هلوسة..

حجم الخط
0

صبري عيسى لا أعرف متى أصبت بداء (الهلوسة)، وكل ما أذكره أن معاناتي من هذا الداء رافقتني منذ جئت إلى هذه الدنيا قبل (النكبة) بسنوات قليلة، وأعترف بأن أسباب (الهلوسة) التي أعاني منها لم تكن نتيجة (عيب خلقي) لا سمح الله، ولا نتيجة حادث ربما تعرضت له منذ الصغر، وعلى الأغلب أن الأسباب تعود إلى حواسي الخمس التي فشلت في تعطيلها، والذاكرة الحية التي فشلت في (تجميدها) كما فشل عباس (بالضغط) على نتنياهو لتجميد بناء المستوطنات. أصبحت هذه الذاكرة اللعينة تنغص حياتي، فأنا أحفظ وقائع ما جرى ويجري من خلال كتب التاريخ، وما يقوله الرواة ومنظرو البسطات الثورية، إضافة إلى إدماني الشديد على قراءة افتتاحيات الصحف وزوايا الرأي فيها، وأستمع إلى كل محطات الإذاعة على كافة الموجات، وأشاهد مبهوراً برامج (التوك شو) والحوارات التلفزيونية، بدءاً من (الاتجاه المعاكس) حتى برنامج (مدارات) الذي أحرص على تسجيل حلقاته كاملة لأورثها لأحفادي الأعزاء، لذا أطالب الفضائية السورية بإعادة عرض البرنامج أربع مرات يومياً، حتى لا تفوتني مشاهدة إحدى حلقاته، لا سمح الله.

أنا أحب اللون الرمادي، وهذا الاختيار لم يكن بالمصادفة، بل هو تعبير عن موقف حتى لا أتهم بالانحياز إلى اللون الأبيض أو الأسود.

أعيش حياتي وأنا أمشي من ‘الحيط إلى الحيط’، متلفتاً حولي يميناً وشمالاً، من الأمام ومن الخلف، وفشلت في الهروب من (ظلي) الذي يرافقني، فإذا كانت الشمس من أمامي يلحقني (ظلي) من الخلف، وإذا جاءتني الشمس من خلفي يسبقني (ظلي) من الأمام، مما يزيد من هلوستي وحذري من أن هناك من يلاحقني، مما يحملني للجوء إلى أقرب جدار ظليل للحصول على لحظة هدوء، وإجراء حوار داخلي مع نفسي واستعراض تصرفاتي في الساعات الأخيرة، والأشخاص الذين قابلتهم، وفي ما إذا قلت كلاماً اغضب (أحداً ما)، فقرر متبرعاً ملاحقتي والدخول إلى (رأسي) لمعرفة ما أفكر به، وحتى أتخلص من هذا (الظل) أبقى في مكاني حتى تنحسر الشمس لأتابع السير من دون (هلوسة)! أنا مواطن أصدق كل ما يقال لي، وأعتبره حقيقة غير قابلة للنقاش.. صدقت كل الشعارات التي رفعتها الأنظمة والجماهير العربية الغاضبة وشاركت في مسيراتها وهتفت معها (بالروح بالدم نفديك يا فلسطين) وتحمست لشعار (فلسطين من النهر إلى البحر). أكثر ما يؤرقني الآن هي (حالة الجمود) التي تعاني منها الجماهير العربية التي فقدت حماسها ولم تعد تتابع حشودها المظفرة، إلا من خلال مباريات المونديال العالمي لكرة القدم، وربما يعود ذلك على الأغلب إلى أصابتها بداء (الهلوسة) الذي تحول إلى وباء لا شفاء منه، لذا أجد نفسي مقصراً في حق القضايا المصيرية، ومن غير المعقول أن أقوم بحشد نفسي والسير في الشارع رافعاً صوتي ومردداً شعاراتي القديمة التي لم تعد تعني أحداً، واكتفيت بالاعتراض الصامت ضد الغلاء وزيادة الأسعار أمام البقال واللحام وشرطي المرور.

منذ النكبة وأنا أترقب وبحماس شديد تعاقب رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية، وفي كل مرة تجري فيها الانتخابات الرئاسية تشتد حالة (الهلوسة) عندي، مع ترقب قلق عمن سيكون الرئيس الجديد والدعاء الى الله أن يكون أكثر إنصافاً من سلفه ليعيد لي حقوقي المغتصبة وأرضي المحتلة، ولم أقرأ قراءة (جيدة) قيام الرئيس الأمريكي هاري ترومان بالاعتراف بإسرائيل كدولة بعد عشر دقائق من إعلانها عام 1948، ولم يشذ عن القاعدة كل رؤساء الولايات المتحدة الذين جاؤوا بعده، ليصبح هدف كل رئيس أمريكي جديد الولاء لإسرائيل أولاً قبل الولاء لبلده أمريكا، ولم يختلف على ذلك كل الرؤساء الذين تعاقبوا على منصب الرئاسة سواء كانوا من البيض أو السود أو حتى الملونين.

أترقب دائماً تشكيل الحكومات الإسرائيلية، وأصبحت أحلل سياسات الحكومات المتعاقبة، وفيما إذا كانوا (صقوراً) أو (حمائم) وأضعت عمري في متابعة (المبادرات العربية) وأقنعت نفسي (إن الحب من طرف واحد) هو الحل الوحيد لإعادة الأراضي المحتلة، وأضعت عمري في التحليل والتنظير والمتابعة حتى ضاع كل شيء.

أهدافي انحصرت في (تجميد) الاستيطان لشهر أو اثنين، واكتفيت بالدعاء أيام الجمع والأعياد:(اللهم اسحقهم، اللهم امحقهم، اللهم شتت شملهم) ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ‘ صحافي سوري[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية