هل أخطأ التونسيون بانتخاب حركة النهضة؟

حجم الخط
0

سفيان الشورابي هل أخـــطأ التونسيون عندما صـــوّتوا بكثافة لفائــــدة حركة النهضة؟ طبــــعا لا يُمكن نفي أو تأكـــيد الإجـــابة بشـــكل قطعي ما لم تــــتاح الفرصة أمام نواب النهضـــة بالمجلس التأسيسي لبيان صدقـــية التزامهم بالوعود التي وفقها منحهم 40 بالمائة من الناخبين ثقتهم. حركة النهضة التي صمدت في وجه سياسة القمع والتهجير التي مورست ضدها من طرف النظامين السابقين، تحتل بعد انتخابات 23 أكتوبر نفس المكان الذي كان يستحوذ عليه جلادوها. السلطة، كل السلطة.

في الماضي القريب، كانت معركة النهضويين ذات طبيعة حقوقية مطلبية بالأساس: الحق في العودة وفي جواز السفر، الحق في العفو التشريعي العام، الحق في التمتع بالحريات السياسية. لم يُخيّل لأتباع النهضة، مثلهم مثل جزء واسع من الطبقة السياسية التونسية المعارضة ما قبل 17 ديسمبر أن انهيارا وشيكا وسريعا سيقع لنظام يحتكر بمفرده الحياة العامة وحتى الخاصة.

بعد الإعلان من النتائج، منح قطاع عريض من التونسيين صوتهم أمانة في عنق النهضة لتولي السلطتين التشريعية والتنفيذية طيلة فترة صياغة الدستور. ثقة استندت على مبدأين: أولهما: الإيمان بأن حركة النهضة تُمثل أحد أبرز أوجه القطيعة مع المنظومة السابقة، وهي التي تموقعت منذ تأسيسها في صف متناقض مع نظام الحكم القائم. والتونسيون الذين ثاروا ضد كامل المنظومة السابقة كافئوا النهضة على حفاظها على هذا الموقع، ودفعوا بها لتولي منصب الحكم.

فتونس تحتاج إلى حزب قادر على تصفية ارث الاستبداد السابق، وتحقيق القطيعة النهائية مع جميع تمثلاته الأمنية والسياسية والقضائية والإعلامية. فوجد ضالته في النهضة التي استطاعت إنتاج خطاب زاوج بين محاولة طمأنة كل القطاعات الاجتماعية (البرجوازية التواقة للاستقرار، والمهمشين اللاهثين وراء تسلق السلم الاجتماعي) ، وبين لفظ جميع رموز العهد السابق؛ ثقافيا عبر ما تمثله النهضة من صورة لأسلوب في إدارة الشأن العام مغاير لطريقة حكم ‘العلمانية ‘ المطبقة بصورة رديئة من طرف الحزب الحاكم السابق، وسياسيا من خلال ما ســـبق أن وعد به قياديو النهضة من رغبتهم في تطهير كامل الجهاز الحكومي من علائق النظام السابق، رغم السمة الحذرة التي يتعامل به بعض وجوه النهضة بخصوص هذه القضـــــية مع اقــــتراب موعد إمساكهم بالحكم. أحد زعماء النهضة العجمي الوريمي قال مؤخرا: ‘نحن لا نعتبر الداخلية متهمة بطم طميمها. هناك قضايا مرفوعة في المحاكم لم تتقدم بها أطراف سياسية بل مواطنين متضررين وتلك القضايا من اختصاص القضاء وليس حركة النهضة’. ثانيهما: الحاجة الماسة إلى إعادة الحياة إلى نمطها الطبيعي. فبعد شهور من الاضطرابات الاجتماعية والانفلات الأمني والضغوطات النفسية التي كانوا عرضة إليها بسبب اهتزاز الأوضاع وضبابية المستقبل، أصبح التونسيون يتوقون للعودة إلى نسق الهدوء، حتى لو كان مفتعلا. وهو ما استوعبته النهضة بكل حنكة، فاتسمت مواقفها بتكرار الدعوة للتهدئة وتجاوز المشاحنات. بل أنه منذ اعتصام القصبة 2، لم يُسجل للنهضة أنها حرضت على الاحتجاج أو التمرد بالرغم من الزخم الشعبي الذي تحوزه. وما لاشك فيه أن انغراس فكر الإسلام السياسي في داخل الذهن الجمعي للتونسيين، وتناسق خطابها السياسي مع درجة وعي التونسيين الذي تنتشر لديهم حالة من التدين الشعبوي، مثلهم مثل بقية شعوب المنطقة، هي عوامل ساعدتها في كسر حالة الرهبة والتوجس التي كانت تتسم بها علاقة التونسيين بهذه الحركة في السابق. النهضويون يمشون فوق أرض متحركة. وجميع الأعين مسلطة عليهم. الغرب الذي استهوى فكرة ‘المختبر’ التونسي للديمقراطية، حيث قال رئيس البرلمان الأوروبي جيرزي بوزيك في زيارته إلى تونس مؤخرا ‘أن صعود ديمقراطية إسلامية ونجاحها أمر مكن في تونس’. ولا شك أن الديمقراطية ليست الأنموذج المثالي المطلق للحكم، إلا أنها الأقل ضررا ما لم تكن مؤطرة بقواعد قانونية ثابتة ومتحررة مثلما شدّد عليه المفكر الكسيس دو توكفيل. دون أن تغفل الأخذ بعين الاعتبار أن نسبة هامة من التونسيين انتخبوا قائمات أخرى، أو لم يذهبوا أصلا إلى مكتب الاقتراع.

ومن هذا المنظــــور، فإن حصول الإسلاميين علـــى الأغلبـــية البرلمانية غير كاف لكـــي تمد يـــدها الطولى لفرض كامل برنامجهم الحضاري، وهو ما استوعبه زعيم النهضة راشد الغنوشي الذي صرّح بعد الانتخابات أن ‘تونس للجميع’. التونسيون الذين صوّتوا لفائدة النهضة لم يخطئوا. ربما. فإدارة شؤون البلاد ليست من الأمور اليسيرة التي يُمكن الحكم عليها بشكل مسبق. غير أن أعينهم يجب أن تظل يقظة ومنتبهة. فالتحول من صف الدفاع عن مصالح جزء من المجتمع إلى صف تسيير شؤون الجميع، لا يُمكن إلا أن يثير الكثير من الاهتزاز. والسعي إلى ترضية الكل قد تؤدي إلى الإخلال بطموحات الجزء. والقاعدة الانتخابية للنهضة لن ترض بغير تطبيق جميع ما سبق أن وعد به مترشحو النهضة. فكيف سيتعاطى قياديو هذه الحركة مع الوضعية الجديدة؟ هذا ما سيتضح في الأشهر القليلة القادمة.’ صحافي تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية