبحتُ محل تقديره وثقته الكاملة. وبات البكر وطيلة الفترة التالية وحتي تاريخ استقالته من مناصبه عام 1979 الحامي لي والمدافع عني في أوقات الأزمات والمكائد التي نصبت لي من هذا او ذاك.البكر شخصية تفرض احترامها علي من يلتقي به، بسيط في ملبسه، متواضع في لقائه، هادئ الحديث عموما، لا يغضب إلاّ نادرا مع الأخذ بنظر الاعتبار إصابته بالسكري، لم يكن يرتدي ملابسه العسكرية إلاّ في مناسبات ضيقة تقتضيها الضرورة علي الرغم من كونه القائد العام للقوات المسلحة، ولم أشاهده يحمل مسدسا في يده إلاّ في الأيام الأولي بعد أحداث تموز (يوليو) مباشرة عندما كان يهم بمغادرة مكتبه في القصر الجمهوري سائرا في ممراته الي الباب الخارجي حيث كانت سيارته بالانتظار.كان البكر حساسا ويتألم كثيرا من وقوع أي تجاوز ويعبر عن فرحته لكل ما يسر، يطرب للغناء العراقي الريفي والبدوي ويأنس للنكات، لم يكن متعاليا علي أحد ويلبي طلبات مقابلته علي الفور، يتجاوب بسرعة مع الأمور المتعلقة بإنصاف المتظلمين ومساعدة العوائل المستغيثة، يلاحق المسائل العوجاء إن وقعت صدفة بين يديه مهما صغر شأنها ويتابع التحقيق بنفسه. تلك هي طبيعة أحمد حسن البكر التي جعلته مرهقا طوال الوقت وإن حاول إخفاء ذلك عن الآخرين.كان البكر محل احترام وتقدير كبيرين من قواعد الحزب عموما التي اعتبرته صمام الأمان بين التيارات الداخلية.انطباعي عن البكر، من خلال صلتي المباشرة معه منذ مجيء البعث الي السلطة عام 1968 وحتي عام استقالته 1979 أنه رغم كونه الرجل الأول في الحزب والدولة فان الحذر الشديد يسيطرعلي سلوكه تجاه المسائل الهامة، ويتجنب المجازفة، وينشغل بالجزئيات كثيرا علي حساب الرؤية الإستراتيجية الأمر الذي مـكـّن صدام حسين من التحرك الأرحب لفرض شخصيته وقيادته مع مرور الوقت.رغم ان الكثير من أعضاء مجلس قيادة الثورة والمقربين منه كانوا يلاحظون توجه صدام حسين للانفراد بالسلطة والابتعاد عن الروح الجماعية بالتدريج، لم يتبين للبكر دور واضح في صد هذا التوجه الخطير الذي قلب، في آخر المطاف المعايير الحزبية رأسا علي عقب وأدخل البلاد في عصر المحن والمشاكل. هذا التساؤل مشروع، والإجابة عليه بصورة قاطعة صعبة وإن جرت طروحات عديدة لتفسير ذلك. ومن الجائز جدا ان يكون البكر بوفاته دفن معه الجواب القاطع عن ذلك وأسراره، وربما تكون تلك مسؤوليته الكبري.انشغال البكر بالمسائل الجزئية كانت التشريعات السائدة تفرض صدور مراسيم جمهورية بالعديد من المسائل الروتينية الصغري. فترفيع مدير عام مثلا الي راتب معين، حسب الأصول ليس من صلاحية الوزير المختص، والموافقة علي حمل وسام ليست من صلاحية وزير الخارجية، وتعيين مدير ناحية ليس من صلاحية وزير الداخلية، حيث كانت هذه الحالات وغيرها من عشرات الحالات الأقل أهمية تتطلب موافقة رئيس الجمهورية وصدور مراسيم موقعة من قبله.وعلي صعيد آخر كان مجلس قيادة الثورة يمثل السلطة التشريعية في البلاد. إلا أن رئيس المجلس كان يعالج أيضا مسائل صغيرة عدة ويوقع القرارات بشأنها باسم المجلس استثناء من القوانين او تعديلا لها. ومن بينها علي سبيل المثال: احتساب لغرض العلاوة والترفيع والتقاعد مدة معينة قضاها خارج الخدمة أحد الرزامين في وزارة البلديات، وتحويل مدير الشؤون القانونية في وزارة التربية كاتب عدل، وزيادة راتب رئيس منطقة زراعية الي 100 دينار شهريا، وإضافة وظيفة نظاراتي فني براتب 22 ـ 95 دينارا شهريا الي جدول الوظائف الطبية والصحية (4).وهكذا كان البكرـ بصفته رئيس الجمهورية ورئيس مجلس قيادة الثورة ـ مشغولا علي الدوام بمثل هذه المسائل، الأمر الذي حجب عنه راحته وانصرافه الكامل لسياسة البلد العامة. كانت هذه القضايا وغيرها ترسل بحقيبة حين يغادر البكر مكتبه مساء حيث ينظر فيها في داره. وأتذكر أنني كنتُ أتحدث مع البكر في مكتبه ذات مرة ودخل يحيي ياسين ـ رئيس ديوان رئاسة الجمهورية ـ فبادره البكر مستغربا: لم أجد أمس حقيبة الملفات في الدار؟. فرد عليه يحيي: وجدتك يا سيدي متعبا فلم أرسلها، وما أردت إرهاقك أكثر!. فسكت البكر قليلا ثم واصل الحديث معي.كان هذا الوضع نابعا من تمركز السلطة العليا للبلاد بيد مجلس قيادة الثورة، وخاصة في الجانب التشريعي، حسب دستور مؤقت صاغه المجلس نفسه (5). كما كان الوضع نابعا أيضا من القوانين والأنظمة الموروثة التي أبقت علي النظرة المركزية الشديدة في إدارة الدولة.واذا كانت جذور المركزية الإدارية تمتد الي عهد الانتداب وسيطرة المستشارين الانكليز علي مفاصل ادارة الدولة حين كانت بسيطة وصغيرة، فان العهود التي تلت خلال العقود العديدة لم تتخلص من هذه المركزية ولم تأخذ بعين الاعتبار توسع مؤسسات الدولة والتطور الإداري في العصر الحديث.بين البكر وصدام ـ قيادة تقود القيادة أروي هنا بعض ما كنتُ شاهدا عليه من منطلق الكفاية لعرض الحال :في قاعة اجتماعات مجلس قيادة الثورة بالقصر الجمهوري طاولات ثـُبـتـت علي شكل مستطيل خُصصت جوانب ثلاثة منها لجلوس أعضاء المجلس ومن يدعون الي الاجتماع أحيانا فيما كان جانب المقدمة مخصصا لجلوس اثنين فقط هما أحمد حسن البكر ـ رئيس المجلس ـ وعلي يمينه نائبه صدام حسين .كنتُ ألاحظ ـ حين دعوتي الي الاجتماع أحيانا ـ أن المجتمعين يأخذون وقتا رحبا في المناقشة، ثم يستأذن صدام البكر للكلام ويطرح ثمرة المناقشة التي تحظي بالقبول. وتكررت هذه الصورة أمامي التي تعطي الانطباع بأن البكر لم يكن في مستوي مقدرة صدام في مجال المبادرة بالرأي واستخراج الموقف المقبول والحجة المقنعة.وهذه الحال جعلت البكر يشعر مع مرور الأيام والسنين، أنه أقل حظا من صدام في هذه القدرة، وأن صدام صاحب رأي يصعب دحضه.كما أن الأحداث الشديدة منذ عام 1958 وحتي ذلك التاريخ، وعلي وجه الخصوص مشاركة صدام في محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم عام 1959 ودوره الحاسم في إبعاد محور (النايف- الداوود) في تموز (يوليو) 1968 جعلت البكر يشعر أن صدام ـ بجرأته وروح المجازفة ـ يشكل أحد الضمانات الرئيسية لاستمرار سيطرة الحزب علي الحكم، وبالتالي ضمان بقاء البكر نفسه في رئاسة السلطة، وإن كانت رئاسته، من حيث الجوهر، أقل مما يتمتع به صدام من قدرة علي حسم المواقف.ولا شك ان صلة القرابة العائلية بينهما جعلت البكر يتعامل مع صدام بنظرة هي مزيج من الاطمئنان من ناحية والتردد في صد سلوكيته الفردية من ناحية اخري.عندما قال لي البكر: يعيش يعيشفي عام 1976 طلبتُ من البكر مقابلته لقضية معينة، وكنتُ في تلك الفترة رئيس مكتب الشؤون الاقتصادية لمجلس قيادة الثورة. وكانت القضية حساسة لتعلقها بموقع أحد الوزراء الذي كان عضوا بارزا في كل من مجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية، وكان الحديث من قبلي بشأنها يشكل نوعا من المجازفة. لكني اعتمدت علي الثقة الكبيرة التي منحني البكر إياها عبر السنوات العديدة الماضية والتي سمحت لي بعرض أي موضوع عليه. حدثتُ البكرعن خطورة بقاء ذلك الوزير علي رأس تلك الوزارة، بسبب ممارساته التي ستجر خطة التنمية في البلاد الي مزالق كبيرة، نتيجة عدم تقيده بالأطر المقررة للإنفاق العام. وضربت له الأمثلة، واختتمتُ حديثي باقتراح توليه وزارة أخري قليلة التأثيرعلي الانفاق. وما أن انتهيتُ من آخر كلمة حتي بادرني البكرقائلا: تعيش.. تعيش علي هذا الرأي !. أنت توصلت الي ما أنا مقتنع به. إذهب يا دكتور الي صدام الآن وحدثه بهذا الرأي !.دُهشتُ من هذا الطلب، ووقعتُ في حيرة. لماذا أذهب الي صدام لنقل رأي وقد نقلته توا الي البكر نفسه ؟. هل كان البكر مترددا في بحث الاقتراح مع صدام، أم أن البكر كان بحاجة الي عون لإسناد نظرته في هذا الموضوع ؟.ومهما يكن من أمر فان طلب البكر يؤشر ما آل اليه الدور الحقيقي المتبادل بينه وبين صدام في حسم الأمور. في اليوم ذاته اضطررت لمقابلة صدام وعرضتُ عليه رأيي ومقترحي حسب طلب البكر. وكان صدام يستمع طول الوقت، وانتهت المقابلة دون أن يفصح صدام عن أي شيء. في نهاية المطاف بقي الوزيرعلي رأس تلك الوزارة سنوات عديدة لاحقة، وفيما استقال البكر من مناصبه بعد أعوام تقدم ذلك الوزير ليحتل موقع الساعد الأيمن لصدام. كان معروفا اعتياد مجلس قيادة الثورة علي عقد اجتماعات مطولة، مرهقة في الغالب، متوترة للغاية في بعض الأحيان. وصار الاتفاق منذ البداية معقودا علي تخويل رئيس المجلس ـ البكر ـ بالبت في الأمور الروتينية او غير الأساسية واستصدار قرار بشأنها باسم المجلس. ويعود السبب الي أن معالجة حالات فرعية كثيرة تتطلب استثناءات من القوانين، حيث للمجلس وحده الصلاحية التشريعية في البلاد.من الناحية العملية لم يكن البكر وحده متمتعا بهذه الميزة. فإن وقعت بين يدي صدام قضية فرعية، جرت العادة أن يطلب صدام من البكر إصدار قرار لمعالجتها باسم المجلس، ويتم الأمر بهذه الصورة.إضافة الي ذلك كان هناك تفاهم بين أعضاء المجلس مفاده: إن ما يتفق البكر وصدام سويا علي صيغة لمعالجة قضية ذات طبيعة أهم من تلك الحالات، فبالإمكان أيضا اصدار قرار بشأنها باسم المجلس دون الحاجة الي طرحها عليه.من الناحية المبدئية تبقي هذه الصلاحيات سليمة إن ظلت الممارسة في حدود الغاية التي وضعت من أجلها. إلاّ أن الممارسة الفعلية تجاوزت تلك الحدود في حالات كثيرة متصاعدة مع مرور الوقت. وقول صدام في مناسبات مفتوحة إن في داخل مجلس قيادة الثورة ( قيادة) يعكس الواقع بوضوح لا شك فيه. وعبّر بعض أعضاء المجلس عن عدم ارتياحهم لهذا التطور، بل دفع عبد الخالق السامرائي (6) ـ عضو المجلس وعضو القيادتين القومية والقطرية ـ لمقاطعة جلسات مجلس قيادة الثورة فترة طويلة احتجاجا علي الممارسة غير الديموقراطية داخل المجلس، وكان السامرائي معروفا بمواقفه الجريئة وصراحته المنقطعة النظير والتزامه الثابت بقواعد العمل، مما غدا ـ بنظر صدام ـ عنصر عدم ارتياح حتي دفع السامرائي في آخر المطاف، حياته ثمنا لذلك عام 1979. الهوامش (1) الدكتور محمد المشاط رفيق من الكادر المتقدم لحزب البعث، أستاذ جامعي. شغل مناصب وزارية ودبلوماسية في الدولة عقب تموز (يوليو) 1968 كان آخرها سفير العراق في واشنطن 1989 ـ 1991، ووصل احتكاكه مع صدام الذروة أثناء حرب الخليج الثانية فاستقال من منصبه في آذار ( مارس) 1991 ورفض العودة الي بغداد وبقي مقيما في الخارج منذ ذلك التاريخ.(2) ولد أحمد حسن البكر في تكريت عام 1914. دخل الكلية العسكرية عام 1938. تدرج في الرتب العسكرية وصولا الي رتبة عقيد عام 1958. تولي منصب رئيس الوزراء إثر انقلاب شباط (فبراير) 1963. عُـيّـن نائبا لرئيس الجمهورية إثر انقلاب تشرين الثاني (نوفمبر) 1963 واستقال من منصبه بعد فترة قصيرة. جري اعتقاله في أيلول (سبتمبر) 1964 بتهمة التآمر علي نظام الحكم. يعتبر الشخصية العسكرية الأولي في حزب البعث ويتمتع باحترام كبير وثقة تامة من قبل البعثيين كافة، أمين سر القيادة القطرية وعضو القيادة القومية، تولي منصب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس قيادة الثورة في آن واحد عقب 17 و30 تموز (يوليو) 1968. كان برتبة مهيب ركن حين استقال من جميع مناصبه في 16 تموز (يوليو) 1979، وبذلك انفتح الطريق أمام تولي صدام حسين تلك المناصب. وقد جعلته النكبات العائلية التي ألمت به، وتردي صحته، ومرارة الضغوط النفسية التي تعرض لها، يقضي السنوات القليلة المتبقية من حياته في عزلة سياسية حتي وفاته عام 1982.(3) شغل عبد الرزاق النايف قبل 17 تموز (يوليو) 1968منصب معاون مدير الاستخبارات العسكرية، فيما كان إبراهيم الداوود آمرا للحرس الجمهوري. وهما لا يرتبطان بحزب البعث ولهما نهج سياسي آخر، إلاّ أنهما تعاونا مع قيادة الحزب للإطاحة بحكم عبد الرحمن عارف في 17 تموز (يوليو) 1968، حيث تبوأ النايف منصب رئيس الوزراء، والداوود منصب وزير الدفاع، وأصبحا عضوين في مجلس قيادة الثورة، الي ان قام الحزب في الثلاثين من الشهر نفسه بعملية انقلاب عليهما وتم اعفاؤهما.(4) كمثال علي انشغال البكر اليومي في المسائل الجزئية تحمل الجريدة الرسمية (الوقائع العراقية) الصادرة في: 1 /12 / 1973 أربعة عشر قرارا ومرسوما موقعا من قبله. ومما يبعث علي التساؤل كون قرارات مجلس قيادة الثورة المنشورة تحمل تسلسل الأرقام من 974 الي 984، إلاّ أن القرار رقم 975 والقرار رقم 979 اللذين يقعان ضمن التسلسل لا وجود لهما مما يطرح التساؤلات حول طبيعتهما واسباب عدم نشر نصوصهما.(5) أجري المجلس نفسه في مراحل لاحقة تعديلات عديدة علي الدستور المؤقت الصادر في 16 تموز (يوليو) 1970، من بينها منح المنطقة التي تقطنها غالبية كردية الحكم الذاتي، واعتبار أعضاء القيادة القطرية لحزب البعث هم أعضاء المجلس.(6) ولد عبد الخالق السامرائي في مدينة سامراء عام 1935. عضو القيادة القطرية لحزب البعث منذ 1964. عضوالقيادة القومية للحزب 1965. عضو مجلس قيادة الثورة منذ عام 1969. اعتقل عام 1973 بتهمة الاشتراك بحركة ناظم كزار للإطاحة بالسلطة، وحكم عليه بالسجن المؤبد، ثم نفذ حكم الإعدام به في آب (اغسطس) 1979 مع المجموعة الحزبية التي اتهمت بالتعاون مع سورية لقلب السلطة في العراق.ہ كاتب عراقي يقيم في بريطانيا7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية