هكذا عرفت البكر وصدام: رحلة 35 عاما في حزب البعث (6)

حجم الخط
0

حافظ الاسد رفض الرد علي رسالة من صدام وقال ان الجماعة في بغداد ليسوا صادقين ونواياهم غير حسنةالبكر اراد عملة موحدة بين سورية والعراق.. وصدام اعلم السفير السوري بتأميم النفط قبل اعلانه بساعات

اعدها: هارون محمدہعدنان الحمداني.. متواضع وكيس وصاحب حلول سريعةعرفتُ عدنان الحمداني عن قرب عبر سنوات عديدة من خلال العمل في هذه اللجنة، وفي اللجنة الثلاثية للمفاوضات الشاملة مع شركات النفط الأجنبية، وفي الهيئة التوجيهية لمجلس التخطيط حين تولي منصب وزير التخطيط، إضافة الي المشاركة في وفود ولجان عديدة، بل وفي لقاءات ورحلات عائلية.

كان عدنان يتصف بالتواضع والكياسة في التصرف وحسن اختيار الحلول بسرعة. وكم من مرة كنت أجلس في مكتبه في المجلس الوطني ـ حيث يقع مكتبي أيضا ـ وأتداول معه في بعض المسائل. وفي أحيان كثيرة كان صدام يتصل هاتفيا عارضا عليه مشكلة ما، فيقدم عدنان الرأي والحل ويخاطبه من خلال مكالماته الهاتفية بعبارة استاذ!. اعتمد صدام علي عدنان بحكم قابلياته واتخذه الساعد الأيمن له في جميع الشؤون وخصوصا الاقتصادية، ورفعه الي عضوية القيادة القطرية، لكن كلّ هذا لم يشفع لعدنان فحُكم عليه رميا بالرصاص حتي الموت مع رفاقه الآخرين عام 1979 بتهمة التآمر ضد الحزب والثورة ومصالح البلاد العليا.

أعود بالذاكرة الي حوادث لافتة للنظر تكرر وقوعها خلال جلسات اللجنة وكان حديث المجتمعين يتوقف بسببها فترات.

كان هاتف صدام الخاص يرن أحيانا، فيرفع السماعة ويجيب: نعم سيادة الرئيس!. حينها نعرف أن أحمد حسن البكر علي الخط، وأن صدام يستهدف من هذه العبارة غايتين:

الأولي إعطاء الانطباع عن مدي احترامه لرئيس الجمهورية، والثانية إعلام البكر بصورة غير مباشرة بوجود أشخاص في مكتبه من أجل الحيطة في الحديث، وفي كلّ مرة يعود البكر ويسأل: من هم هؤلاء الذين عندك؟

، فيسرد صدام أسماءنا جميعا.

وينتهي الاتصال الهاتفي بعد لحظات بعد تبادل عبارات غامضة في أغلب الأحيان.

كما كان حديثنا ينقطع أحيانا بسبب رن جرس هاتف آخر كان صدام أعلنه للناس جميعا، حيث بامكان أي فرد الاتصال به مباشرة إن كانت لديه قضية مستعصية. وبعد أن يرفع صدام سماعة الهاتف يطلب من المقابل انتظار لحظة يقوم أثناءها بربط المكالمة علي آلة تسجيل ثم يطلب من الشخص البدء بالكلام.

ومن جملة ما مرّ اتصال امرأة لم تصدق ان السيد النائب يرد عليها شخصيا، فارتبكت أولا ثم روت قضيتها، وتكلم صدام معها بلطف وطلب منها الحضور الي مكتبه. وعلق صدام مبتسما بالقول: إن السيدة تدعي انها لم تعد تنام الليل من كثرة إعجابها به!. وكنا نشهد في مناسبات أخري كيف يقوم سكرتيره الرائد علي العبيدي بتهيئة ظرف بمبالغ يخرجها من الخزانة الحديدية علي جانبه ويسلمه ـ حسب إيعاز صدام ـ للرجل او المرأة بعد إتمام المقابلة. وكان صدام يستخدم الإكراميات المالية في هذه المناسبات وغيرها لكسب عطف الناس والدعاء له بالصحة والبقاء!. صدام يقود معركة تأميم النفطبدون شك قاد صدام خطوة تأميم النفط حتي النهاية رغم المخاوف التي أحاطت بعض القياديين والسياسين في البلاد. فكان مقتنعا اقتناعا راسخا ان الانطلاق علي طريق التنمية الشاملة وضمان استقرارها وتصعيد قوة البلاد تفرض إنجاز التأميم في تلك المرحلة وتحقيق ما حلم به العراقيون عقودا متتالية.

وفي الواقع تمثل سيطرة الدولة علي ثرواتها الطبيعية وتسخيرها لمصلحة الشعب مسألة كامنة في مبادئ حزب البعـــــث الذي طالما طرحها في أدبياته، وثقف أعضاءه والمواطنين علي أســــاسها منذ نشوئه. ولهذا تعتبر خطوة تأميم النفط، من حيث المبدأ، التزاما من الحزب بالتنفيذ في الوقت المناسب.

من المفيد هنا إلقاء بعض الضوء علي العلاقات المتوترة بين شركات النفط الأجنبية والحكومة العراقية بعد أحداث تموز (يوليو) 1968 التي أنضجت اتخاذ قرار التأميم، حيث وجدت البلاد نفسها، خلال الفترة التي أعقــــــبت تلك الأحداث، في دوامة استمرار العلاقات المتوترة مع شركات النفط الأجنبية، لمواصلة تعنتها تجاه قضايا مهمة كالقانون رقم 80 لعام 1961 الذي سحب ما يعادل نحو 5،99 % من مساحات مناطق امتيازاتها غير المستثمرة، والقانون رقم 97 لعام 1967 بمنح شركة النفط الوطنية العراقية، الشركة الحكومية المؤسسة عام 1964، وحدها حق استثمار النفط في تلك المساحات.

وبعد خطوة تولي شركة النفط الوطنية العراقية استثمار حقول نفط الرميلة الشمالي وطنيا، عبر اتفاق التعاون مع المؤسسة السوفييتية النفطية المعقود في تموز (يوليو) 1969، ثم انتاج النفط فعلا في نيسان (أبريل) 1972 والبدء بتصديره الي الخارج، اعتبرت شركات النفط الأجنبية هذا التطور تحديا مضافا من العراق واندفعت الي اتخاذ خطوات مضادة من بينها حجز بعض الناقلات المحملة بهذا النفط في أعالي البحار، مما أثار قلق الحكومة العراقية.

وكانت قد سبقت تلك الخطوة ممارسة شركات النفط الأجنبية تقليص انتاجها النفطي تقليصا جسيما، مما كان يعني خفضا لموارد العراق المالية، كإجراء عقابي يرمي الي إضعاف تدريجي لموقف الحكومة الأمر الذي جعل مجلس قيادة الثورة يري فيه انذارا خطير الأبعاد.

كانت قراءة المسألة تشير الي أن شركات النفط تتعمد تخفيض موارد البلاد الي حد يجعل الحكومة مضطرة الي الدخول معها في حوار غير متكافئ، وهي في حال ضعف وارتباك، الأمر الذي يفرض عليها تقديم تنازلات والقبول بشروط الشركات، وربما تؤدي جسامة الحال الي سقوط النظام السياسي برمته.

لكن هدف الشركات هذا لم يكن خافيا علي القيادة العراقية، إذ حدثني بالأمر صالح مهدي عماش، ومن بعده صدام حسين الذي كان مقتنعا بعدم ترك اللعبة حكرا علي الشركات، وان القيادة وحدها التي ستقرر توقيت المفاوضات الحاسمة وظروفها.

لم تؤد اتصالات عماش بشركات النفط الأجنبية خلال الفترة الماضية الي نتيجة مرضية تماما بسبب تعنت الأخيرة وتلاعبها المستمر. وبعد إبعاده عن مسرح السياسة في أيلول (سبتمبر) 1971، تبلورت الرغبة لدي مجلس قيادة الثورة بالإسراع في المفاوضات مع شركات النفط وجعلها حاسمة هذه المرة وتهيئة المستلزمات السياسية والشعبية والمالية الكفيلة بإنجاحها التام، وهكذا تولي صدام عملية توجيهها وادارتها.

أدرك صدام منذ البداية أنه كلما كان الاستعداد لهذه المعركة الاقتصادية/ السياسية الكبري جيدا وادارة مراحلها سليمة، تقلصت المخاطر وضمُنت النتائج.. كان مجلس قيادة الثورة يميل ابتداء الي البدء بالمفاوضات الحاسمة في أواخر عام 1971، إلا أنه عدل عن ذلك لتبدأ في 15كانون الثاني (يناير) 1972 حتي يتم الفراغ من فترة أعياد الميلاد ورأس السنة الجديدة، وأبلغت الشركات بالموعد.

في ذلك اليوم بدأت المفــــاوضات في المجلس الوطني ببغداد، حيث ترأس الجانب العراقي مرتضي سعيد عبد الباقي عضو مجلس قيــــادة الثورة ووزير الخارجية الذي أخذ مكانه علي كرسي منفرد في مقدمة طاولة المفاوضات فيــــما أخذ أعضاء الوفد، وكنتُ من بينهم، أماكنهم علي جانب منها، وجلس وفد الشركات، رئيسا وأعضاء، في الجانب المقابل.

ويبدو أن مرتضي أراد من خلال جلوسه المنفرد في مقدمة الطاولة إعطاء اشارة لرئيس وفد الشركات بان هذه المفاوضات ليست بين طرفين متعادلين في المستوي، فهو، أي مرتضي والوفد العراقي يمثل دولة فيما يمثل الآخرون الشركات. كما أراد من خلال ذلك أن يعطي الانطباع للشركات أن عهد المراوغة وليّ وأن نظرتها الي العراق كطرف ضعيف لا بد أن تنتهي الي الأبد.

كانت كلمة مرتضي في افتتاح المفاوضات قوية تضمنت إصرار العراق علي ضمان حقوقه الكاملة، من دون إيراد صريح لعبارة التأميم، داعيا الشركات الي التجاوب مع الواقع الجديد.

رُفعت جلسات المفاوضات أكثر من مرة وعادت للمواصلة بعد فترة، بناء علي طلب الشركات كي تأخذ وقتها في التشاور مع الجهات المساهمة خارج البلاد وتصوغ طبقا لذلك موقفها مجددا.

استعدادات مسبقة شعبيا واعلاميا ليوم النصر في تلك الفترة كان العراق ماضيا في التعامل مع الظروف المستجدة لخطوة التأميم المتوقعة، فعبأ علي هذا الأساس كل وسائل اعلامه ـ الصحف والإذاعة والتلفزيون ـ إضافة الي ذلك الكم الهائل من الخطب واليافطات التي نشرت في كل أرجاء العراق مشيرة الي الأول من حزيران يوم النصر.

تصرفت شركات النفط خلال المفاوضات وكأنها لم تقرأ او تستوعب كل تلك المقدمات، فأبدت تعنتا سافرا في المفاوضات، بل كان رئيس وفدها يسخر أحيانا الي درجة أثارت الألم والامتعاض في نفوس أعضاء الوفد العراقي.

في آخر جلسة يوم 31 ايار (مايو) اعتبر فشل المفاوضات أمرا محتوما، وتبودلت أقوال مأثورة في جو متشنج حيث ورد علي لسان رئيس وفد الشركات تذكير لرئيس الوفد العراقي بكلمة مأثورة تعود الي أصول أجنبية مفادها لا تذبح الدجاجة التي تبيض ذهبـا، فرد مرتضي عليه بما معناه: لا تـلـق حجرا في بئر ماء!. حل موعد اتخاذ قرار التأميم، ووجه صدام حسين قبل نحو 24 ساعة من الإعلان الرسمي لقانون التأميم، طاقما برئاسة غانم عبد الجليل عضو مجلس قيادة الثورة، وضم عناصر من الأمن والمخابرات رفقة بعض الفنيين والقانونيين بالتوجه الي كركوك لوضع اليد علي موجودات الشركة وسجلاتها.

وحين أعلن أحمد حسن البكر رئيس الجمهورية قانون التأميم مساء اليوم الأول من حزيران(يونيو) 1972 عبر تلفزيون وإذاعة بغداد عاشت العاصمة ومدن العراق وقراه عرسا من أجمل الأعراس. وما زاد المشهد متانة وبهجة قيام سورية في اليوم التالي بتأميم المنشآت النفطية الواقعة في أراضيها.

وفي سياق توفير المستلزمات لإنجاح خطوة التأميم جري اعتماد المحاور التالية:

اولا ـ تكليف الأجهزة الرسمية المقربة من صدام لتهيئة ما يلزم من تشريعات وتوجيهات رسمية بوقت مبكر، وخاصة في مجال التقشف المالي بجانبي الانفاق والاستيراد انتظارا لساعة الحسم، الي جانب ما سبق اتخاذه من إجراءات لتحديد الإنفاق.

ثانيا ـ تمتين العلاقة مع الدول الاشتراكية، وعلي وجه الخصوص كسب الدعم وحماية الظهر مسبقا عبر توقيع معاهدة الصداقة والتعاون مع الاتحاد السوفييتي في نيسان (ابريل) 1972 لمدة 15 عاما ـ خلال الزيارة التي قام بـــــها الي بغــــداد وفد برئاسة ألكسي كوسيجين رئيس وزراء الاتحاد السوفييتي.

ثالثا ـ تعزيز الوضع السياسي عبر جبهة ائتلاف وطني وإعادة تشكيل مجلس الوزراء ـ يوم 14 أيار(مايو) 1972 بدخول ممثلين عن الحزب الشيوعي وشخصيات من الأحزاب القومية والكردية.

رابعا ـ تعزيز الانطباع لدي الرأي العام بأن شركات النفط الأجنبية هي الملامة فيما وصل اليه الأمر وكون العراق فتح باب المفاوضات لفترة طويلة ولكن تعنت الشركات أوصل المفاوضات الي طريق مسدود في النهاية.

خامسا ـ زعزعة موقف شركات النفط وإحداث انقسام داخل دولها عن طريق:

أ ـ تحقيق سيطرة العراق علي كامل ثروته النفطية علي مراحل، وعدم مجابهة الشركات في جميع مناطق عقود امتيازاتها دفعة واحدة. واختيرت شركة نفط العراق المحدودة IPC كأول كبش علي طريق التأميم، وهي ذات عقد الامتياز الأهم.

ب ـ اعلان العراق رسميا فور تأميم شركة نفط العراق بكامل حصصها، عن استعداده للمحافظة علي المصالح النفطية الفرنسية، وبذلك تم عزل فرنسا عن الدول الأخري في عملية المجابهة.

سادسا ـ قيام العراق بدفع سورية ولبنان الي التأميم أيضا، تأميم أنابيب النفط ومنشآت التحميل والتعجيل بعقد اتفاقية مرور نفطه وتحميله مع كل منهما دون انتظار نتائج مفاوضاته مع الشركة المؤممة بصورة نهائية. وبذلك فرض العراق أمرا واقعا أمتن وأوسع أمام شركة النفط الأجنبية.

سابعا ـ مضاعفة العراق تحركه لعقد صفقات بيع نفطه التي بدأ بها في وقت سابق، وإدخال النفط مادة لتسديد قيم مستورداته وسداد قروضه، وكسب مواقف الدول عن طريق إغرائها بالعقود الضخمة في السوق العراقية.

وكان لتجاوب الاتحاد السوفييتي وفرنسا، حيث قام صدام بزيارتهما عقب التأميم مباشرة، الأثر الكبير في تصعيد كفة العراق تجاه محاولات شركات النفط الأجنبية التي لم تجد أمامها مجالا في النهاية غير التسليم بالأمر الواقع. كان صدام هو المشرف علي جميع مراحل السيطرة الوطنية الكاملة علي الثروة النفطية، تلك المراحل التي امتدت علي فترة سنوات من كانون الثاني (يناير) 1972 ـ بداية المفاوضات مع شركات النفط ـ حتي تأميم آخر حصة أجنبية في شركة نفط البصرة في كانون الأول (ديسمبر) 1975 (1). العراق وسورية.. صدام حسين وحافظ الأسد لا شك أن التقارب بين العراق وسورية علي طريق قيام اتحاد بينهما يصب في مصلحة كل من البلدين كما يصب في المصلحة العربية علي المستوي القومي. كما لم يعد خافيا أن القوي الأجنبية تتخذ مواقف تجاه هذا التقارب تتراوح بين التحفظ والمقاومة. ومما يؤسف له ان الاعتبارات الشخصية لبعض القياديين في البلدين وقفت، من حيث النتيجة، في مصب القوي الأجنبية الرافضة لهذا التقارب. ولا يغير من هذا القول فترات أشهر العسل التي شهدها البلدان، التي سرعان ما طوتها أزمات حقيقية وصلت الي محاولات الإطاحة بالمقابل واستخدمت فيها مختلف أساليب العنف. وصل تأزم العلاقة بين البلدين الي الذروة في حالتين: الأولي ـ حين قام صدام بإعدام رفاقه الواحد والعشرين يوم 8/ 8/ 1979 واتهام سورية علانية بالضلوع بمحاولة قلب نظام حكمه. والثانية ـ حين نشبت الحرب بين العراق وايران وقيام سورية بغلق الأنبوب الناقل للنفط العراقي عبر أراضيها يوم 10/ 4/1982، حيث شن صدام في خطاب مسهب في المجلس الوطني العراقي في اليوم التالي 1982/4/11 أعنف هجوم علي الرئيس السوري الأسد، متهما إياه بالعمالة والتخريب منذ انقلاب عام 1963 وحتي ذلك التاريخ (2). وبهذا أسدل الستار علي آخر ما كان باقيا في نفوس الناس من أمل للاتحاد بين البلدين. لا أريد هنا بيان الزيارات الرسمية عالية المستوي بين البلدين وتبادل الوفود الشعبية بل والشروع بتهيئة المستلزمات القانونية لإقامة الاتحاد بينهما وغيرها من الخطوات، فتلك معلومة للجميع لكني أود إضافة أحداث شهدتُ عليها في كلا البلدين. البكر يريد عملة واحدة في العراق وسوريةخلال الفترة التي كنتُ فيها محافظا للبنك المركزي العراقي 1976 ـ 1978 قرر البنك اصدار فئة نقدية جديدة بقيمة 25 دينارا لأول مرة. وبعد إكمال تصميم وجهي الورقة النقدية اغتنمتُ فرصة لقاء مع رئيس الجمهورية البكر فعرضتُ عليه الأمر واستحسن التصميم. إلاّ أن البكر عاد بعد بضعة أيام طالبا عدم كتابة اسم البنك المركزي العراقي علي هذه العملة الورقية والاكتفاء بذكر البنك المركزي فقط. وقال البكر إن العراق قادم علي الوحدة مع سورية فلماذا يكتب علي الورقة النقدية الجديدة اسم البنك المركزي العراقي، هذه العملة يمكن أن تصبح عملة البلدين. أوضحتُ لرئيس الجمهورية المتطلبات القانونية لإصدار العملة بحكم التشريع الوطني الحالي وعضوية العراق في صندوق النقد الدولي، ولهذا يتعذر الأخذ برغبته التي يكن لها الانسان كل التقدير والاعتزاز. وأخبرتُ البكر أن ما يمكن الاتفاق عليه بين الجانبين مستقبلا، بعون الله، سيتناول جميع الفئات النقدية الأخري التي تحمل اسم البنك المركزي العراقي، وينطبق الحال أيضا علي الفئات النقدية السورية. وبعد أخذ ورد اقتنع البكر بعرضي علي مضض وانصرفتُ مودعا إياه وأنا أقرأ علي وجهه علامات الألم. حادثتان في دمشق أثارتا امتعاض صدامفي شهر آذار(مارس) 1972 قام صدام بزيارة رسمية لسورية علي رأس وفد كبير كنتُ عضوا فيه، حاملا معه قضايا عدة مـــن بينــــها مد أنبوب إضافي للنفط العراقي عبر الأراضي السورية(3) وتحديد حصة البلدين في مياه نهر الفرات لكن حدثت خلال الزيارة واقعتان امتعض صدام علي اثرهما كثيرا. كانت الأولي حين أنهت اللجان المشتركة إحدي جلسات العمل في وقت متأخر من الليل.. وبينما كان الجانب العراقي يهمّ بمغادرة القاعة الي مكان الإقامة، لم نجد السيارات الرسمية المخصصة لنا، فيما انطلق أعضاء الجانب السوري بسياراتهم منصرفين. وقفنا فترة في الساحة مندهشين لا نعرف كيف نعود الي الفندق، فيما كانت الشوارع خالية والمدينة تغط في نوم عميق. ولحسن الحظ مرّت سيارات نقل بضائع محملة بالخضر متجهة الي السوق عند الفجر فأوقفناها وانتقلنا بها الي الفندق بأجور بسيطة. وحين علم صدام بالأمر اغتاظ كثيرا واعتبر العمل استهانة بشخصه. أما الحادثة الثانية فكانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. فقد كان صدام يسعي من خلال هذه الزيارة الي أن يحسم الموضوع العالق بشأن حصة كلّ من العراق وسورية في مياه نهر الفرات، بعد فشل المحاولات التي بذلت في الماضي في حل المسألة وتفادي شحة مائية في العراق نتيجة مشاريع سدود المياه السورية علي نهر الفرات. لم تنجح زيارة صدام في تمكين الفنيين والخبراء في بداية المباحثات من تحقيق النجاح المطلوب، مما أدي الي لجوء صدام لحل المسألة علي مستوي سياسي عال مع سورية، وقـَبـل علي مضض بجعل حصة العراق 65% مقابل حصة سورية 35% . بعد أن تم التفاهم علي حصة كلّ من البلدين باشر الوفدان بإعداد صيغة الاتفاق. وبعد تهيئة مراسيم التوقيع أخبرني الطرف السوري قبل موعد التوقيع بساعة أن وزير الري السوري يمتنع عن توقيع الاتفاق. وسألت عما اذا كان بالإمكان قيام مسؤول آخر بالتوقيع عليه لتجاوز المشكلة، فجاء الجواب بالنفي مما أدي الي مسارعتي لإخبار صدام بذلك. وهكذا ساد الوفد العراقي الوجوم بسبب تراجع غير مألوف عن تفاهم مسبق مع أعلي المستويات. امتقع وجه صدام واعتبر الموقف السوري نسفا لزيارته وتجريحا مقصودا لشخصه، وغادر الوفد العراقي سورية دون التوقيع علي أي محضر او اتفاق، متوجها مــــباشرة الي مصر في زيارة رسمية لها. الرئيس حافظ الاسد لم يرد علي رسالة صدام حسينكان صدام كلفني في أواخر عام 1972 بنقل رسالة شفوية الي الرئيس حافظ الأسد تتعلق برسالة بعثتها اليه القيادة في بغداد في وقت سابق وبقيت دون رد. قابلت الأسد بمفردي في صالة داخل قصر الرئاسة تتميز بالتواضع والاناقة في ترتيب الأثاث سوري الصنع المشهور. وبعد تبادل عبارات التحية نقلت اليه الأمر المتعلق بتصور القيادة لصيغ العلاقة بين البلدين، وأن صدام ما زال منتظرا الجواب. كان الأسد يستمع لحديثي بهدوء، وبعد انتهائي جاء جوابه ملفتا من حيث تصنعه الهدوء اثناء الحديث، فيما كانت خلاصة رأيه أن الجماعة في بغداد ليسوا صادقين ولا تتوفر لديهم النوايا الحسنة!. بعد رجوعي الي بغداد ولقائي صدام تحاشيت نقل عبارات الأسد حرفيا تجنبا لردة فعل تؤدي الي تأزيم العلاقة بين البلدين، وفضلت نقل المضمون بأسلوب مخفف وبعيد عن الاثارة. مع ذلك فقد أحاط وجه صدام بعض الوجوم، وظل مستمعا طيلة الوقت، ثم ودعته دون أن أسمع منه، والغريب أنه بعد ثلاثة أيام من نقلي جواب الأسد لصدام اتصل الدكتورالياس فرح هاتفيا(4) مستفسرا مني عن جواب الأسد فأخبرته أنني نقلت الجواب الي صدام، وأصر الياس علي معرفة الجواب، فأعلمته به وبالصيغة ذاتها التي أبلغت صدام بها. أثار استفسار الياس الدهشة فيّ وتساءلت مع نفسي هل انه وغيره من أعضاء القيادة القومية لا يصدقون صدام بما ينقله اليهم ويريدون التأكد مني مباشرة؟!. ثم ألا يعرف الياس أن أجهزة الهاتف السرية لم تعد سرية ويجازف بهذا الاتصال الهاتفي بقضية تخص الثقة بشخص صدام ذاته؟!. بعد ذلك أكمل صدام خطوته بالتوجه الي فرنسا لما لها من إمكانيات متقدمة في المجال العسكري والنووي وكدولة قوية في العالم الغربي وصديقة للعالم العربي. وكانت زيارة صدام لفرنسا عام 1972 ـ بعد تأميم النفط مباشرة ـ قد فتحت الطريق لعلاقات نوعية جديدة بين البلدين، تلك التي تطورت مع مرور السنـــــين لتشمل تجـــــهيز طـــــائرات حربية متقدمة وصواريخ وسفـــــن حربيــة ومفاعلات ذرية.

سورية أول دولة تبلغ بقرار التأميم قبل اعلانهقبل أن يعلن البكر عبر الإذاعة والتلفزيون قرار التأميم مساء الأول من حزيران (يونيو) 1972طلب صدام استدعاء السفيرالسوري الي بناية المجلس الوطني حيث مكتبه.. كانت غرف المجلس وصالاته في ذلك اليوم تحولت الي خلية لإدارة العمليات التنفيذية لقرارالتأميم تشبه مراكز إدارة العمليات العسكرية، الجميع في حركة دائمة وسريعة، الهواتف مشغولة، المركبات الرسمية جاهزة والمواعيد الاعتيادية ملغاة. في هذه الأجواء تم إبلاغ السفير بقرار التأميم قبل ساعات من إعلانه كي تستعد سورية لاتخاذ موقف يتماشي مع الخطوة العراقية، فكان أن عبر السفير عن شكره وتهانيه. أما الإعتبارات الكامنة وراء إبلاغ سورية لا شك أنها أكثر مما يعتقد، من أبرزها أن قرار التأميم العراقي ( القانون رقم 69 لسنة 1972 بتأميم شركة نفط العراق المحدودة ) يشمل من الناحية القانونية الخط الناقل للنفط حتي الحدود العراقية ـ السورية فقط، إذ كان هم العراق محصورا في أن تبادر سورية من جانبها الي تأميم الخط الواقع ضمن حدودها، من أجل إبعاد شركة نفط العراق المؤممة عن التأثير وممارسة الضغوط. وبالفعل إذ لم تمض سوي ساعات علي إعلان قانون التأميم رسميا في العراق واعتبار نفاذه من يوم 1/ 6/1972 حتي أعلنت سورية في اليوم التالي تأميم خط النفط الذي يمر عبر أراضيها، ومرافق تحميل النفط في ميناء بانياس. أما خط النفط عبر الأراضي اللبنانية ومرافق تحميل النفط في ميناء طرابلس فلم تمثل آنذاك حاجة ملحة للعراق وتم تأجيل بحثها الي وقت لاحق. الهوامش (1) كانت شركة نفط العراق IPC تحظي منذ عام 1925 بعقد امتياز للتنقيب واستخراج النفط في المنطقة الشمالية الشرقية من العراق ومحور نشاطها منطقة كركوك الغنية بالنفط. وشركة نفط الموصل MPC ـ التي كانت تحظي بعقد امتياز منذ عام 1932 تنازلت عن حقوقها وموجوداتها ضمن التســـوية الشاملة التي انتهت اليها المفاوضات في 28 شباط (فـــــبراير) 1973. أمــــا شركة نفط البصرة BPC ـ ذات عقد الامتياز منذ عام 1938 ـ العاملة في الجنوب فقد جري تأميمها علي مراحل فيما بعد ـ 1973 و1975. وللعلم كانت مدة عقد الامتياز لكل منها 75 عاما، فيما شملت تلك العقود مساحة العراق كلها تقريبا. فعقد امتياز شركة نفط البصرة، مثلا، كان يغطي إجمالي مساحة العراق الواقعة جنوب خط العرض 33، الممتد بالقرب من مدينة بدرة شرقا والمحمودية وسطا والرطبة غربا.(2) نشرت الصحف العراقية النص الكامل للخطاب في اليوم التالي ومن بينها صحيـــفة ( الثورة ) بعددها 4347 الصادر في 12 نيسان (ابريل)1982، كما قامت الملحقيات الصحفية في سفارات العراق في الخارج بطباعة وتوزيع نص الخطاب المذكور لأهميته.(3) كان قد اتفق مع الإتحاد السوفيي تي في البروتوكول الموقع في آب (اغسطس)1971 علي مد أنبوب لنقل النفط من الحقول الجديدة في جنوب العراق الي البحر المتوسط بطول 1250 كيلومترا وبقطر 48 بوصة وبطاقة نقل 50 مليون طن سنويا.(4) الدكتور الياس فرح، سوري، عضو القيادة القومية وكان مقيما في العراق آنذاك، مسؤول مكتب الثقافة والإعلام في القيادة القومية ومدير مدرسة الإعداد الحزبي في بغداد. 7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية