د. بشير فايد لقد أثار موضوع اعتراف الدولة الفرنسية بالجرائم المرتكبة في الجزائر، أثناء الفترة الاستعمارية، الكثير من الجدل بين مختلف الأوساط في البلدين خاصة هذه الأيام التي تحتفل فيها الجزائر كما جرت العادة بذكرى اندلاع ثورة أول نوفمبر 1954م، التي حررتها من قيود استعمار، مكث في أرضها مائة واثنتين وثلاثين سنة، مارس فيها كل أنواع القهر والإذلال والاستغلال في حق الجزائريين، باسم قيم الجمهورية الفرنسية والحضارة الأوروبية. سجل حافل بالجرائم التي وثق بعضها المحتل نفسه، وهو ما لا يستطيع أن ينكره حتى أولئك الذين يجدون مبررا لتلك الجرائم، وعلى رأسهم وزير الدفاع الفرنسي الأسبق والنائب الحالي جيرار لونغي، الذي تخطى كل الخطوط الحمراء في الأيام القليلة الماضية، وقام ربما بما لم يقم به نظراؤه المدافعون والممجدون للحصيلة الاستعمارية لبلده في الجزائر في كل الأوقات. أقول الخطوط الحمراء، لأن الرجل أولا مسؤولا تقلد منصبا هاما وحساسا بحجم وزير الدفاع في عهد الرئيس السابق نيكولا ساركوزي. وثانيا لكونه نائبا حاليا في المؤسسة التشريعية الفرنسية، عن حزب الاتحاد من أجل أغلبية شعبية. وثالثا للطريقة غير المسبوقة التي عبر بها عن قناعاته، التي كشفت عن تشبعه بالفكر الاستعماري المقيت، الذين اعتقد الجزائريون أنه في زوال.إن المتابع لهذه القضية، التي وحدت الجزائريين بكل مستوياتهم، وقسمت في المقابل الفرنسيين على اختلاف مشاربهم، من حقه أن يطرح جملة من التساؤلات، ومنها لماذا تشعر فرنسا الرسمية وغير الرسمية بحساسية مفرطة اتجاه مسألة الاعتراف؟ وماذا ستخسر إن هي قامت بذلك؟ ولماذا تقتصر هذه الحرب الباردة إن صح التعبير على العلاقة بين فرنسا والجزائر ولا نجد لها أي أثر في علاقاتها مع مستعمراتها القديمة؟ وإلى متى ستبقى تصر على موقف يجعلها أضعف سياسيا بل ومتناقضة أمام الجزائريين الذين لا تمل في الترديد على مسامعهم أنها حريصة كل الحرص على إزالة كل ما يحقق التعاون بين البلدين خدمة لتطلعات الشعبين حاضرا ومستقبلا ومنها بشكل خاص مسألة الذاكرة؟ بعيدا عن تفاؤل المتفائلين وتشاؤم المتشائمين، يبدو أن هذا الوضع الذي لم يعد طبيعيا بالمرة، لعوامل الزمن والجغرافية والعلاقات والمصالح، لن يعالج عن طريق المقاربات التي يسوق لها حاليا من الجانب الفرنسي، فمن الضروري:أولا: توفر الشجاعة الكاملة، التي ظلت مفقودة وإلى غاية الآن، للقول للجميع بأن الاستعمار الفرنسي قد أجرم في حق الجزائريين، ولم يحقق تلك المكاسب التي يروج لها أنصاره من الأقدام السوداء والعسكريين السابقين واللاحقين والسياسيين والمفكرين والمثقفين، وحتى العامة من المواطنين الفرنسيين. ومن ثمة الإقرار بالخجل، من الممارسات والأعمال التي حدثت طيلة فترة الاحتلال.ثانيا: إبعاد مسألة الاعتراف والاعتذار، عن كل الحسابات السياسية والاقتصادية الداخلية الفرنسية،رغم صعوبة الأمر، فقد بات واضحا أن الجزائر بماضيها وحاضرها تمثل رقما فاعلا في الصراعات السياسية والمواعيد الانتخابية، وحتى في الأزمات المالية والاقتصادية.ثالثا: الاطمئنان إلى أن القضية أخلاقية بالدرجة الأولى، إنصافا لمعاناة وآلام الملايين من الجزائريين الذين راحوا ضحية الممارسات الاستعمارية بشكل أو بآخر هذا من ناحية. وإلى أن المبادرة في حد ذاتها، ليست عامل انتقاص من وزن فرنسا، وإنما زيادة في قوتها واحترامها كدولة تحسب نفسها رائدة في مجال الحقوق والحريات من ناحية ثانية.رابعا: التوقف عن التسويق لفكرة أن الضحايا كانوا من الجانبين، التي تحيل إلى الاعتراف المتبادل وليس الأحادي، وبالتالي إسقاط المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن الدولة الفرنسية المذنبة. لأن الجزائري لم يغز الأراضي الفرنسية حتى يسوى بينه وبين الفرنسي.خامسا: سحب القانون الممجد للأعمال والممارسات الاستعمارية، الذي أصدرته الجمعية الوطنية الفرنسية في فبراير 2005م كبادرة لحسن النية.سادسا: أن يكون الاعتراف والاعتذار صريحين، لا يحتملان أي غموض أو تأويل سياسي،على أن يشمل ذلك كل الحقبة الاستعمارية من 1830م وإلى 1962م تماما كما طالب به وزير المجاهدين الجزائري شريف عباس، والذي جعل جيرار لونغي يفقد صوابه. سابعا: تجريم كل الآراء والأفكار والكتابات، التي تمجد الاستعمار في فرنسا وخارجها تماما مثلما هو الأمر مع بعض القضايا التي لا يتسامح فيها القضاء الغربي بصفة عامة والفرنسي بصفة خاصة ومنها على سبيل المثال: نفي المحرقة اليهودية أو معاداة السامية أو تمجيد الفكر النازي…الخ.ثامنا: المبادرة بفتح الأرشيف الاستعماري، الذي مازال أغلبه بعيدا عن متناول المؤرخين والباحثين، وليس تسليمه كما يطالب البعض في الجزائر، فلا بأس أن يبقى في فرنسا، إذا كان الوصول إليه لا يخضع لأية اعتبارات غير خدمة الحقيقة التاريخية أولا وأخيرا.تاسعا: مناقشة مسألة التعويضات المادية،التي لا شك أنها ستكون رمزية لسببين أساسيين:الأول ويتمثل في استحالة تقييم حجم الضرر والخسائر التي نجمت عن قرن وثلث قرن من الاحتلال، فهل ستسدد الدولة الفرنسية للجزائر ديون القمح التي لم تسدد لغاية الآن؟ أم المبالغ الطائلة والمجوهرات والهدايا الثمينة التي نهبت من خزينة الداي حسين – حاكم البلاد آنذاك – أثناء اقتحام العاصمة؟أم ثمن أرواح حوالي عشرة ملايين جزائري راحوا ضحية الهمجية الاستعمارية؟….الخ.أما السبب الثاني، فهو أن الجزائر دولة وشعبا، ليست بحاجة إلى التعويض المادي، بقدر حاجتها إلى التعويض المعنوي، الذي قد يطوي بصورة نهائية صفحة الذاكرة الاستعمارية ولا يمزقها بطبيعة الحال.لا ريب أن واحدة فقط من هذه الخطوات، ستضيق بها صدور الفرنسيين عامة وأنصار الجزائر فرنسية خاصة فكيف الأمر بها كلها دفعة ؟، لكنها ومع ذلك تمثل برأينا خارطة طريق لا غنى عنها، لكي تضع أوزارها حرب الذاكرة المعلنة من طرف واحد فقط.فلقد آن الأوان، لكي تخجل فرنسا من وجودها الاستعماري في الجزائر، فتعترف بجرائمها وتعتذر للجزائر الرسمية والشعبية،فهل سيكون التصريح الأخير للرئيس الفرنسي الحالي فرانسوا هولاند بمناسبة ذكرى مجزرة 17 أكتوبر 1961م هو البداية؟ ‘ باحث وأكاديمي من الجزائر