هل آن الوقت لنطلق على التمويل الإسلامي اسماً آخر؟

حجم الخط
3

تكلل التمويل الإسلامي بالنجاح بفضل المبادئ التي يعمل وفقاً لها، والتي ترتكز على أحكام الشريعة الإسلامية. وحتى نتمكن من تنمية هذا القطاع المتخصص ورفع حجم مساهمته في نظام التمويل على المستوى العالمي، فلا بدّ أن نجعله أكثر جاذبية للأفراد والمؤسسات من غير المسلمين، من دون المساس بالمبادئ والقيم التي يقوم عليها القطاع، وذلك عن طريق تغيير اسمه الذي قد يحد من نموه.
شهد قطاع التمويل الإسلامي تطورات جمة وتحولا من مجرد مفاهيم نظرية ناقشها الاقتصاديون الإسلاميون وعلماء الشريعة على مدار عقود مضت، ولكنه لم يتحول إلى صناعة قائمة بحد ذاتها حتى السبعينيات من القرن الماضي، عندما أدى الارتفاع في أسعار النفط إلى فائض في حجم السيولة المتوفرة لدى دول مجلس التعاون الخليجي، وكانت دبي أول من اطلق مصرفاً إسلامياً. وفي دول أخرى، مثل باكستان، انبثق التمويل الإسلامي من مساعي السلطات المحلية لأسلمة الاقتصاد الباكستاني، أما في ماليزيا فقد جاء ذلك نتيجة استراتيجية أكبر للتوسع في المجالات الصناعية في الاقتصاد المحلي. ونظراً لأن معظم النمو الأولي أتى من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومن باكستان وماليزيا، انحصر التركيز مبدئياً على المسلمين، وبالتالي كان الاسم ملائماً.
ووفقاً لتقرير التنافسية في المصرفية الإسلامية لعام 2013 والصادر عن ايرنستاند يونغ، بلغ حجم أصول القطاع عالمياً حوالي 1.3 تريليون دولار في نهاية العام 2011، ومن المتوقع أن ينمو ليصل 1.8 تريليون دولار خلال العام الحالي. وأفاد التقرير بأن قيمة أكبر 20 مصرفاً إسلامياً تعادل ما نسبته 55′ من إجمالي قيمة الأصول الإسلامية، وتتركز تلك المصارف في سبع دول، وهي دول مجلس التعاون الخليجي وماليزيا وتركيا. وبالتالي، يتوجب على المصارف الإسلامية توسيع رقعة أعمالها الجغرافية ودخول أسواق جديدة، أو سيتحتم عليها مواجهة مستويات عالية جداً من التنافسية في هذه الأسواق التي تتسم بدرجة عالية من المنافسة.
وعلى الرغم من أن أصول قطاع المصرفية الإسلامية تتركز في دول إسلامية، إلا أنها باتت تستأثر باهتمام غير المسلمين بشكل مطرد، ففي ماليزيا على سبيل المثال، يشكل غير المسلمين أكثر من نصف العملاء (وذلك لأن المحفزات الحكومية كان لها دورٌ في رفع مستويات تنافسية تكلفة التعامل مع المصارف الإسلامية). أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد نجحت صناديق ‘أمانة’، التي تضم اثنين من أكبر الصناديق الإسلامية في العالم، في استقطاب العديد من المستثمرين غير المسلمين، وذلك في أعقاب إشادة مجلة ‘مورنينغ ستار’ بأداء الصناديق المتميز.
ولا شك أن ثمة فرصة أمام المصارف الإسلامية للوصول إلى عملاء مهما كانت معتقداتهم الدينية، شرط أن توضح لهم المنطق اقتصادياً وتبين الفوائد المالية المغرية، وقد تعاظمت تلك الفرص في أعقاب الأزمة المالية العالمية عامي 2008 و2009، نظراً لاستياء شريحة كبيرة من العملاء من أداء المصارف التقليدية. وبالتالي، فإن المبادئ الأخلاقية التي تحكم المصرفية الإسلامية من شأنها جذب الأفراد من غير المسلمين، الذين يعتقدون بأن المصارف التقليدية تعمل بما يعود عليها بالفائدة، ولا تأبه بمصالح عملائها.
وبالمقابل، تعمد المصارف الإسلامية إلى التخلص من القضايا التي تبعث الشك في نفوس العملاء، وتعمل على تحقيق المساواة بين مصالح المصارف والعملاء. ونظراً للظروف الاقتصادية الراهنة، تُعدّ هذه النقطة أمراً إيجابياً بالنسبة للمصارف الإسلامية، ولاسيما تلك الساعية إلى توسيع حضورها في الدول غير المسلمة. وعلى الرغم من ذلك، يتوجب الأخذ بعين الاعتبار أن أغلبية سكان الدول المتضررة، جراء تبعات الأزمة المالية العالمية، هم من غير المسلمين، وبالتالي فإن استخدام المسمى المصرفية ‘الإســـلامية’ سيعرقل أي خطط للتوسع.
فعلى سبيل المثال، في دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الجنوبية ونيجيريا والهند، فإن استخدام الاسم ‘إسلامي’ قد يثير ردود فعل قوية من قبل الجماعات المناهضة للإسلام، على الرغم من أنها لا تتعلق بالتمويل الإسلامي بحدّ ذاته، بل ترتبط بتطلعاتهم السلبية تجاه أي موضوع مرتبط بالإسلام. وبشكل عام، قد يستبعد المستهلكون من غير المسلمين الذين يسعون لإيجاد خيارات أخرى، التعامل مع المصارف الإسلامية، ظناً منهم أنها مخصصة للمسلمين فقط.
وعلى الرغم من أن هذه الافتراضات عارية من الصحة، إلا أن التسمية ‘إسلامي’ قد تكون حاجزا يحدّ من قدرة القطاع على استقطاب المستهلكين وتعريفهم بما يوفره لهم من خدمات ومنتجات، وبالإضافة إلى ذلك، فإن قصر سوق المصرفية الإسلامية على المستهلكين من المسلمين، يعيق المساعي الرامية إلى تطوير تلك المنتجات والخدمات وجعلها أكثر تنافسية من نظيراتها التي توفرها المصارف التقليدية.
وبالمقابل، يبرز جدال مناوئ للتخلي عن استخدام التسمية ‘إسلامي’، يفيد بأن السبب وراء نجاح هذه القطاع هو طابعه وهويته المنبثقة عن دين الإسلام، وان الابتعاد عن ذلك قد يفقده الآن المستهلكين الذي أسهموا في نجاحه بالأساس.
وبالتالي، ماذا يمكننا أن نطلق على التمويل الإسلامي؟ ففي تركيا، يطلق على هذا القطاع ‘تمويل المشاركة’، فيما اقترح آخرون أن يطلق عليه ‘التمويل الأخلاقي’.
ولا بد أن نشير هنا إلى أن تغيير اسم القطاع لأي من هذين الاسمين لن يكفي لحل كافة القضايا التي يواجهّها القطاع بكل تأكيد؛ فاختيار اسم ‘تمويل المشاركة’ يعني رفع مستويات شمولية القطاع، فيما يقتضي اسم ‘التمويل الأخلاقي’ دمج الممارسات الأخلاقية المتبعة في قطاع التمويل التقليدي. هذا ويتوجب مواجهة هذه التحديات بشكل مباشر وعدم تجنبها، كي نتمكن من تقوية التمويل الإسلامي وتعزيز قدرته على التنافس، وبالتالي الارتقاء بمكانته ضمن نظام التمويل العالمي.

‘ رئيس قسم اسواق المال الاسلامية في ‘تومسن رويترز’

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية