هكذا عرفت البكر وصدام: رحلة 35 عاما في حزب البعث (1)

حجم الخط
0

هكذا عرفت البكر وصدام: رحلة 35 عاما في حزب البعث (1)

البعثيون استغلوا موقف الحزب الشيوعي المؤيد لقرار تقسيم فلسطين لتعزيز طروحاتهم وكسب عطف الجماهيرطلبة سوريون حملوا فكرة البعث للعراق.. والطالب التونسي ابو القاسم كرو كان من الذين اداروا التنظيمهكذا عرفت البكر وصدام: رحلة 35 عاما في حزب البعث (1)عرض: هارون محمد يصدر قريبا كتاب جديد للدكتور فخري قدوري أحد قياديي حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق، أوائل عقد الخمسينات من القرن الماضي، ووزير الاقتصاد في اول حكومة بعثية برئاسة الرئيس أحمد حسن البكر، عقب نجاح انقلاب 17 -30 تموز (يوليو)1968 جمع فيه بين السياسة والاقتصاد والتنمية والنفط والعلاقات الدولية، وحرص علي تضمينه أبرز الاحداث التي شارك في صنعها، أو تلك التي كان قريبا منها أو شاهدا عليها، خلال فترة امتدت أكثر من عشر سنوات، ابتداء من عام 1968، وفيها تسلم الدكتور قدوري مسؤولية أكثر من موقع متقدم ومنصب عال في الدولة العراقية، وخصوصا وزارة الاقتصاد ورئاسة مكتب الشؤون الاقتصادية في مجلس قيادة الثورة (أعلي هيئة تنفيذية وتشريعية) في العراق لاكثر من ثلاثة عقود، ومحافظ البنك المركزي العراقي، وعضوية العديد من اللجان الاقتصادية والاستشارية، قبل ان ينتقل الي ميدان العمل العربي المشترك، ويصبح أمينا عاما لمجلس الوحدة الاقتصادية. والكتاب الذي سيصدر في نهاية العام الحالي عن دار الحكمة في لندن، يتضمن أيضا جوانب من السيرة الشخصية والعائلية والوظيفية للدكتورفخري قدوري، وذكرياته الحزبية، ويعكس تجربة خاضها بقوة واقتناع، ومعايشة ميدانية وسياسية للكثير من الاحداث والوقائع التي شهدها العراق خلال فترة حاسمة من تاريخه المعاصر، وهي أحداث لا بد من الاعتراف بأهميتها وتطوراتها، لما حملته من تحولات ومضامين كبري في تعزيز دور العراق العربي الرائد، ومكانة الدولة العراقية علي الصعد العربية والاقليمية والدولية. ومن سيطلع علي ما ننشره من فصول الكتاب الذي اختار مؤلفه عنوانا له (هكذا عرفت البكر وصدام.. رحلة 35 عاما في حزب البعث) سيلاحظ بلا عناء حجم المعاناة العراقية علي طريق البناء والنهوض في مواجهة التحديات والضغوط والاملاءات والارادات الخارجية، بغض النظر عن طبيعة الحكم والسلطة في ذلك الوقت، الامر الذي يؤكد ان القوي المعادية للعراق كانت دائما تتحين الفرص لاعاقة مسيرته وعرقلة تقدمه، واستغلال الظروف وتوظيف أخطاء سلطات الحكم للاجهاز عليه، وسيلمس القاريء ايضا نبرة يختلط فيها الحزن والاسي والاحباط، في ملاحظات وتعليقات الدكتور فخري قدوري وهو يتناول مصيرالكثير من الانجازات التي قوضت، والتحولات الي خربت، والتضحيات التي ضيعت، ومن الطبيعي ان نتفهم انتقاداته الحادة احيانا للقيادة العراقية السابقة التي ارتكبت أخطاء سياسية قاتلة لا جدال فيها، وفي مقدمها الانفراد في الحكم، والتعاطي الفوقي والمزاجي مع شخصيات عراقية وطنية وقومية وديمقراطية في داخل الحزب مثل الدكتور فخري وغيره من البعثيين او خارجه من القوي الاخري، لكن من الضروري في المرحلة الراهنة والعراق يرزح تحت وطأة احتلال بغيض، ان نستفيد من تجارب الماضي القريب وعبره، وايضا من أخطائه التي دفع العراقيون ثمنها غاليا. وعموما .. فالكتاب سجل يوثق فترة من تاريخ العراق الحديث، حافلة بالنجاحات، ومليئة بالمرارات ايضا، ولكنها رغم كل شيء تبقي حية في الذاكرة العراقية تستعيدها الأجيال في أوقات الشدة والمحن والاختبارات الصعبة، خصوصا تلك الاحداث الكبري، ابتداء من انجاز تأميم النفط العراقي مرورا بالطفرة الاقتصادية والمشاريع الاستراتيجية وانتهاء بالتحولات التنموية والنهضوية التي غطت العراق.. ولا بد هنا من ايراد لمحة من سيرة المؤلف الدكتور فخري قدوري المولود في بغداد 1932، فهو متخرج من كلية التجارة العراقية 1956 حصل علي شهادة الماجستير في الاقتصاد من جامعة (آيوا) الامريكية 1958 وحاز علي شهادة الدكتوراه في التخطيط الاقتصادي من جامعة كولونيا الالمانية 1964. شغل مناصب وزارية وحكومية أشرنا اليها، وفي ما يتعلق بأدواره الحزبية فانها بسيطة ومتواضعة، باستثناء فترة التأسيس وهو واحد من فرسانها، أيام كان الحزب مجموعات من الشباب والطلبة قبل ان يتحول الي تنظيم شعبي محكم واسع الانتشار، ويحوز علي الشرعية السياسية (القطرية) كجزء مهم وأساسي في القيادة القومية للحزب ومقرها دمشق. وواضح ان ميول الدكتور فخري العلمية واهتماماته الاكاديمية ودراسته في الخارج، اضافة الي طبيعته الهادئة واعتداده بنفسه، كانت من العوامل التي حالت دون انخراطه الكامل في النشاط الحزبي الذي يتطلب من يتصدي له في ظروف العراق في عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي، الي سمات ومواصفات خاصة تتميز بالاقتحامية وخوض المعارك مع الاخرين، كما ان ملابسات مرحلة 17تموز (يوليو) 1968 وما بعدها، كانت تتطلب شخصية قيادية ذات طبيعة صارمة، وهي ميزات يفتقر اليها الدكتورفخري قدوري، وبالتالي ظل موقعه هامشيا في الحزب، رغم المواقع والمناصب الحكومية المرموقة التي تسلمها.تجربتي في حزب البعث العربي الاشتراكيغرس بذور الحزب الأولي في العراق فايز اسماعيل ووصفي الغانم والشاعر المعروف سليمان العيسي، الذين قدموا من سورية في أواخر الأربعينات طلبة يدرسون في الكليات العراقية، فشرعوا بتركيز جهدهم السياسي علي إقناع الطلبة العراقيين بجدوي الانتماء الي صفوف الحزب، وكان فائز اسماعيل أنشطهم، وقد سجلوا نجاحا سريعا بسبب المشاعر الوطنية والقومية الملتهبة والمتأججة في نفوس الشباب في تلك الفترة. أديت القسم حين دخولي الحزب عام 1948 أمام فايز اسماعيل بحضور طه علي الرشيد، والأخير طالب عراقي من أصل سعودي، وكنا في ذلك العام ـ أنا وطه علي الرشيد ـ طالبين في ثانوية الأعظمية في بغداد. وصادف بعد ترديد القسم بفترة قصيرة ان اتخذت إدارة المدرسة قرارا بفصلنا للسنة الدراسية 1948 ـ 1949 وهي السنة الأخيرة المتبقية من دراستنا الثانوية، وكانت التهمة الموجهة الينا، تحريض الطلبة علي التظاهر يوم 19كانون الثاني )يناير) 1949 في الذكري السنوية الأولي لوثبة الشعب ضد معاهدة بورتسموث. وبعد وساطات وضغوط متعددة قررت إدارة المدرسة ابدال عقوبة الفصل بأخري أخف من ثلاثة بنود هي: الفصل لمدة أسبوعين، وتخفيض درجة السلوك الي النصف، ونقلنا الي مدرستين بحيث لا نجتمع نحن الإثنين في مدرسة واحدة (1) وبعد ان نجح رفاقنا السوريون في كسب عدد من الرفاق في بغداد وإنجزوا متطلبات دراستهم غادروا العراق تباعا ليتولي عبد الرحمن الضامن ـ من سكنة الأعظمية ـ مهمة الإشراف علي لبنة الحزب في القطر العراقي وتأمين الصلة بقيادة الحزب في سورية وتلقي التوجيهات منها. وكان الضامن يعهد بمهمة الإشراف علي شؤون الحزب خلال فترات زياراته لسورية، الي يحيي ياسين وهو محام من سكنة الأعظمية أيضا (2) بعد أن ترك عبد الرحمن الضامن الحزب نهائيا ـ بسبب ما قيل عن مرضه تارة وابتعاده الفكري عن الحزب تارة اخري ـ تولي أبو القاسم محمد عمر كرو من تونس عام 1950 علي وجه التقريب مهمة الإشراف علي التنظيم الحزبي وكان طالبا في دار المعلمين العالية في بغداد. وكانت القيادة في سورية هي التي تعين مسؤول التنظيم في العراق الذي يمارس مهمته الحزبية كأمين سر القطر تقريبا، حيث لم تكن هناك قيادة قطرية بالمفهوم التنظيمي والإنتخابي في تلك الفترة. وكان الارتباط الحزبي بين الرفاق وكل من الضامن وياسين، وحتي مع كرو في البداية، ارتباطا فرديا او انفراديا.وفي خضم الإضرابات والمظاهرات في تلك الفترة قام مسؤولو الخلايا في الكليات وكنتُ واحدا منهم بالضغط علي ابو القاسم كرو لجعل مهمة تسيير الحزب بيد مجموعة يكون كرو علي رأسها، فتم تحويل الإشراف علي الحزب في العراق لأول مرة من مهمة فردية الي مسؤولية جماعية.اختياري أمين سر التنظيم بعد ابو القاسم كروبعد أن قارب كرو علي الإنتهاء من دراسته الجامعية ورحيله عن العراق عهدت القيادة في سورية إليّ بمهمة تسيير أمور الحزب في القطر العراقي وكان ذلك عام 1952 وكنتُ ما زلتُ حينها طالبا في كلية التجارة والاقتصاد. وكانت المراسلات مع القيادة في سورية، وعلي وجه الخصوص مع صلاح الدين البيطار وفائز اسماعيلتسير بقنوات سرية. كان ابو القاسم كرو لطيف المعشر، حسن التصرف، مجاملا في تعامله مع زملائه ورفاقة وهم كثر، في الوقت الذي عاش فيه حياة بسيطة للغاية، وكان من ذوي المهارات العالية في لعبتي الشطرنج والدومينو، فتراه يدعو زملاءه الي اللعب أثناء ترددهم علي مقاهي منطقة باب المعظم وتلك المقابلة لوزارة الدفاع القريبة منها، وكان ابو القاسم الفائز دائما، وكانت الجائزة التي يحصل عليها من انتصاراته في اللعبات هي عبارة عن سندويج أو (لفة) تكة او كباب كما تسمي في العراق. وكانت داري في الأعظمية تحتضن الاجتماعات الحزبية منذ أن تولي كرو مسؤولية التنظيم مرورا بمسؤوليتي كأمين سر التنظيم واستخدام أجهزة الاستنساخ والكثير من اجتماعات القيادة وآخرها انعقاد المؤتمر القطري الأول عام 1955 ومن الصدف الفريدة أنه وبعد مرور أكثر من عشرين عاما شهدت الدار ذاتها في شهر آذار (مارس) 1976 حلقة تثبيت تاريخ الحزب في العراق تحت إشراف شبلي العيسمي ـ الأمين العام المساعد في القيادة القومية (3). ارتفع عدد خلايا الحزب بين طلبة الثانويات والكليات في بغداد بسرعة، وبدأت أعداد أخري تتشكل منهم في مدن مختلفة وساهم الطلبة الرفاق الذين كانوا يدرسون في بغداد ويعودون الي مدنهم في العطل المدرسية بتكوين الخلايا. كان التثقيف الحزبي وكسب الأعضاء والأنصار والمؤيدين يجري عبر الكتيبات والنشريات التي تردنا من القيادة في دمشق، فيما كان الأعضاء والأنصار يكلفون بالاستنساخ عن طريق الكتابة باليد قبل توافر الآلات الطابعة وأجهزة الاستنساخ (4) أما النشرات الداخلية الواردة من دمشق وتلك المعدة من قبل تنظيم الحزب في العراق فكان تداولها محصورا بين الأعضاء كأحد الإجراءات التنظيمية السرية. وكانت مالية الحزب تعتمد أساسا علي مبالغ الاشتراكات الشهرية للأعضاء والأنصار، الي جانب التبرعات التي يقدمها مؤيدو الحزب. وقد ركز الحزب نشاطه في عملية كسب أعضاء جدد علي المتعاطفين مع حزب الاستقلال حيث كان شعورهم هو الأقرب لطروحات حزب البعث العربي الاشتراكي. وكان الند الكبير لحزبنا ـ من حيث الطروحات الفكرية والأسس التنظيمية والتغلغل الجماهيري ـ يتمثل بالدرجة الأولي في الحزب الشيوعي. ولم تكن فترة نشوء الحزب وتنظيم الخلايا والفرق سهلة في فترة نهاية الأربعينات ومطلع الخمسينات بسبب مواقفه المناهضة لسياسات الحكومات من ناحية والمراقبة الشديدة من قبل أجهزة الأمن من ناحية أخري، اضافة الي التنافس الفكري والجماهيري مع الأحزاب الأخري من ناحية ثالثة. كان التنظيم الطلابي مرنا، فالخلايا تقوم علي أساس المدرسة او الكلية أثناء الدراسة ثم تعود كل عام لتتكيف علي أساس المدينة او المنطقة السكنية في العطل الدراسية. وكان التوجيه الثابت هو كسب الأعضاء عن طريق الانتقاء حيث تم، علي سبيل المثال،كسب علي صالح السعدي (5) الطالب في كلية التجارة والاقتصاد، واستقطابه الي صفوف الحزب من قبل الخلية القائمة في كليته، لما كان يتمتع به من روح وطنية وصفات جسورة وأهلية جسمية في حال الإشتباكات مع الآخرين. وعلي المنوال نفسه تم في تلك الكلية أيضا كسب الطالب اياد سعيد ثابت بعد ان لوحظ عليه اندفاعه الوطني وجرأته وإقدامه، رغم الهدوء الظاهر عليه (6) وهكذا بقيت تنظيمات الحزب لفترة طويلة محاطة بسرية مطلقة (7) وكان عدد الخلية الواحدة يتراوح في العادة بين 4ـ 5 أعضاء ويتقلص الي 2 ـ 3 في أيام التوتر الأمني. وكانت الخلية تعقد اجتماعا حزبيا مرة في الأسبوع في منزل آمن لأحد الرفاق، وإن تعذر ذلك فيعقد الاجتماع أثناء عملية تجوال، او في زورق نهري. وتنطبق هذه الصيغة علي خلية الأنصار أيضا التي يديرها أحد أعضاء الحزب (8) وبقي الحزب سنوات يحجب اسمه فيستخدم عـبـارات عـامة في بـيـانـاتـه الأولـي (9)مـثـل : الشباب العربي و الشباب القومي العربي و الاشتراكيون العرب . وينطبق هذا علي أسماء المكتبات التي أنشأها الأعضاء في بغداد وسواها من المدن كمحلات لبيع الكتب في الظاهر، وهي في الواقع أماكن للقاء وكسب الأعضاء. وكانت المسقفات المؤقتة المسماة محليا )الجراديغ ( المقامة علي شواطئ نهر دجلة في فصل الصيف، اضافة الي الرحلات الجماعية الي خارج المدن ونصب المخيمات كانت وسائل استخدمها الحزب لتعزيز الروح الرفاقية بين الأعضاء والأنصار والمؤيدين وتعميق روح الانضباط لديهم. كنا أنا وفؤاد الركابي أحيانا وتحسين معلة أحيانا أخري نرتب سفرات الي المدن الواقعة خارج بغداد لكسب أعضاء جدد وأداء القسم لهم وتوثيق الصلة بالخلايا في تلك المدن. وتواصل هذا النشاط علي أيدي الرفاق القياديين حتي شملت الخلايا والفرق بحلول عام 1955 مدنا كثيرة: البصرة والناصرية وسوق الشيوخ والنجف وكربلاء والكوفة والعمارة والسماوة والرميثة والحلة وبعقوبة وسامراء والموصل والفلوجة والرمادي والحبانية وحديثة وعانة وراوة وحصيبة. وفي فترة قصيرة نسبيا أمدها ثماني سنوات فقط ـ من أيام غرس البذور الأولي عام 1948 الي تاريخ عقد المؤتمر القطري الأول عام 1955 ـ تمكن الحزب من توسيع قاعدته وإقامة تنظيماته المتكاملة وتعزيز دوره علي الساحتين النضالية والسياسية. ومن معالم هذا التطور:اولا- انتشار الخلايا والفرق في عموم العراق، من شماله الي جنوبه ومن شرقه الي غربه، ووصول التنظيم في العراق الي مستوي فرع.ثانيا- امتداد الخلايا الي شرائح المجتمع المختلفة: الطلبة والكسبة والفلاحين والعمال والنساء والجيش والطبقة المثقفة وغيرهم.ثالثا- تأسيس المكاتب الاختصاصية لاستيعاب التوسع الحزبي: المكتب المالي والثقافي والطلابي والنسوي والعسكري الي جانب مكتب الاتصال الخارجي.رابعا- حيازة أجهزة الطباعة والاستنساخ، وتنظيم الأوكار، وتفريغ أعضاء للعمل الحزبي.خامسا- الانتقال من السرية الي العلن بطرح اسم الحزب ودوره في القضايا السياسية العامة والجماهيرية ومد جسور الحوار مع الأحزاب الأخري لتعزيز جبهة النضال الوطني، مع الإبقاء علي سرية التنظيم والانضباط التام لدي الأعضاء والأنصار. في الواقع كانت هناك عوامل عديدة ساعدت في تلك الفترة القصيرة علي تحقيق كلذلك. فمشاعر الناس الوطنية وصلت الي الذروة بسبب أحداث متتالية من أبرزها علي الساحة العراقية انتفاضة الشعب ضد معاهدة بورتسموث ومن بعدها حلف بغداد، وعلي الساحة العربية قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين والفشل العسكري العربي في الساحة الفلسطينية والإطاحة بالنظام الملكي في مصر وغيرها. وكان أعضاء الحزب يشعرون بثقة عندما كانو يطرحون أفكارهم القومية والاشتراكية وسط الجماهير وفي مداخلاتهم الفكرية مع الآخرين. وقد استغل البعثيون موقف الحزب الشيوعي المؤيد لقرار تقسيم فلسطين واستخدموه ضده لتعزيز طروحاتهم وكسب عطف الجماهير.المؤتمر القطري الاول للحزب وانتخاب الركابي أمين سر أول قيادة قطريةبعد أن قطع الحزب مرحلة التأسيس والتنظيم والتغلغل الجماهيري من ناحية، ومد جسور الحوار مع الأحزاب الأخري من ناحية أخري، ظهرت الحاجة لعقد مؤتمر قطري تنبثق عنه قيادة نظامية لمواجهة المهمات الجديدة ومعالجة الثغرات التنظيمية. فمنذ عام 1952 ظهرت بوادر تكتلات داخل القيادة. وبعد عامين بدأت تنظيمات الحزب، وخاصة الأوكار الطباعية منها، تتعرض الي الكشف من قبل أجهزة الأمن ما أوجد قلقا لدي الأعضاء ترافق مع ضغوط من قواعد الحزب لجعل الانتخاب الوسيلة لتشكيل القيادات علي مختلف المستويات بعد أن كان يجري تشكيلها عن طريق التعيين. في أواخر كانون الأول )ديسمبر) 1955 عقد أول مؤتمر قطري في داري الواقعة في الأعظمية وسط ظروف أمنية صعبة، وحضر المؤتمر نحو 25 رفيقا ورفيقة، أعضاء القيادة آنذاك وممثلين عن تنظيمات بغداد والمدن الأخري ومكاتب الحزب إضافة الي التنظيم النسوي. وكان العلم العربي (10 ) علم الحزب ـ يغطي طاولة المؤتمر. وبعد مناقشة بنود جدول الأعمال والتقارير انتخب المؤتمر قيادة الحزب للقطر العراقي بالاقتراع السري وهم:فؤاد الركابي وتحسين معلة وجعفر قاسم حمودي وشمس الدين كاظم وعلي صالح السعدي وفاهم كامل الصحاف وعبد الله الركابي. ثم جري انتخاب فؤاد الركابي أمينا للسر.هوامش:(1) توجه طه علي الرشيد الي إحدي المدارس الثانوية في مدينة البصرة حيث كانت عائلته تقيم، وكان نصيبي ـ بعد جهد جهيد ـ الثانوية المركزية في العاصمة بغداد مسقط رأسي، ذلك أن إدارة المدرسة رفضت في البداية قبولي فيها بسب العقوبات الثلاث المدونة علي وثائق انتقالي وخشيتها من قيامي بتحريض الطلبة علي المظاهرات والاضرابات. وبعد اجتياز الامتحانات النهائية دخلت كلية التجارة والاقتصاد، وعاد طه علي الرشيد الي بغداد ودخل الكلية ذاتها، وهكذا التقينا مرة أخري في السنة الدراسية 1949 – 1950في أول خلية حزبية في تلك الكلية. وكان طه من أبرز الأعضاء النشطين، ولكنه لم يستطع إكمال سنته الدراسية الرابعة والأخيرة في الكلية حيث اضطر الي الهروب الي السعودية ـ موطن آبائه ـ بسبب ملاحقته من قبل الأجهزة الأمنية والقضائية في بغداد.(2) بعد تولي حزب البعث الحكم في تموز )يوليو) 1968 عين يحيي ياسين رئيسا لديوان رئاسة الجمهورية وكان محل ثقة الرئيس أحمد حسن البكر. وبعد سنوات عديدة وتحت ضغط من صدام حسين أبعد عن منصبه المذكور وعين رئيسا لديوان الرقابة المالية.(3) اتصل بي شبلي العيسمي في منتصف شهر آذار (مارس) 1976 ـ حين كنتُ رئيسا لمكتب الشؤون الاقتصادية لمجلس قياة الثورة ـ مستأنسا برأيي عن قضايا عالقة حول تاريخ الحزب في العراق لم يحسم الموقف فيها لاختلاف الرأي بشأنها. فاقترحت أن أقوم بدعوة أكبر عدد ممكن من الرفاق الأوائل الي داري التي احتضنت أول مؤتمر قطري عام 1955ويكون العيسمي علي رأس المدعوين للاستماع بنفسه الي آرائهم وذكرياتهم.. وبالفعل حضر العيسمي بمعية طاقم فني لتدوين الوقائع والأحاديث علي أشرطة تسجيل. ومن بين الرفاق الذين حضروا: الدكتور عبد الرحمن منيف وشفيق الكمالي وجعفر قاسم حمودي وشمس الدين كاظم وغيرهم. وفي عام 1993بدأت لجنة توثيق تاريخ الحزب لدي مكتب الثقافة والإعلام في القيادة القومية بنشر تاريخ الحزب في العراق علي حلقات في جريدة الثورة العراقية. (4 ) تولي الرفيق يحيي ياسين شراء أول آلة طابعة يدوية من منطقة مجمع المحاكم بجانب موقع السراي الحكومي وسط بغداد، وكنتُ من بين مجموعة الرفاق المكلفين بالإشراف علي تسلم هذا الكنز الثمين وإيصاله الي حيث جري تكليف ثلاثة نقالين حمالين بنقلها، كلّ لمسافة قصيرة لمنع تتبع مسار طريقنا كاملا، حتي تم إيداعها في بيت الرفيق زكي الخشالي الذي تولي مهمة طباعة بيانات الحزب ومنشوراته عليها. أودعت أول آلة استنساخ رونيو في داري، وكان العمل بها صعبا مع انتاجية رديئة وبطيئة لاعتمادها علي مادة الإسبرتو . أما أول آلة إستنساخ رونيو جيدة تعمل يدويا باستخدام الورق الشمعي إستنسل فلها قصة فريدة. فقد أعلمنا فؤادالركابي في حينه بوجود ترتيبات لنقل هذه الآلة من سورية، مهداة من الحزب هناك، الي بغداد عن طريق النفوذ العشائري للرفيق فيصل حبيب الخيزران الذي أكد هذا الاتفاق. وبعد فترة علمنا بوصول الآلة الي بغداد وأودعت في وكر طباعي.(5) بعد تخرج علي صالح السعدي من الكلية تدرج في أعلي المراكز الحزبية: عضو القيادتين القطرية والقومية، أمين سر القيادة القطرية، عضو المكتب العسكري للحزب. تولي منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية في الحكومة التي أعقبت انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963 وكان عضوا في المجلس الوطني لقيادة الثورة ثم انتهي وضعه بعد تسعة أشــــهر مبعدا الي العاصمة الاسبانية مدريد.(6) بعد تخرج إياد سعيد ثابت من الكلية تدرج في موقعه الحزبي حتي أصبح عضوا في القيادة القطرية، وكان يقوم بمهمات خاصة وتم اعتقاله لمشاركته في محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم عام1959.(7) كإجراء احتياطي أمني كانت أسماء الرفاق مدونة في سجل العضوية كرموز عن طريق الأرقام بتسلسل عكسي للحروف، فيما كان مفتاح حلها محفوظا في مكان آمن آخر. فالعدد، علي سبيل المثال: 7ـ19-1ـ17ـ 5ـ4ـ26ـ28ـ9 يقرأ كريم شنتاف .(8) من علامات الإنضباط فرض عقوبة مالية علي العضو او النصير الذي يتأخر ربع ساعة عن موعد الجتماع الحزبي، حيث تبلغ العقوبة تغريمه عشرة فلوس وهو مبلغ موجع في مقاييس ذلك الزمان!، وهو مرادف لعقوبة القرش المطبقة في القطر السوري آنذاك.(9) صدر أول بيان باسم الشباب العربي في العراق في جريدة الجبهة الشعبية بعددها في 7شباط (فبراير) 1949 منددا بالتحالفات الاستعمارية وسياسة حكومة نوري السعيد وعقد اتفاقية نفط جديدة مؤكدا أن لا بديل للعراق غير تأميم النفط، داعيا الجماهير الي النضال الشعبي ضد المعاهدات والأوضاع الاستعمارية في كافة أرجاء الوطن العربي ولتحقيق أهداف الشعب الأساسية في الوحدة والحرية والاشتراكية. كان الموقعون: وصفي الغانم، فؤاد احمد، ابو القاسم كرو، عدنان لطفي، فخري قدوري، عبد الله السامرائي، غازي جاسم، شفيق الكمالي، مصطفي حفاونة، سعيد غراين، محمد جميل، زهير مصطفي، جاسم محمد.(10) هو العلم المعتمد علي راية الثورة العربية إبان الحرب العالمية الأولي، وهو ذات العلم الذي يرفعه الفلســــطينيون رمزا لهم ولدولتهم المأمولة.7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية