ما الذي نعرفه عن مدينة العيون الكبرى أو عن داخلة التي في الصحراء الغربية؟ الحقيقة – لا شيء. نبش في ويكيبيديا سيعرفنا على أن هاتين المدينتين الحميمتين، اللتين تعدّ السيادة فيهما قيد خلاف بين المغرب وحركة التحرر الوطني لسكانها “جبهة البوليساريو”، تعتاشان أساساً على الصيد والسياحة البحرية. وحتى عدد السكان موضع جدال، بين 200 ألف ونصف مليون، على الحدود مع المغرب والجزائر وموريتانيا.
منذ أكثر من سنتين وملك المغرب محمد السادس منشغل بـ “شؤون إفريقية” على حساب العلاقات مع العالم العربي. فقد حرص القصر الملكي غير مرة على أن يعتذر باسمه عن عدم المشاركة في مؤتمرات القمة أو في اللقاءات مع الزعماء، لأنه “غارق في شؤون حساسة ومعقدة في إفريقيا”. عندما أعلن رئيس الولايات المتحدة ترامب عن العلاقات بين المغرب وإسرائيل، انكشف الانشغال المركزي للحكم المغربي: الصحراء. ثماني دول إفريقية وعربية أعلنت عن فتح قنصليات جديدة في العيون الكبرى، وسبع دول أخرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، بشرت بفتح قنصليات في داخلة. مشوق أن نعرف إذا كانت إسرائيل هي الأخرى ستنضم إلى هذه القائمة.
يبدو الاتفاق الجديد بين المغرب وإسرائيل ترتيباً أجراه الرئيس ترامب بوساطة صهره جاريد كوشنر مع قصر الملك. اعطِ الملك محمد السادس موافقة أمريكية على الملكية على الصحراء الغربية، زائد صفقات طائرات، زائد مساعدة اقتصادية سخية للتغلب على كورونا – وخذ تسوية مؤقتة ضيقة في المرحلة الأولى بين المغرب وإسرائيل تؤدي إلى اتفاقات سلام وتطبيع بين الدولتين. لم تكن القصة في الصحراء الغربية بسيطة. يحذر زعماء جبهة البوليساريو الآن من أن “المغرب مستعد ليبيع نفسه كي يحقق السيطرة”، وبزعمهم، لا توجد أي دولة في العالم ستعترف بالسلوك المغربي. كما أن هذه القصة تأخذ مؤسسات الأمم المتحدة بالمفاجأة. ولكن المغرب، وبإسناد أمريكي، يستعد لتصدير البضائع من إفريقيا عبر ميناء حديث يبنى في داخلة باستثمار مليار دولار ويساعد في توثيق العلاقات مع أوروبا. ومع ذلك، ثمة دول تعارض ذلك، وهي موريتانيا والجزائر وتونس، وقد حذر رئيس الأخيرة سكان بلاده من “إقامة علاقات مع إسرائيل” وهدد بعقوبات جسيمة جداً على من يمسك به “بالتطبيع”.
وبالطبع، هناك القضية الفلسطينية؛ فقد حرص ملك المغرب على أن يهاتف أبو مازن في رام الله فور تغريدة ترامب عن إقامة العلاقات الجديدة – القديمة بين الرباط وتل أبيب، وأوضح بأن مسألة الدولتين عزيزة على قلبه. بالمقابل، كان حذراً من أن يتحدث مع نتنياهو. لا يتجرأ أبو مازن، في هذه الأثناء، على الخروج ضد الملك؛ فهو يؤمن بأن الفلسطينيين سيحصلون أيضاً على شيءم ا في نهاية المسيرة.
إلى أين يؤدي كل هذا؟ يحرص وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة على تربيع الدوائر. بداية، قضايا المغرب والصحراء الغربية، وبعد ذلك المغرب والولايات المتحدة، وفي المرحلة الثالثة الموضوع الفلسطيني، وفي النهاية – إسرائيل. ولكن سبق أن كنا في هذه القصة مع المغاربة حتى الانتفاضة الثانية، وإذا كان الأمر هذه المرة أكثر تعقيداً، فمن يهمه إذن؟ ها هو وزير الاقتصاد والتجارة المغربي مولاي حافظ المغربي، يعلن أمس بأن كل رجال الأعمال الإسرائيليين المعنيين بالاستثمار في المغرب مدعوون لعمل ذلك ابتداء من يوم الاثنين المقبل.
وهكذا، فإن ترامب، بطريقته الغريبة، يخلق إرثاً إيجابياً. ونتنياهو، بهدوء تام، يرفع شارة النصر على الخريطة العربية، والأمر لم ينته.
بقلم: سمدار بيري
يديعوت 13/12/2020