هكذا يفقد الفلسطينيون أساسات الدعم العالمي والعربي

حجم الخط
1

سارع الفلسطينيون لركل خطة القرن لترامب ووصفوها بأنها “صفقة القرن”، ولكنهم يواصلون التنكر لمساهمتهم في نشوئها. فالتوقع الذي طوروه على مدى عشرات السنين لنشر خطة دولية، تفرض على إسرائيل دولة فلسطينية سيادية على كل أراضي الضفة، وعودة مكثفة للاجئين تدفع إلى الانهيار أساسات الدولة الصهيونية، انهارت دفعة واحدة واستبدلت بخطة أخرى، هي في نظرهم الأسوأ منها جميعاً.

يجب الاعتراف بأن الإصرار الفلسطيني العنيد على مدى كل الطريق على المطالب التي طرحوها، ورفضهم التنازل عن “شروط الحد الأدنى”، استندا ظاهراً إلى أساسات متينة: دعم دول العالم، وعلى رأسها الكتلة المؤيدة للعرب في الأمم المتحدة، وريح الإسناد الشديد الذي تلقوه من الدول العربية. أما هذا الأسبوع فقد تبين لهم بأن هذين الأساسين انهارا، وعلى الأقل ظهرت فيهما صدوع عميقة.
إذن كيف حصل فجأة أن الاتحاد الأوروبي الذي كان، منذ الأزل في النظرة الفلسطينية، “جهة توازن” مقابل “إدارة أمريكية عاطفة على إسرائيل”، ترحب فجأة بالخطة ولا تقف ضدها؟ وكيف حصل أن زعماء أوروبا لا يسارعون إلى الوقوف كرجل واحد من خلف قرارات الأسرة الدولية التي كانت الملجأ الأساس للفلسطينيين؟

ما الذي تسبب بالتحول الدراماتيكي في موقف الكتلة العربية التي بعثت بقوات عسكرية قبل 73 سنة كي تحبط تنفيذ “مشروع التقسيم” لدولتين، والذي كان مشروعاً سيئاً وخطيراً جداً لإسرائيل؟.

فما الذي تسبب بالتحول الدراماتيكي في موقف الكتلة العربية التي بعثت بقوات عسكرية قبل 73 سنة كي تحبط تنفيذ “مشروع التقسيم” لدولتين، والذي كان مشروعاً سيئاً وخطيراً جداً لإسرائيل، وبالمقابل بعثت هذا الأسبوع بثلاثة سفراء عنها إلى البيت الأبيض لحضور إطلاق خطة تقسيم، هي جيدة جداً لإسرائيل، وظاهراً سيئة جداً للفلسطينيين؟
لو لم يتمترسوا في الفكر الخاطئ، لتعين على الفلسطينيين أن يلاحظوا بأن التحول في الموقف العربي ليس دراماتيكياً ومفاجئاً بهذا القدر، بل ثمرة تغيير تدريجي: في 1967، في الخرطوم بالسودان، تقرر ألا يكون هناك اعتراف عربي بإسرائيل، وألا يكون سلام معها وألا تكون مفاوضات. ولكن في بيروت، في 2002، تقرر أن انسحاباً إسرائيلياً من الضفة وحلاً لمشكلة اللاجئين سيؤديان إلى إنهاء النزاع مع العالم العربي، وإلى السلام والتطبيع الكامل. وفي السنوات الأخيرة، قبل أن تولد خطة القرن، بدأت بضع دول عربية من الكتلة السنية بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل “من تحت الطاولة”.
لقد مل الأوروبيون، وليسوا هم فقط، فالنزاع الإسرائيلي – الفلسطيني شوكة في جسد معظم الدول العربية التي تتصدى لمشاكلها العسيرة. ومع أن ثلاثة سفراء من الدول العربية فقط حضروا احتفال البيت الأبيض، فإن كثيرين من زعماء الكتلة السنية يعتقدون الآن بأنه من اللحظة التي قبلت فيها إسرائيل مبدأ الدولتين، حتى وإن كانت بشروط أقل راحة للفلسطينيين، يحظر على أبو مازن أن يستمر في رفضه، وعليه أن يستأنف على الفور الحوار مع الأمريكيين.
في نهاية الأسبوع، سيجتمع وزراء الخارجية العرب في جلسة طارئة بناء على طلب أبو مازن. في الخطابات العلنية قد نسمع تأييداً للموقف الفلسطيني، ولكن من خلف الكواليس سيعرضون عليه التقدم نحو حل والابتعاد عن فكرة الكفاح المسلح التي ستقترحها حماس على الوفد الذي قرر أبو مازن إرساله إلى غزة “لتوحيد الصفوف في لحظة الطوارئ هذه للشعب الفلسطيني”.
في هوامش الأمور، ثمة انطباع بأن الولايات المتحدة بذلت جهداً غير صغير كي تمهد التربة في العالم العربي المعتدل لنشر الخطة. وحقيقة أن ولي العهد السعودي حاول في حينه إقناع أبو مازن بأنه “لن تقع مصيبة” إذا قامت العاصمة الفلسطينية في أبو ديس، تثبت أنه كان شريك سر على الأقل لقسم من تفاصيل الخطة.
غير أنه رغم مساعي الإقناع من جانب قسم من الزعماء العرب، لا يبدو أن سيكون هناك شريك فلسطيني لتنفيذ خطة ترامب. إسرائيل ستحسن عملاً إذا ما دعت الفلسطينيين رغم معارضة أبو مازن القاطعة، للدخول في مفاوضات على أساس الخطة، وبالتوازي، تعمل على تهدئة الملك الأردني الذي يؤيد في خفاء قلبه فكرة بسط السيادة الإسرائيلية على غور الأردن، ولكنه قلق من تداعيات هذه الخطوة على استقرار المملكة.
بقلم: عوديد غرانوت
إسرائيل اليوم 30/1/2020

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية