هكذا قالت الببغاء..

حجم الخط
0

سهيل كيوان

الله أكبر الله أكبر، هذه التكبيرات لم ينشرح لها صدر صاحب المنزل ولا زوجته، أولا لأنهما ليس لأجل هذا اقتنيا الببغاء، وثانيا لأن التوقيت لم يناسبهما فهو ينطق بها كل يوم قبل دلوك الشمس، وثالثا لأنهما يهوديان متدينان ولا يطيقان سماع الله أكبر بالعربية حتي وهي بعيدة عنهما فما بالك عندما تصل الي صالون البيت! ولهذا حاولا إقناع الببغاء أن يصلي بالعبرية.. ولكن الببغاء أبي واستكبر وتمسك بموقفه مقررا الاستشهاد دون قناعته، حينها قررا إعادته من حيث اقتنياه بنصف السعر، وبعد التحقيق تبين أن الببغاء عاش فترة العلم بالصغر في قرية كفر قاسم!

قصة الببغاء حصلت في الأسبوع الماضي الذي قام فيه يهودي من أصل فرنسي تائب الي الله باستدعاء سيارة أجرة لنقله من القدس الي تل أبيب وأصر أن يكون السائق عربيا، وعندما وصلا تل أبيب قام اليهودي التائب باستدراج العربي الي شقته وهناك سلم روحه الي بارئها بعد ذبحه علي الأرجح احتفاء بتوبته وبمرور أربعين عاما علي توحيد القدس الذي صادف في الأسبوع نفسه!

لم يهتف اليهودي كالببغاء الله اكبر وهو يذبح إنسانا بل اكتفي بالهتاف بحبور وفرح وكأنه يقرأ مزمورا ذبحت عربيا وكي لا يتهمه أحد بالاحتيال علي القانون أو محاولة التملص من طائلته فقد سلم نفسه لأول شرطيين صادفاه في الشارع وهو في غاية الرضي! عندما سمعنا أخبار هذه الجريمة تذكرنا الكثيرين من سائقي سيارات الأجرة الذين تعرضوا للقتل أو للجرح وللسطو فهذه المهنة في مناطق الصراع القومي أو الطائفي خطيرة بالفعل، خصوصا عندما يُلزم القانون السائق بتثبيت لافتة باسمه فوق رأسه فيُحرم من هامش المناورة الضيق، ولا يبقي علي المسافر الكريم سوي أن يقرر بنفسه إذا كان السائق يستحق القتل أم مسامحته بالفراطة.. حسب التساهيل!

بعد الحادثة كان طبيعيا أن نتوقع إعلان الشرطة بأن الرجل غير طبيعي ويعاني من مشاكل نفسية بل وقد تكون جذورها وأسبابها العرب أنفسهم كما حصل في حالات مشابهة سابقة، ويكفي القاتل للحصول علي هذه الشهادة أن يمد لسانه أمام الكاميرات وأن يتمرقح في المحكمة ثم أن يبتدع قصة عن عرب اعتدوا عليه في طفولته، ويفضل أن يكون الاعتداء جنسيا كي يتوافق مع الفكرة السائدة عن العرب الجائعين للجنس، حينئذ يبدأ التعاطف معه، ثم يُنقل للفحص وبين إثبات وشك يخفف الحكم عليه، فالفلسطينيون والعرب لا يقتلون منذ عام النكبة حتي اليوم إلا بأخطاء فنية أو بسبب امراض نفسية طارئة تهاجم قاتليهم، أو أنهم يقومون بمهمة قتل أنفسهم بأيديهم دون تدخل ذراع سلاح الجو والمدرعات الإسرائيلي، ولولا الأخطاء والأمراض والانتحار لتحققت أمنية شمعون بيرس بالتعايش السلمي بين اسرائيل وجاراتها وأكلوا الحمص والفول الطازج علي طبق واحد في الشرق الأوسط الجديد! وهكذا فإن مسؤولي حرس الحدود ووزارة الدفاع يزعلون عندما يأخذ أحد المواطنين المبادرة ليديه ويقتل عربا، لأنه يضمر بتصرفه هذا اتهاما مبطنا لهم بالتقصير بالقيام بالواجب، ثم ان القتل بدون استشارة مهنية يضطر السلطة لمحاكمته تطبــيقا لمبادئ الديمقراطية، علما بأنه لو أخذ استشارة لما كلفه قتـــــــــــل تسعة وأربعين فلسطينيا سوي دفع قرش واحد كما حـدث في كفر قـــــــــــاسم بلد الببغاء المذكور عام 1956. بين حين وآخر يتوب أحدهم وخير ما يفتتح به عودته الي الله هو ارتكاب جريمة بحق العرب، هكذا فعل عامي بوبر في مجزرة ريشون ليتسيون (عين قارة) عام 1989 الذي ما لبث أن صار يطلق سراحه في إجازات طويلة ومتقاربة حتي تحطم في حادث طرق قبل شهرين ليتضح أنه يعيش خارج السجن أكثر مما يعيش داخله، وهو الذي قتل سبعة عمال فلسطينيين فقط لا غير! وكما فعل غولدشتاين في الحرم الإبراهيمي ونتان زادة في شفاعمرو وغيرهم وهكذا أحرق منبر صلاح الدين في الأقصي عام 1969! المسؤولون الحكوميون وقادة الجيش يزاودون تحريضا علي العرب علي مدار الساعة، وعندما يقوم أحدهم بترجمة القول الي فعل ينسبونه الي المختلين نفسيا!

وليس علي المريض حرج!

علي كل حال هذا درس حفظــناه عن ظـــــــهر قلب، ولكن أي عذر ممكن التماسه لمن يتذابحون في غزة وكلهم مرشح للذبح جوا وبرّا وبحرا بيد الاحتلال! وإذا كنا نتفهم الببغاء، فكيف نتفهم هذين الطرفين عندما تصيح جموعهم الله أكبر الله أكبر وهم يطلقون النار علي بعضهم وأثناء تشييع قتلاهم وقتلي شركائهم في الهم والمصير! كاتب من فلسطين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية