هكذا عرفت البكر وصدام: رحلة 35 عاما في حزب البعث (4)
تردد احمد حسن البكر بدعم خطوة تأميم النفط العراقي ربما كان متعلقاً بصعود صدام الي السلطةالرئيس كان يتنصت علي مكالمات حردان التكريتي.. ويتحاشي السفر بسبب البروتوكول المعقدهكذا عرفت البكر وصدام: رحلة 35 عاما في حزب البعث (4)اعدها: هارون محمدہالبكر يتردد تجاه خطوة تأميم النفط العراقيفي ضوء مداولات صالح مهدي عماش (1) معي في ربيع عام 1971 ـ بعد عودتي من ألمانيا وتعييني عضوا في مكتب الشؤون الاقتصادية لمجلس قيادة الثورة ـ كان عماش، باعتباره المشرف علي الأمور الاقتصادية، يتحدث عن تأميم النفط باعتباره الحل الأمثل لاستقرار وتحسين موارد البلاد رغم عدم اندفاعه لهذه الخطوة في تلك المرحلة التي شهدت اتفاقات مع شركات النفط علي تحسين الشروط وزيادة الإنتاج.وأتذكر رسالة بعثها لي بتاريخ 25 آذار (مارس) 1971 مع حكمت العزاوي ـ حين كنتُ في ألمانيا ـ جاء فيها ونحن نأمل ان تنتهي أزمتكم الحالية وتعودوا الي بغداد لنعمل سوية في ظروف ممتازة خصوصا بعد الزيادة الكبيرة في واردات النفط التي ارتفعت من 170 مليون دينار الي حوالي 330 مليوناً هذا العام .في الفترة التي سبقت عمليات التأميم، كانت لدي مداولة مع الرئيس البكر في مكتبه. وعرّجت في حديثي الي الاستعدادات المطلوبة لخطوة تأميم النفط. ودُهشتُ غاية الدهشة لرد فعل البكر في تلك اللحظة. فما أن وصلتُ الي عبارة تأميم النفط حتي قطع البكر حديثي وقال (دكتور، إنس موضوع التأميم ولا تعرج عليه مرة أخري ) !.تساءلت مع نفسي، هل كان البكر مترددا الي هذه الدرجة من خطوة التأميم انطلاقا من احتمال سعي شركات النفط الأجنبية لزعزعة السلطة والإطاحة بحكم البعث؟ أم أن هناك ثمة تدبيرا ما بين البكر وصدام من حيث التوقيت(2) او بعبارة أخري وضع الموضوع في درج مغلق مرحليا لحين تسلم صدام زمام الأمور الاقتصادية في البلاد…قد يكون كلا التفسيرين صحيحاً في آن واحد.لم يكن (تردد) البكر من عملية التأميم محصورا به، فقد شمل التردد أيضا أطرافا سياسية كانت مشاركة في الحكم آنذاك، بل ذهب التخوف الي حلقة أبعد، وأتذكر هنا، حين كنتُ عضوا في الوفد العراقي ـ برئاسة صدام ـ الي الاتحاد السوفييتي بعد فترة قصيرة من إتمام خطوة التأميم، أن بريجينيف خاطب صدام قائلا: إن تأميم النفط الذي أقدم عليه العراق كان خطوة تتصف بالمجازفة وتحيطها أخطار جسيمة محتملة! أما التفسير باحتمال اتفاق البكر وصدام بتأجيل إثارة موضوع التأميم مرحليا آنذاك فتدعمه الوقائع التي تلت بعد شهور قليلة فقط من حديثي المذكور مع البكر.فقد تم في أيلول (سبتمبر) 1971 إعفاء عماش من مناصبه وإبعاده سفيرا في موسكو، وبذلك تسلم صدام مهمة الإشراف علي القطاعات الاقتصادية للبلاد وفي مقدمتها النفط.الرئيس يتنصت علي مكالمات نائبه الهاتفيةكان بإمكان كلّ وزير ومن لديه الهاتف الحكومي الخاص (السري) أن يتصل بالبكر مباشرة ويتكلم معه في مكتبه وإن أدي هذا الي قطع حديث المجتمعين معه في تلك الساعة، ولم تكن طبيعة البكر تسمح أن ينهي المكالمة ويطلب من الشخص إعادة الاتصال به بعد فترة، وظلت هذه الحالة قائمة فترة طويلة، ولقاءات المسؤولين معه في مكتبه مضطربة حتي تم نقل رقم هاتفه الي مدير مكتبه ليتم الاتصال بالأخير أولا وطلب الحديث مع البكر إن لم يكن مشغولا، والواقع أن هذا الترتيب ليس اكتشافا جديدا بل يمثل أبسط القواعد في العمل الإداري التي غابت عن الأذهان في القصر الجمهوري فترة طويلة.كان البكر يرحب وقوفا بالقادمين الي مكتبه، ثم يجلس أمام منضدته التي تتواجد عليها هواتف عديدة ينشغل أحيانا بالمكالمات عبرها. واسترعي انتباهي وجود هاتف تحت جانب من منضدته. ولولا رنين جرس هذا الهاتف أحيانا لما انتبهت لوجوده بتاتا، كنتُ ألاحظ مطالبة البكر الحاضرين التوقف عن الحديث حين يرن جرس هذا الهاتف. يرفع السماعة بهدوء ويضعها علي أذنه مركزا علي الاستماع للكلام وقتا طويلا دون أن ينبس ببنت شفة، ثم يعود ويضع السماعة علي الهاتف بهدوء مماثل.تكرر هذا المشهد مرات عدة حين مقابلتي للبكر في مكتبه، ثم علمتُ بعدها أنه كان يتنصت علي مكالمات حردان التكريتي الهاتفية.كان حردان آنذاك عضوا في مجلس قيادة الثورة ونائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للدفاع، لكن الكثير من قياديي الحزب يعتبرونه شخصا غير مأمون الجانب (3).اللافت هو أن حردان كان علي علم بعملية التنصت علي مكالماته الهاتفية ومراقبة تحركاته. ومما أذكره اغتنام حردان إحدي جلسات مجلس الوزراء التي كان يترأسها بنفسه ليناشد الوزراء بأسلوب المداعبة كي يأخذوا حذرهم إذا اعتقدوا أن الهواتف الحكومية (السرية) هي سرية فعلا! ثم تطلع الي الوزراء وعلي وجهه ابتسامة عريضة ساخرة.لم يبق حردان في مراكزه فترة طويلة، فقد جري إعفاؤه من جميع مناصبه وعُـيّـن سفيرا في اسبانيا في 15 تشرين الأول (اكتوبر) 1970، حيث لم يلتحق بمنصبه، وإنما ذهب الي الجزائر وأقام فيها، ثم جري اغتياله في الكويت خلال زيارة قام بها اليها في 30 آذار (مارس) 1971، أي بعد أقل من ثلاث سنوات علي مشاركته في مجيء البعث الي السلطة.البكر ينصف أرملة جار عليها الزمان في أحد أيام الصيف القائظة طرقت بابي امرأة ترتدي العباءة السوداء وحول وجهها وشاح غامق اللون، راجية مني السماح لها بعرض قضيتها. جلست في غرفة الاستقبال مكسورة الخاطر يأخذ منها الهمّ مأخذا. ثم أخذت تروي أن زوجها الموظف بدرجة بسيطة في إحدي المصالح الحكومية توفي منذ فترة قصيرة، ليتقرر تبعا لذلك منحها مبلغا من المال عوضا عن راتب تقاعدي شهري عن خدمة زوجها المتوفي. وتبين من حديثها أن مدة خدمته حتي تاريخ وفاته بحاجة الي ستة أشهر وستة عشر يوما كي تبلغ الحد القانوني لمنح الراتب التقاعدي الشهري. وأوضحت الأرملة أن ليس لها أحد يعيلها ويعيل أطفالها الأربعة، وهي تسكن في دار مستأجرة. وتساءلت، والدموع تتساقط من عينيها، كيف ستدبر معيشتها ومعيشة أطفالها حتي يكبروا ويشتد عودهم.وفي الواقع تأثرتُ كثيرا لقولها إن زوجها قد توفي، وتلك هي مشيئة الله تعالي، لكن ما هو ذنبها في ذلك. طلبتُ منها أن تأتي في اليوم التالي ومعها جميع المستندات الرسمية الخاصة بزوجها وأطفالها وعقد استئجار دارها. تصفحت المستندات وسجلت بعض البيانات، ووعدتها بالسعي لقضيتها. وقد كتبتُ رسالة الي الرئيس البكر بمشكلة هذه الأرملة ورجوته النظر بإنصافها، وأكدتُ له قيامي بتدقيق صحة البيانات شخصيا، فسارع البكر بإنصاف هذه العائلة المسكينة، وأصدر قرارا من مجلس قيادة الثورة، باضافة مدة ستة اشهر وستة عشر يوما الي خدمات زوجها المتوفي لغرض نيل الراتب التقاعدي، وهكذا تلقت الأرملة هذا القرار بدموع الفرح.دفعت هذه الحادثة، وحوادث مماثلة لاحقة، الي إعادة النظر بالقانون الموروث في هذا المجال. وصدرت أحكام جديدة تقضي بمنح الراتب التقاعدي الشهري لعائلة المتوفي بصرف النظر عن مدة خدمته.ويتدخل في حادثة إنسانية أخريفي أحد الأيام طرقت باب منزلي سيدة شكت لي أن زوجها يقبع في السجن نتيجة حكم أصدرته المحكمة بحبسه لمدة سنتين بسبب قضية تجارية. ومشكلتها أن لديها ثلاثة أولاد في عمر المراهقة وليس في العائلة أحد يعينها علي رعاية شؤون هؤلاء الأولاد. وعبرت عن قلقها الشديد من بقاء زوجها فترة طويلة في السجن غائبا عن هذه الرعاية، التي قد تسبب لها ولأولادها محنة جسيمة تدمر حياة العائلة. وقدمت لي أوراق القضية التي تصفحتها بإمعان.كتبتُ الي رئيس الجمهورية رسالة بهذه المشكلة العائلية ورجوته التلطف بالنظر في اقتراحي ببقاء الزوج في السجن سنة واحدة جزاءً علي ما ارتكب من مخالفة ودرسا له، وإعفائه مما يتبقي من محكوميته البالغة سنة أخري رحمة بأولاده الثلاثة.وكان عليّ في اليوم التالي السفر الي خارج العراق بمهمة رسمية، وبعد عودتي بأسبوع وجدت السيدة المذكورة تطرق بابي مرة أخري والفرحة تعلو وجهها، وزفت لي صدور قرار الرئيس البكر بتخفيض مدة السجن الي النصف.ويمنح الاقتصاديين العراقيينألف قطعة أرض سكنيةتوليتُ رئاسة جمعية الاقتصاديين العراقيين لمدة أربع سنوات ابتداء من 1973 خلفا للدكتور سعدون حمادي الذي انتهت مدة رئاسته النظامية حينها (4).قدمت لي سكرتارية الجمعية جدولا بالمسائل الهامة المنتظر متابعتها وفي مقدمتها مشكلة الأرض التي حرمت الجمعية من تملكها. وتبين أن المشكلة بدأت حين اشترت الجمعية التعاونية للاقتصاديين قطعة أرض كبيرة من الدولة لغرض توزيعها علي الأعضاء لبناء دور سكنية لهم. إلاّ أن الدولة عادت واسترجعت قطعة الأرض لاعتبارات المصلحة العامة وعوضت الجمعية التعاونية بقطعة أخري. لكن هذه القطعة الثانية لم تسْـلم هي الأخري من الإجراءات الحكومية فخرجت من يد الجمعية بقرار صادر من مجلس قيادة الثورة، وبقي نحو ألف مشترك من أعضاء الجمعية في قلق وحيرة، حيث دفعوا مبالغ القسط الأول منذ فترة طويلة وخططوا لأوضاعهم العائلية لسنوات مقبلة.طلبتُ من الجمعية تهيئة ملف كامل بمستندات الموضوع. وجاءت الفرصة المناسبة حين تم استدعائي لاجتماع مجلس قيادة الثورة لمناقشة بعض الأمور الاقتصادية، فتوجهتُ بعد الاجتماع الي البكر الذي كان واقفا والتعب باد عليه. حدثته عن مئات العوائل التي تعيش الآن بين الأمل والخيبة وشرحت له باختصار غرابة الموقف حيث تقدم الدولة قطعة أرض تعويضا ثم تعود لتسحب التعويض. وكان من حسن الحظ وجود الدكتور سعدون حمادي بجانبي في ذلك الحين فقدمته شاهدا علي القضية. ابتسم البكر وقال: لا حاجة الي شاهد، وطلب مني ان أحرر له كتابا مختصرا بالقضية. وبالفعل لم يمض أسبوع كامل حتي صدر قرار مجلس قيادة الثورة بإعادة قطعة الأرض الي الجمعية لغرض إسكان أعضائها، وغمرت الفرحة مئات العوائل. البكر ينقذ وزير المالية غير البعثيمن حرج ترديد شعار الحزبتمت دعوتي وبعض الوزراء لإحدي اجتماعات مجلس قيادة الثورة لمناقشة بعض الأمور المالية. وكان من بين المدعوين وزير المالية أمين عبد الكريم، المعروف بهدوئه وبساطته وعدم انخراطه في صفوف حزب البعث.وأثناء النقاش، كما هي العادة في كل مرة أحضر هذه الاجتماعات، يتناول المجتمعون فناجين من الشاي توزع علي الجميع فيما يقدم لعزت الدوري خصيصا كوب من الشاي والحليب مع طبق من أرغفة خبز جاف رقيق بسبب حالته الصحية المتصفة بالضعف دائما..وقعت حادثة طريفة حين انتهي مجلس قيادة الثورة من اجتماعه، وكان البكر ـ رئيس المجلس ـ توقع حدوثها حين طلب من أعضاء المجلس والحاضرين الوقوف.وقف أمين أسوة بالآخرين، وبدأ البكر بترديد شعار الحزب (أمة عربية واحدة… ذات رسالة خالدة) وردد المجتمعون الشعار وراءه عدا أمين طبعاً، الذي وقف مشدوها متطلعا بوجوه الحاضرين، وأحس البكر بحيرة أمين عبدالكريم ولم يتمكن من حبس ضحكته فأطلقها مع انتهاء ترديد الشعار، وعندها أخذ البكر وهو مستمر بضحكته بيد الوزير أمين وراح يمازحه، فيما كانت عينا أمين غارقتين في دهشة واستغراب وكأنه يشاهد مسرحية لم يألفها من قبل، رغم انه أحد أبرز عشاق الفن والموسيقي في العراق.البكر يستنجد بعماش لضرب (دوبة)نهرية فالتة من سامراء بصاروخيرتفع منسوب نهر دجلة في بداية كل ربيع الي مستوي عال وتنساب مياهه بقوة عارمة تسبب اضرارا مادية وبشرية في الكثير من الأحيان.في يوم من تلك الأيام انفك رباط إحدي العوامات الحديدية الكبيرة ـ ويطلق عليها محليا اسم (الدوبة) ـ وكانت تحمل جسرا خشبيا علي نهر دجلة يقع الي الشمال من مدينة سامراء. وانطلقت العوامة الثقيلة تمضي مع تيار مياه دجلة السريعة باتجاه الجنوب مهددة بكارثة محتملة علي السد الكبير المقام عند مدينة سامراء في حال اصطدامها به. وصل الخبر الي الرئيس البكر الذي اتصل فورا بالفريق صالح مهدي عماش ـ نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية ـ طالبا منه العون لتفادي وقوع الكارثة، وعلي الفور طلب عماش ـ الرجل العسكري وسريع البديهة ـ من القاعدة العسكرية الجوية في منطقة كركوك تحريك طائرة حربية بسرعة لضرب الهدف المتحرك (الدوبة) بصاروخ واغراقه، وقد تم ذلك فعلا قبل أن تقترب العوامة من سد سامراء. ولم يترك البكر مكتبه في تلك الساعات وظل قلقا حتي قام عماش ـ الذي روي لي هذه الحادثة ـ بتطمين البكر علي نجاح القصف الجوي، فتنفس الصعداء.مع البكر في زياراته الي موسكو وصوفيا ووارشو لم يكن البكر راغبا في الإكثار من السفر الي الخارج، إذ كان عدد سفراته أقل بكثير من عدد سفرات نائبه ـ آنذاك ـ صدام. ويبدو أن البكر كان يشعر بثقل هذه المهمات والإجراءات البروتوكولية التي لا تتماشي مع بساطته. وربما كان يشعر بعدم الحاجة الي تقديم نفسه شخصيا للعالم الخارجي، حيث قناعته بمراكزه العليا الرسمية والحزبية التي لا يعلو عليها شيء في الداخل. أروي هنا بعض المشاهد حين كنتُ عضوا في الوفود التي ترأسها البكر في زياراته الرسمية للدول الثلاث: الاتحاد السوفييتي وبلغاريا وبولندة. الإجراءات الأمنيةفي زيارات البكر وصدام الي الخارججرت العادة بالنسبة لسفرات البكر الخارجية، وكذلك بالنسبة لصدام، ان تأخذ الطائرة العراقية مسارا جويا بعيدا عن اسرائيل سواء في المغادرة او العودة. وتحلق الطائرة فوق مناطق بلدان وبحار بعيدة لتجنب القوة الجوية الاسرائيلية المحتملة، وهو ما كان يتردد خلال الأحاديث مع طاقم الطائرة. إن وقت وصول الطائرة العراقية علي وجه التحديد يبقي سرا تجاه البلد المضيف حتي يصبح الوقت المتبقي لهبوط الطائرة قصيرا جدا. وأتذكر ما حدث في سفرتي مع البكر الي بلغاريا في شهر حزيران (يونيو) 1973، علي سبيل المثال، فقبل نحو ساعة فقط من هبوط الطائرة في مطار العاصمة صوفيا أعلم قائد الطائرة العراقية برج المطار أن الوفد العراقي برئاسة (الرجل الأول) علي متن الطائرة، وتحاشي ـ بناء علي طلب الطاقم الأمني المرافق ـ ذكر اسم البكر او رئيس الجمهورية بشكل صريح كاحتياط أمني، وفي الواقع كان هذا الاعلام المتأخر ـ الذي أصبح عادة ـ يسبب ارباكا للبلد المضيف حيث لا بد له من إتمام استعدادات الاستقبال الرسمي ـ الوزراء والسلك الدبلوماسي ـ في وقت محدد مسبقا. * حين يقدم للبكر او لصدام فنجان من القهوة او الشاي في قاعة الاستقبال في مطار البلد المضيف يتناولانه برقة ويضعانه جانبا دون شربه كإجراء احترازي مما قد يدس فيه من مواد سامة. * يرابط قسم من طاقم الحماية ليل نهار في داخل الطائرة العراقية الجاثمة علي أرض المطارفي البلد المضيف طيلة فترة الزيارة كإجراء أمني. * عند وصول البكر الي مكان إقامته في البلد المضيف ـ وينطبق علي صدام ايضا ـ يقوم الطاقم الأمني العراقي بفحص جميع غرف وصالات دار الإقامة بالأجهزة الفنية للتأكد من عدم وجود نقاط مزروعة للإنصات. * يفتح خط هاتفي بين مكان إقامة البكر في البلد المضيف وبدالة هاتف بغداد المركزية، ويبقي الخط مفتوحا ومحجوزا هكذا ليل نهار طيلة أيام الإقامة بهدف ضمان الاتصال الهاتفي الفوري بين البكر من الخارج والقيادة في بغداد حول أي أمر مهم او عصيب. ويؤخذ بهذا الإجراء في زيارات صدام أيضا. ولاحظتُ أن الكثير من أعضاء الوفد يغتنمون فرصة هذا الخط المفتوح بصورة متواصلة ويطلبون من بدالة هاتف بغداد المركزية ربطهم بدور عوائلهم واصدقائهم للسلام والدردشة فقط. زيارة البكر الي الاتحاد السوفييتيلاحظتُ انه بمجرد جلوس البكر أمام طاولة المفاوضات ينهمك بتدوين كامل كلام رئيس الجانب الآخر تقريباً علي كراس أمامه، وأحيانا يستعصي ذلك عليه، فيما كان من المفروض اكتفاؤه بتسجيل النقاط الرئيسية فقط، وهكذا تختلط عليه النقاط المهمة من سواها، إضافة الي أن مثل هذا التدوين غير ضروري بالنسبة له كرئيس للجمهورية ورئيس للوفد. فالسفير العراقي الذي يحضر الاجتماعات عادة وعضو آخر يتوليان تدوين المحضر. وفي زيارات لاحقة جري إعلام البكر بهذه الملاحظة الإجرائية فكفّ عن أسلوب التدوين المضني وغير الضروري، ولكن ذلك يبقي مؤشرا علي بساطة البكر وقلة خبرته البروتوكولية. جاءت زيارة البكر للاتحاد السوفييتي في منتصف شهر أيلول (سبتمبر) 1972 تلبية لدعوة من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي وهيئة رئاسة مجلس السوفييت الأعلي والحكومة السوفييتية، أي بعد ثلاثة أشهر ونصف الشهر من قرار العراق بتأميم النفط، بهدف تعزيز العلاقة في جميع المجالات التي فتحت أبوابها معاهدة الصداقة العراقية ـ السوفييتية منذ توقيعها في ربيع ذلك العام. بدأت المحادثات في موسكو بحضور اعضاء الوفدين العراقي والسوفييتي، وتناول البكر في كلمته رؤية العراق للأوضاع السياسية الاقليمية والدولية، وعرّج علي القضايا العراقية التي يأمل استجابة الجانب السوفييتي لها ومن ضمنها الطلبات الاقتصادية والعسكرية. وبعد انتهائه من الكلام أعلن الجانب السوفييتي الموافقة علي هذه النقطة وتلك، ثم وعد بالإجابة علي ما تبقي من نقاط في جلسة تالية ما يعني أن هناك حاجة لبحث تلك النقاط الحساسة في السلطة العليا أولا لاعطاء الرأي بشأنها. لم تقتصر المفاوضات علي الجلسات العامة التي حضرها جميع أعضاء الوفدين إذ كان رئيسا الوفدين التقيا في جلسة مغلقة لم يحضرها غير المترجم، حيث جرت العادة ـ وهو ما لاحظته في سفراتي مع البكر وصدام الي دول عديدة ـ أن يختلي رئيسا الوفدين لبحث أمور في غاية الحساسية والأهمية يريان من المصلحة عدم الإفصاح عنها حتي لأعضاء الوفدين. كان الاتحاد السوفييتي مهتما بتلك الزيارة فاستجاب لطلب العراق بتزويده بطائرات مقاتلة من مجموعة (ميغ) المتطورة التي لم يزود بها بلد من بلدان العالم الثالث من قبل. كما وافق علي قيام العراق بتسديد أثمان السلع السوفييتية المستوردة بالنفط 100 بالمئة. أشير هنا الي زيارة سابقة قام بها صدام الي الاتحاد السوفييتي الذي حصر موافقته، بعد جهد، علي تسديد ما يعادل 70 بالمئة فقط من قيمة السلع السوفييتية بالنفط العراقي فيما كان الاستغراب يعلو ملامح صدام في تلك الساعات من هذا الموقف المتشدد خاصة وان العراق كان ما يزال يقارع شركات النفط الأجنبية. إلا أن ما خفف من الموقف وضوح حسابات الاتحاد السوفييتي الذي كان ينتظر زيارة البكر ليتوجها بالموافقة علي تسديد قيمة المستوردات السوفييتية بالنفط 100 بالمئة وهو ما تم فعلا. مع الرئيس البكر الي بلغاريا وبولندا في شهر حزيران (يونيو) 1973 جاءت زيارة البكر لبلغاريا، حيث استقبل استقبالا حافلا رسميا وشعبيا، واصطفت جموع الشبان والشابات علي جانبي الطريق من المطار الي قصر الضيافة حاملين الأعلام واللافتات والفرحة العارمة بضيف البلاد تعلو محياهم. كان الرئيس البلغاري (تيودور جيفكوف) متواضعا ومرحا ويتصرف مع البكر وكأنه صديق حميم منذ سنين عديدة، ويفهم في الوقت نفسه تقاليد البكر المحافظة. وأتذكر ان (جيفكوف) خصص إحدي الأمسيات لمشاهدة عروض فولكلورية دعيت لتقديمها فرقة فنية في القصر نفسه وليس في أحد المسارح، وجلس بجانب البكر وسعي لتهيئة جو من الألفة والمرح بضحكته ومداعباته، بل كان أول من يصفق بحرارة للفرقة بعد انتهاء كلّ عرض من عروضها، فيما بقي البكر طيلة الوقت هادئا ومحافظا علي توازنه المعهود، مكتفيا بالرد علي (جيفكوف) بابتسامة خجولة. في تلك الفترة كان العالم قد دخل في أزمة نفطية، فكميات النفط في السوق العالمية قليلة والأسعار تتجه نحو الارتفاع، ولم يكن الشاغل للدول كامنا في السعر العالي بل في كيفية الحصول علي كميات مضمونة من النفط. ولم تكن تعاقدات بيع النفط العراقي مع الجهات الأجنبية تسمح آنذاك بتلبية احتياجات بلغاريا إلاّ بكمية معينة كانت بنظر الجانب البلغاري أقل بكثير من حاجته. ولعبت هنا العلاقات الشخصية ـ الحديثة/ القديمة ـ بين جيفكوف والبكر دورا هاما، فطلب البكر من خبراء الوفد العراقي مراجعة حساباتهم وتوفير كمية اضافية لبلغاريا تكريما لهذا البلد الصديق ورد الجميل له، وهو ما تم فعلا. عندها لمس جيفكوف أن بلغاريا تجاوزت مشكلتها النفطية العصيبة من خلال موقف البكر الودي الذي لا ينسي. ويمكن القول ان موقف البكر هذا يشكل الاعتبار الرئيسي وراء الإصرار البلغاري علي استضافته القصيرة، مرة اخري وبعد بضعة أيام، وهبوط طائرته التي كانت محلقة في أجواء بلغاريا في طريقها من العاصمة البولندية وارشو الي بغداد، تلك الاستضافة غير المحسوبة التي أخرت وصول البكر الي بغداد يوم 30/6/ 1973 بضع ساعات وأنقذته من محاولة الانقلاب المعروفة التي نظمها ناظم كزار مدير الأمن العام . خلال زيارته لبلغاريا قلد جيفكوف البكر أعلي وسام بلغاري، فيما منح أعضاء وفده أوسمة، كان لي منها ستارا بلاتينا وسام جبل بلقان. هوامش(1) ولد صالح مهدي عماش في بغداد عام 1922. وهو من العسكريين البارزين في الحزب. وزير الدفاع في حكم البعث عام 1963. عضو القيادتين القطرية والقومية. عضو مجلس قيادة الثورة ونائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية والمشرف علي الأمور الاقتصادية منذ تموز (يوليو) 1968. تم إعفاؤه من مناصبه في ايلول (سبتمبر) 1971 وتعيينه سفيرا في الاتحاد السوفييتي، ثم سفيرا في عدد من الدول الأوروبية حتي وفاته عام 1985. (2) يشيد التقرير الصادرعن المؤتمر القطري التاسع لحزب البعث العربي الاشتراكي المنعقد في حزيران (يونيو) 1982 بالدور الريادي لصدام حسين في عملية تأميم النفط، ويشير الي أن صدام هو الذي واجه بصبر وحكمة وحزم حالات التردد والخوف التي سبقت لحظات اتخاذ القرار تلك الحالات التي بقيت سنوات طويلة مكتومة لا يعرفها إلا عدد قليل . ومن المحتمل جدا ان يكون البكر هو المقصود هنا او أحد المقصودين.(3) حردان عبد الغفار التكريتي المولود في مدينة تكريت عام 1926من الشخصيات العسكرية البارزة في الحزب، قائد القوة الجوية في عام 1963، وصل الي رتبة فريق أول ركن طيار. كان يتعرض لانتقادات وملاحظات الحزبيين بسبب نظرته الليبرالية والشكوك في انضباطه الحزبي. (4) تضم الجمعية خريجي الجامعات في الدراسات الاقتصادية، وكان لها دور بارز في الحياة العلمية والاجتماعية في البلاد أسوة بالجمعيات والنقابات المهنية الأخري. ينتخب أعضاء الجمعية كل سنتين الهيئة الادارية التي كانت تضم، في تلك الحقبة من الزمن، أشخاصا من تيارات سياسية مختلفة أجمعت علي العمل يدا واحدة ضمن إطار الائتلاف. ثم تقوم الهيئة الإدارية بانتخاب رئيس لها ـ رئيس الجمعية ـ ونائبا للرئيس من بين أعضائها. في تلك الفترة كنتُ رئيسا للجمعية فيما كان الدكتور كاظم حبيب ـ من قياديي الحزب الشيوعي ـ نائبا للرئيس. ہ كاتب عراقي يقيم في بريطانيا7