‘هلأ لوين’ فيلم ترويه نادين لبكي في حكاية وطن اسمه لبنان

حجم الخط
0

قطعة فنية تدعو إلى نبذ الفئويةبيروت من سمر سلامة: يكشف فيلم ‘هلأ لوين؟’، الذي تعرضه هذه الأيام الصالات اللبنانية بعد أن لقي نجاحاً كبيراً في الخارج وحصل على جائزة الجمهور في مهرجان تورنتو السينمائي قدرة إبداعية لافتة تتمتع بها المخرجة نادين لبكي، التي نجحت في تقديم طرح متكامل لمسألة الصراع الطائفي في لبنان، من خلال تصوير الحياة اليومية في قرية صغيرة منسية في جنوب لبنان، وهو فيلم يفرض نفسه بلا منازع في خضم الربيع العربي بأطيافه وبقاعه المختلفة.

تروي هذه القطعة الفنية حكاية نسوة من ضيعة لبنانية في مسيرتهن على الطريق الوعر متشحات بلون موحد.. الأسود، في مشهد عنوانه حزن دفين اعتدن عليه على مر السنين ويظهرن فيه وهن يمشين كمن يرقص مذبوحاً على وقع موتاهن من مختلف الأطياف والمذاهب. نعم هي مسيرة ندب مسيحي سني شيعي وآخر لم أميز هويته ربما لجهلي بكل طقوس الطوائف في حزنها عندما تشيع موتاها.

كان ذلك المشهد الأول وكان وقعه صاعقا لا سيما في القدرة على خلق التعبير الذي حمل في ثناياه معانِ شتى هزت كياننا برفق معلنة أن هذا الفيلم من النوع الدسم جداَ والمدهش جداً ببساطة طرحه وعمقه، وبشمولية واقِعه وطرافة تدفعك للضحك تارة بينما تدمع عينك للغته الدرامية الانسانية الصرفة تارة أخرى.

تسلسل الأحداث يجري في ضيعة غير مسماة ولعل ندين ليكي تريد بهذا أن تسقط واقع حال كثير من بقاع الأرض اللبنانية وغيرها من بقاع أراضينا العربيه المهملة وكأنها مجهولة الهويه. أهالي الضيعة في حياتهم البسيطة جداً والخاليه من أي مظهر مدني مواكب لمفردات عصرنا الذي نعيشه وأبعد ما يكون عن تفاصيل الحياة لبلد هم جزء منه إلاً أن واقع الفُرقة الطائفيه يؤتي أكله حتى في هذه الضيعة المجهولة الإسم، فتاريخ حزن نسائها يحدثك عن موتاهم فلذات أكبادهم في اقتتالات غاب عنها العقل فاستمرأت الدماء وغيبت ماء الوجه أمام دمع الأمهات.

اللافت في سلوك هؤلاء النسوة أنهن بدين كخلية نحل واحدة تعمل في ظل وجود ملكي فطري.. العقل، وكأنهن معزولات عن ما يفرق الحقد خريفاً أجوف ويزرعه بين كل أهالي الضيعة، كأنهن لا ينتمين إليه ولا ينقدن وراءه كمن لا يمت بأي صلة إلى تلك الضيعة. ولكن المفارقة هنا تكمن في أنهن الأكثر تضررا وبؤساً في كل مرة يوارين بها التراب أحد فلذات قلوبهن. قد يتناهى للقاريء هنا أن تلك النسوة لم يمتلكن سوى النكسار في رحلة أحزانهن ولكنهن كن عكس ذلك تماما، فقد كن متدبرات محنكات عارفات بطبيعة الرجل الإنفعاليه، الثأرية، المعرضة لتماهي أولوياتها مع مصيدة الملذات وأنهم على الرغم من أنهم يمثون رجالات الضيعة المنسية، ولكنهم كالصدى يرتد لما يجيء من أصقاع البلاد كافة، فيقتتلون فيما بينهم إذا ما نشبت الفتنة الطائفية في الأنحاء برغم النسيج الإجتماعي الذي يجمعهم في بقعتهم التي توقف عندها الزمن إلا من بقايا الألغام وإشارة تحذير آيله للسقوط تكاد تهترىء هرماً. مشهد يجتث القلوب ابتهالاً يظهر إحدى الأمهات وهي تخفي جثة إبنها الشاب المقتول بالخطأ في طريق عودته للضيعة مع أخيه، تخفيه عن أعين الأخ الأكبر وسائر أهالي الضيعة كي لا تشتعل نار الفتنة والثأر بينهم، وكي لا يتردد صدى القتل الطائفي بينهم، وحين يفطن الأخ الأكبر لمقتل أخيه على يد آثمة مجهولة وبعيدة، يُجَنٌ جنونه ويسعى لبندقية وارتها أمه عن الأعين كما وارت النسوة السلاح بعيداُ عن المكان الذي بقي فيه المسلمون والمسيحيون كلٌ على حدة، لا بل إنها لا تتردد في إطلاق النار على قدمه لتفتدي به حياته كي لا يكون مصيره مصير أخيه فتفقده.

أما الذروة الدرامية للفيلم، فقد تجلت في احتكام النساء للعقل والوعي عندما أصبح النهار فاختلط على أزواج المسيحيات أمر نسائهم وقد ارتدين الحجاب وسجدن لله وقلن: ماذا أنتم فاعلون.. نحن منهم؟ وفي الشق المسلم من المشهد خلعت الزوجة المسلمة حجابها وأخرى عمدت بالبخور والماء المقدس إبنها ليصحو مذهولا لما بدى من أمه، وقلن: نحن منهم.. فماذا أنتم فاعلون؟

تكتمل مسيرة تشييع جثمان الشاب الذي أخفته أمه عن الأعين درءاً للفتنه كما ابتدأ المشهد الأول، يرقصن مذبوحات على وقع واحد رقصة الموت نسيجها من كل الأطياف والمذاهب وصولاً إلى المقبرة، على اليمين يرقد موتى المسلمين، وعلى اليسار يرقد موتى المسيحيين بينما تتملك الحيرة الرجال مسلمين ومسيحيين حاملين النعش يلتفون للخلف سائلين النساء، راقصات الموت، و(هلًأ لوين؟).

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية