■ قسّمت النقاشات والجدل الدائرة حول ما آلت اليه المجتمعات العربية من فساد ودمار المفكرين والمثقفين وحتى الناس العادية إلى فريقين:
إذ يرى الفريق الأول، أن الشعوب صنيعة الحكام والإرادة السياسية، التي بيدها كل السلطات، من تعليم وإعلام، فتلك السلطات هي التي توفر المناخ والبيئة التي تنتج الأفكار والتوجهات للأفراد. ومن هنا يأتي سؤالهم: كيف يعاقب الأفراد الذين لم يختاروا طرق تفكيرهم، التي شكلت سلوكهم في الحياة اليومية أصلًا؟ هل يتحمل الفرد المسؤولية، ويعاقب على نفاق ورياء وجشع وخيانة، كانت سبيله الوحيد للحياة في مجتمع لا يستخدم سوى تلك الأساليب للعيش؟ كيف يصمد الدين والفضيلة أمام الفقر وتاريخ العادات؟
بينما يرى الفريق الثاني أن الحكام ليسوا إلا نتاج تلك المجتمعات الديكتاتورية والفاسدة متبعين القول السائد «كما تكونوا يولى عليكم». وهنا يخرج علينا الروائي والصحافي هشام شعبان، بروايته «الإفطار الأخير»، التي صدرت عن مؤسسة شمس للنشر عام 2015، وقد تمت ترجمتها أخيًرا للغة الإسبانية، إذ يضع شعبان طبيعة التدين في تلك المجتمعات، التي أُنهك سكانها بفعل «التقدم في عمر الحياة»، كناية عن شيخوخة هذا النمط الذي لم يعد لديه القدرة على الإثمار والإنتاج – تحت المساءلة.
تقع الرواية في تسعة عشر فصلاً. وتدور أحداثها حول وليمة إفطار رمضاني لأهل قرية الحجر». من خلال الإعداد لتلك الوليمة، التي يقيمها الدكتور محمود البياض، بمناسبة خوضه الانتخابات البرلمانية، سنتعرف على شخصيات مختلفة تضم أغلب فئات المجتمع، لنتطرق إلى خبايا النفوس والتصرفات المشينة للجميع بلا استثناء، التي أخفوها إما تحت ستار الدين، أو ملابسهم الأنيقة غالية الثمن.
ترسم لنا الرواية صورة معقدة للنساء في المجتمع المصري، فهنا كل النساء مقهورات، حتى إن بدا لنا الأمر للوهلة الأولى أن جميعهن مذنبات ويستحقنّ العقاب.
التاريخ والمجتمع
يبدو أن التاريخ هو الهاجس الأساسي للكاتب في الرواية منذ السطر الأول. والمقصود هنا: تاريخ العادات والعبادات التي تُسيّر المجتمع، وتشكّل العلاقات وسلوك الأفراد فيه. فبفعل مرورالوقت، وغياب القانون، واحتياجات الناس المادية، ترسخت عادات وسلوكيات شريرة في النفوس، حتى أن العبادات والممارسات الدينية فقدت كل تأثير لها على نفوسهم. فيبدأ شعبان روايته بصوت يصف حال سكان القرية، بعد أداء صلاة العصر في أحد أيام شهر رمضان شديد الحرارة: «انتهى أهل القرية من صلاة العصر… فرغ بعضهم لقراءة القرآن، والبعض الآخر يسبح الله ويستغفره على سيئات ارتكبها، ولا يزال طوال عامه المنقضي منذ انتهى رمضان الماضي. الغالبية خرجت، منهم من سار على الأقدام يجرها في خطوات تتباطأ للخلف لا للأمام. درجة الحرارة المرتفعة جدا هذا العام كان تأثيرها أكبر بكثير من لذه الصيام الشاقة. متعة الشهر الكريم التي اعتاد عليها أهالي القرية «الحجر» تلاشت جزئيًا. لم يكن المناخ الحار وحده سببًا في تلك الحالة النفسية التي طبعت وجوه الأهالي بتقسيمات وخطوط ودوائر عرض، بل التقدم في عمر الحياة. هذه الدنيا الفانية التي انتظرت أجيالا متعاقبة موعد نهايتها وفنائها».
المرأة في المجتمع المصري
بين الفقر والتقاليد:
ترسم لنا الرواية صورة معقدة للنساء في المجتمع المصري، فهنا كل النساء مقهورات، حتى إن بدا لنا الأمر للوهلة الأولى أن جميعهن مذنبات ويستحقنّ العقاب. فهنا في القرية يسمع الجيران نحيب الزوجة التي ترغب في الإنجاب، بعد أن يعتدي عليها زوجها العقيم (البشمهندس حمدان)، على أثر طلبها منه مراجعة الطبيب. أما زوجة شيخ المسجد (الشيخ عيسوي) فهي أيضًا لا تنتفض لضربها وإهانتها من زوج لم يستح من تلك الآيات القرآنية التي زين بها جدران منزله، عن مكانة النساء وحقوقهن. وكأن الكاتب أراد أن يقول: حتى وإن كان ذلك شيخ المسجد، فهذا لا يعني أنه يمثل ما حفظه بلسانه أو على جدران منزله من قرآن. فهذا الشيخ، الذي يعنف زوجته هو أيضا من يعاشر سيدة أرملة فقيرة، «فتحية» مقابل بعض المال، وهو أيضًا من يخفض صوته متملقًا عندما يحادث الدكتور محمود البياض أحد أثرياء القرية. أما الدكتور البياض، الشخص الثري وصاحب قناة فضائية، الذي حصل على شهادة دكتوراه مزورة في إدارة الأعمال من جامعة كامبريدج، مقابل عشرة آلاف دولار، نراه هو الآخر يخون زوجته (ليلى) مع الفتاة (وعد) خطيبة (حسن) مدير البرامج في القناة التي يمتلكها، مقابل أموال يغدقها عليها. سيعلم محمود البياض بخيانة زوجته مع (حسن) أثناء عودته إلى منزله مبكرًا في أحد الأيام، أثر تعرضه لأزمة سكر في العمل، ويبدأ في التخطيط للانتقام لشرفه بقتلهما بعد حصوله على مقعد في البرلمان.
القراءه المتأنية للرواية، توجه كل أصابع الاتهام لأهم عنصرين وراء الجريمة وهما الفقر وسيطرة العرف في غياب القانون المنصف.
لم يكن البياض في تلك الفترة على ما يرام بعد فقدان ولده الوحيد خالد، الذي كان هو أيضًا، في علاقة غير شرعية مع (داليا) فتاة من إحدى الأحياء الفقيرة. داليا الفتاة الفقيرة، التي وقعت في شباك الفتى الفاسق الثري، قد أخفت عنه خبر حملها في البداية، معتقدة أنها بذلك ستظفر بالزواج منه، وتحيا حياة زوجية هانئة كتلك التي تراها في «أفلام الأبيض والأسود». ولكن بدلًا من أن ترتدي الأبيض لقت حتفها بعد عملية إجهاض أجبرها عليها خالد. ورغم أن الرواية تصور كل النساء في المجتمع المصري على أنهن خائنات وعشيقات وماكرات، إلا أن القراءه المتأنية للرواية، توجه كل أصابع الاتهام لأهم عنصرين وراء الجريمة وهما الفقر وسيطرة العرف في غياب القانون المنصف.
الفقر والفساد:
في القرية كما في المدينة يعد اللهث وراء الأموال مهما كان مصدرها، الشاغل الأساسي للجميع، ففي هذا المناخ الفاسد يعد المال هو المصدر الوحيد لنيل تقدير الجميع، وكذلك الوصول إلى المناصب، بل شراء النفوس والأجساد، ولا فرق هنا بين رجل الدين، والمتعلم، والجاهل. في ما عدا تلك الشبكة من المنافقين والغشاشين من الأثرياء ورجال الدين أو أشخاص باعو أنفسهم، نرى الفقراء المطحونين، هؤلاء الذين لم يرث أحدهم قطعة أرض عن أب أو حصل على وظيفة يرتشي من ورائها. ومع ذلك فلم يستثنهم الكاتب من دائرة الأرواح الميتة حيث يكتب: «الحرافيش… فقراء الزفة وعبيدها، فسدة لا يقلون شيئًا عن الأعيان، في ملامح وجوهم المشققة ترى حسرة على واقعهم المؤلم، وحقدا على ذوي القصور والسيارات الفاخرة، ظروف أضحت حجتهم ومبررهم لغشهم ليل نهار».
تنتهي الرواية بطريقة سيريالية، إذ يموت كل أفراد القرية بعد تناولهم اللحم المسموم للجاموسة النافقة، التي طهيت خصيصًا للوليمة، التي أعدها الدكتور محمود، كدعاية لحملته الانتخابية. تأتي النهاية نتيجة حتمية وعقابا إلهيا، يشبه نهاية قوم لوط. بينما غيَب الراوي دور القانون الوضعي الذي يحاكم الفاس2دين أو من أفسدوهم في الرواية.
نجح شعبان في جذب القارئ من خلال لغته السردية البسيــطة بدون تعقـــيد، إذ جمعت لغته بين العامية والفصحى حسب اختلاف الأشخاص وأدوارهم في الرواية، لتعبر كلماتهم البسيطة عن مشاعرهم بدون تكلف كما أحداث الرواية.
٭ كاتبة مصرية