لي ـ أون هدارفي عصر يروجون فيه لكل سياسة حمقاء باعتبارها ‘رواية’، يحسن أن نتذكر الفنان الكبير في هذه اللعبة، هنري كيسنجر، وزير الخارجية الامريكي السابق، الذي عرف استعمال جملة جيدة من اجل تحويل هزيمة استراتيجية الى قصة نجاح دبلوماسي.
بعد سنين من محاولات عزل الصين الشيوعية، اعترف كيسنجر بالخسائر الضخمة التي تصحب هذه السياسة وبادر الى حوار مع بكين. عُرفت سياسة مصادقة الطاغية ماو تسي تونغ والانفصال عن تايوان التي كانت صديقة الولايات المتحدة سنين طويلة، عُرفت باسم ‘الانفتاح للصين’، باسم رحلات ماركو بولو الشهيرة.
رد باراك اوباما على العواصف في الشرق الاوسط يمكن أن يُعد كسينجريا لانه يحاول أن يؤلف بين سلسلة هزائم امريكية استراتيجية ضمن رواية مدعومة تُسمى ‘التغيير’. إن سقوط الطاغيتين المواليين لامريكا في تونس ومصر والخطر الذي يزداد على نظم حكم عقدت أحلافا مع واشنطن (البحرين) أو لها اعمال معها (اليمن)، يمكن ان تعتبر ضربة ضخمة لمصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية. اذا زدنا على ذلك التدخل العسكري في العراق، والحرب التي لا تنتهي في افغانستان، ومسيرة السلام الاسرائيلي ـ الفلسطيني المعلقة، وبرنامج ايران الذري والفرق الذي أخذ يكبر بين مصالح الولايات المتحدة وتركيا، تبين أن عصر الهيمنة الامريكية على الشرق الاوسط قد بلغ نهايته.
مثل ونستون تشرتشل الذي أصر على ان بريطانيا تستطيع التمسك بامبراطوريتها بعد 1945، يوجد امريكيون (واسرائيليون) يحلمون بأن الولايات المتحدة تستطيع الاستمرار في إملاء الشروط في الشرق الاوسط اذا خططت لمنطقة حظر طيران في ليبيا أو أخذت بخط صارم مع ايران. لكنه لما كان جيشها يحارب في العراق وافغانستان، وعجزها الميزاني يزداد عمقا فانه لا يوجد في واشنطن تأييد لفتح جبهة عسكرية جديدة في المنطقة.
يُبين استطلاع للرأي عن ‘غالوب’ ان 50 في المئة من الامريكيين يعتقدون انه يجب على الولايات المتحدة ‘ان تنشغل بشؤونها في كل ما يتعلق بالساحة الدولية، وان تدع دولا اخرى تُدبر امورها قدر استطاعتها بقواها الذاتية’. إن التأييد الامريكي لفرض منطقة حظر طيران فوق ليبيا يقوم على افتراض ان فرنسا وبريطانيا ستكونان رأس حربة العمل العسكري، أما الولايات المتحدة فستمنح مساعدة تكتيكية محدودة. لن ترسل ‘الولايات المتحدة الى ليبيا جنودا بريين’، أكد اوباما في يوم الجمعة. ويفهم اوباما ايضا ان استمرار واشنطن على التدخل في الشرق الاوسط يمنعها أن تبذل الوقت والموارد المطلوبة للحفاظ على مكانتها في شرق آسيا حيث توجد مصالحها الأهم.
هذا هو السبب الذي يجعل واشنطن اوباما تحاول تقليص التكاليف في الشرق الاوسط و’ركوب موجة التغييرات’. يتم التعبير عن هذه المحاولة بالموافقة على الامر الحتمي (في مصر) ومحاولة صوغ النتيجة (في البحرين)، وتجاهل لطيف (في ليبيا) وفي مقابلة ذلك استعمال ضغوط على الاوروبيين لتحمل مسؤولية أكبر عما يجري في المنطقة.
إن هذا التوجه الذي ينبع من ‘سياسة واقعية’، يتم ترويجه باعتباره حملة دعائية امريكية لاصلاحات سياسية واقتصادية، في حين يحظى اوباما والفيس بوك بالمديح باعتبارهما مُحدثي التغيير. وذلك برغم انهم في واشنطن يعتقدون أن النظم الجديدة حتى في أفضل الحالات ستكون معادية للولايات المتحدة ولاسرائيل.
إن ركوب ‘موجة التغييرات’ في الشرق الاوسط قد يتطلب تغييرا للسياسة الامريكية نحو اسرائيل، يكون مشابها لتغيير السياسة الامريكية في فترة كيسنجر مع الصين. الصراع بين بكين وتايبيه اللتين زعمتا أنهما تمثلان الصين، جعل الولايات المتحدة تضطر الى التخلص من تايوان. في الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني، يُمكّن حل الدولتين الامريكيين من تأييد السلام والأمن للاسرائيليين والفلسطينيين معا. والى ذلك من المعقول ان نفترض ان التزام الولايات المتحدة للدولة اليهودية الديمقراطية سيطول أكثر من حلفها مع تايوان.
لهذا، في موجة التغيير الحالية في الشرق الاوسط، سينقذ ركوب لوح التزلج الصلب لحل الدولتين اسرائيل من الغرق ويساعدها على الوصول الى شاطىء أمان دبلوماسي تظل فيه العلاقة بينها وبين الولايات المتحدة وثيقة كما كانت.
هآرتس 22/3/2011