إسطنبول ـ «القدس العربي»: بعد أسابيع طويلة من العمل صدر تقرير المحققة الأممية الخاصة أغنيس كالامارد حول جريمة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي في سفارة بلاده بإسطنبول حاملاً معه تفاصيل وتوصيات تتوافق إلى درجة كبيرة مع رواية تركيا ومطالبها من السعودية والمجتمع الدولي.
وعلى الرغم من أن تقرير كالامارد لا تترتب عليه أي خطوات تنفيذية سواء من مجلس حقوق الإنسان أو الجمعية العامة للأمم المتحدة أو مجلس الأمن، إلا أنه تمكن بالفعل من تحريك المياه الراكدة وإعادة القضية إلى الواجهة إلى جانب التركيز مجدداً على دور ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في الجريمة.
إلى جانب ذلك، يُجمع مختصون على أن نتائج التحقيق التي توصلت إليها المحققة الأممية يمكن اعتبارها أساساً واستخدامها في أي تحقيق أممي رسمي لاحق في الجريمة، الأمر الذي أعاد فتح الباب مجدداً أمام التساؤلات حول مدى استعداد تركيا للانتقال للمرحلة المقبلة المتعلقة بتقديم طلب لإجراء تحقيق أممي رسمي.
والمحققة الأممية كالامارد هي مقررة الأمم المتحدة المعنية بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء أو بإجراءات موجزة أو تعسفا، لكنها لم تقم بتحقيقها بناءاً على تكليف رسمي من الأمين العام للأمم المتحدة أو مجلس الأمن الدولي، وبالتالي فإن هذه المهمة تبقى محدودة التأثير ما لم يعقبها طلب تركي رسمي وموافقة أممية على بدء تحقيق دولي رسمي في هذه الجريمة.
ولفتح تحقيق رسمي من قبل المتحدة يجب على تركيا أن تقدم طلباً رسمياً في هذا الشأن، من خلال الأمين العام وذلك على غرار ما جرى في حالة اغتيال رئيسة الوزراء الباكستانية بنظير بوتو، أو من خلال مجلس الأمن كما جرى في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري.
وفي حال قررت تركيا رسمياً التوجه بشكل عملي نحو فتح تحقيق دولي في قضية مقتل خاشقجي، يتوقع أن تلجأ إلى تقديم طلب للأمين العام بشكل مباشر، وذلك في ظل وجود خشية من عرقلة تمرير القرار من خلال مجلس الأمن لا سيما من قبل الولايات المتحدة التي تلعب دور المدافع عن السعودية وولي عهدها محمد بن سلمان منذ بداية القضية.
وفي المرحلة الأولى، تأمل تركيا أن يساهم الإعلان عن نتائج التحقيق الأممي في تشكيل حلقة جديدة من الضغط الدولي على السعودية، قد يدفعها لمحاولة إرضاء تركيا ومنعها من نقل الملف لتحقيق دولي رسمي، عبر أبداء الرياض رغبتها للتعاون مع المحققين الأتراك وتحقيق جانب من المطالب التركية المتعلقة بالقضية.
وفي مرحلة ثانية، تأمل تركيا أن تساهم نتائج التحقيق في تحشيد دعم دولي أوسع لها في الأمم المتحدة في حال قررت التقدم بطلب رسمي ببدء تحقيق رسمي، وذلك بعد توافق النتائج التي توصلت إليها المحققة الأممية المستقلة مع نتائج التحقيق التركي، ما يعطي مزيداً من المصداقية للرواية التركية على الصعيد الدولي، حيث قدمت نسخ من نتائج التحقيق إلى الجمعية الهامة ومجلس حقوق الإنسان.
تقرير كالامارد حرك المياه الراكدة وأعاد التركيز مجدداً على دور بن سلمان
و نشرت المفوضية، الأربعاء، تقرير كالامارد، المكون من 101 صفحة، الذي حمّل السعودية مسؤولية قتل خاشقجي عمداً، وطالب بأن تشمل العقوبات المتعلقة بمقتل خاشقجي ولي العهد وممتلكاته الشخصية في الخارج، كما دعا التقرير الحكومة السعودية إلى الاعتذار من تركيا وأسرة خاشقجي، أمام الرأي العام، ودفع تعويضات للعائلة، وشدد على أن مقتل خاشقجي «جريمة دولية تتطلب من الدول استخدام الولاية القضائية العالمية».
وحول الآلية القانونية لفتح التحقيق الدولي، قالت الأمم المتحدة، الأربعاء، إن أمينها العام أنطونيو غوتيريش «ليس لديه السلطة أو الصلاحية» لإطلاق تحقيق جنائي في مقتل خاشقجي، مشيرة إلى أن الأمر يتطلب تكليفاً من جهة مختصة (طلب من دولة عضو) أو من خلال قرار يعتمده مجلس الأمن الدولي.
وخلافاً لذلك، قالت كالامارد في تقريرها إن «الأمين العام لا يحتاج إلي طلب رسمي من دولة عضو من أجل إطلاق تحقيق جنائي في تلك الجريمة»، ورد المتحدث باسم الأمين العام بالقول: «نحن لا نشكك في القدرات القانونية لكالامارد، لكن هذا هو موقفنا القانوني في الأمانة العامة وهو أيضا الموقف القانوني الخاص بالأمين العام».
وتحاول تركيا الاستفادة مبدئياً من المواقف الدولية التي حركها تقرير الأمم المتحدة، حيث طالبت الخارجية الألمانية السعودية بإماطة اللثام عن تفاصيل الجريمة بـ«طريقة شاملة ومقنعة»، كما طالب مسؤول أمريكي السعودية ببذل مزيد من الجهود لمحاسبة المتورطين بالجريمة، في حين قال مسؤول في الاتحاد الأوروبي، إنهم ينتظرون رد السعودية على التقرير، وأن الاتحاد سوف يتواصل مع المحققة الأممية.
وفي أول تحرك تركي بهذا الاتجاه، دعت وزارة الخارجية، جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية ذات الصلة إلى الالتزام بتنفيذ توصيات التقرير الذي أثبت أن الجريمة تنتهك القانون الدولي لحقوق الإنسان، واتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية ومبادئ الأمم المتحدة، ولا سيما المبادئ الأساسية للقانون الدولي والعلاقات الدولية.
والخميس، عقب الرئيس التركين رجب طيب اردوغان على التقرير الأممي بالقول: «الأمم المتحدة وجدت أن الموقف التركي حيال جريمة قتل خاشقجي على حق وآمل أن تتناول وفاة مرسي المشبوهة»، مضيفاً: «لم نرض بنسيان جريمة قتل المرحوم جمال خاشقجي، وكذلك سنفعل حيال مأساة محمد مرسي».
وقبل أيام، قال وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو بعد اتصال اردوغان بالملك سلمان في عيد الفطر بالقول إن بلاده تفصل حادثة مقتل خاشقجي عن علاقاتها الثنائية مع الرياض وأنه لا توجد لديها مشكلة ثنائية مع الرياض، لكنه اتهم السعودية بأنها تحاول خلط قضية خاشقجي بالعلاقات بين البلدين.
وطوال الأشهر الماضية، ورغم تأكيدها الدائم على قرب تدويل التحقيق في الجريمة، لم تقدم تركيا حتى اليوم طلباً رسمياً بإجراء تحقيق دولي في الجريمة، وظلت تحاول اقناع السعودية بالتعاون الثنائي منعاً لتدويل القضية ورغبة من أنقرة في عدم نسف العلاقات السياسية والاقتصادية مع الرياض التي لم تستجيب للمطالب التركية حتى اليوم.
وتطالب تركيا السعودية بالكشف عن مكان إخفاء جثمان خاشقجي، ومحاكمة جميع المتهمين بالجريمة في الأراضي التركية، والكشف عن رأس المستوى السياسي الذي أعطى الأوامر لتنفيذ الجريمة.