سنوات الموت في الجزائر انقضت، لكن تداعياتها لم تنته. طيلة التسعينيات كادت الجزائر تغرق في الفوضى، وكان من الطبيعي أن تتسلل السياسة إلى مجمل نتاج كتابها. في ذلك الوقت، صعد نجم الروائي الطاهر وطار (1936- 2010)، باعتباره مرجعاً في الكتابة الإبداعية بالعربية، وخصماً لمواطنيه، الذين اختاروا الكتابة بالفرنسية. اهتم النقاد، حينها، بمتابعة أعمال الراحل ونقدها، والبحث في تأويلاتها، ونادراً ما فكروا في علاقة وطار بالجماعات الإسلامية، إلى أن صدر كتاب «الجزائر، الكتاب في العشرية السوداء» (عن المركز الوطني للبحوث العلمية، باريس 2018) للفرنسي تريستان لوبيرلييه، الذي قدم بحثاً، مشبعاً بالمراجع، وباللغتين العربية والفرنسية، ووضع القارئ في مواجهة قضية حساسة، لم ينتبه إليها أحد من قبل، ولم تطرح بشكل بحثي أو علمي، عن ميول وطار للجماعات المتطرفة، عن تقاطعاته مع سياستهم وتصالحه معهم.
يخبرنا المؤلف، أن وطار كان بطلاً لأشهر فضيحة أدبية سياسية في الجزائر، فعند سؤاله عن رأيه في اغتيال الروائي الطاهر جاووت (1954- 1993) أجاب وطار: «هي خسارة لأطفاله، خسارة لعائلته، وخسارة لفرنسا، بكل تأكيد». هكذا نزع عنه هويته الجزائرية، مع العلم أن جاووت عمل طويلاً على تقريب وجهات النظر بين معربين ومفرنسين في الجزائر. بدون أن ننسى أن جاووت كان حليفاً لوطار في حربه الصامتة ضد خصمه التاريخي، رشيد بوجدرة. فلماذا انقلب وطار على جاووت، الذي اغتاله الإسلاميون؟ لقد كان ذلك التصريح، الذي ورد على لسان وطار، القطيعة النهائية بين كتاب جزائريين بالعربية ونظرائهم بالفرنسية، ونقطة تقارب وطار مع الإسلاميين.
عند سؤاله عن رأيه في اغتيال الروائي الطاهر جاووت (1954- 1993) أجاب وطار: «هي خسارة لأطفاله، خسارة لعائلته، وخسارة لفرنسا، بكل تأكيد».
يُشير مؤلف الكتاب إلى أن وطار لم يُدشن معاركه، ضد من يكتب باللغة الفرنسية، مع العشرية السوداء، بل قبل ذلك بسنوات طويلة، فطيلة الثمانينيات، كان الفضاء الروائي الجزائري مقسماً بين اثنين، وطار وبوجدرة، اللذين سيطرا على مؤسسة النشر الحكومية الوحيدة آنذاك، واشتد خصوصاً بعدما قرر بوجدرة، الانتقال للكتابة بالعربية، مع رواية «التفكك» (1982) ما زاد من صدامية وطار معه، هذا الأخير ـ بحسب المؤلف دائماً ـ تلقى في صغره تعليماً، كان يقصد منه أن يصير رجل دين، فقد تكوّن في مدرسة ابن باديس، ثم انتقل إلى الزيتونة في تونس، قبل أن يقطع علاقته مع الأوساط المحافظة، وينتقل إلى ضفة الماركسيين. توقف عن الدراسة، ولم يكملها، لاحقاً، بعد الاستقلال، مما كان يشعره بدونية تجاه كتاب من جيله، أو من الجيل الذي جاء بعده، والذين أتموا دراساتهم وحصلوا على شهادات جامعية. ذلك النقص حاول وطار تداركه بنضاله في صفوف الحزب الحاكم، في الجزائر، إلى غاية تقاعده من عمله كمُراقب في جبهة التحرير الوطني عام 1980. وطار الذي أدخل مفهوم «الواقعية الاشتراكية» إلى الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية، شرع منذ 1987 في حملة نقد وتشويه للكتاب الجدد باللغة العربية، ما دفع هؤلاء الكتاب للالتحاق بجناح خصمه رشيد بوجدرة، ولكن سرعان ما جاءت انتفاضة 5 أكتوبر/تشرين الأول، التي فتحت باب الحريات واسعاً، وأخرجت جيلاً شاباً جديداً من الصمت، ووجد وطار نفسه، معزولاً، محسوباً على النظام القديم، الذي بدأ يتلاشى، ما أشعره بالخطر، وزاد من رغبته في الدفاع عن حضوره، بكل الطرق، لكنه لم يتجدد في كتاباته الإبداعية، ولا في رواياته، التي ظلت روايات مسيسة، لهذا وجد سبباً في البقاء بإثارة الآراء، مستعيناً برصيده القديم، وفي لفت الانتباه إليه، بمواقفه المتناقضة في ما بينها، ولكي يضمن مكانة له، في أوساط القراء بالفرنسية، فقد استعان بكتاب بالفرنسية، من بينهم الطاهر جاووت، الذي دافع طويلاً عن وطار، قبل أن ينقلب هذا الأخير عليه.
عندما سُئل عن صديقه الشاعر يوسف سبتي، الذي اغتيل أيضاً عام 1993، أجاب بأنه لا يرى فرقاً بين عنف السلطة وعنف المتطرفين، هكذا قال كي لا يُحسب عليه نقد الإسلاميين.
مطلع 1992، مع فوز الإسلاميين بالانتخابات التشريعية، ثم وقف المسار الانتخابي، كان الطاهر وطار، الكاتب الوحيد من الأسماء المعروفة، الذي ندد بقرار وقف المسار الانتخابي، مؤازراً الحزب الإسلامي، الذي كان يدعو، في برنامجه، إلى تأسيس دولة إسلامية، وهو ما يفسره تريستان لوبيرلييه، بميول انتهازية في لحظة تاريخية، اعتقد فيها وطار وآخرون، أن الإسلاميين بصدد السيطرة على السلطة السياسية للبلد. ويُضيف المؤلف ذاته أن بعض الإسلاميين كانوا يرون في وطار «شيوعياً مُعتدلاً»، لذلك لم يُضايقهم تقربه منهم. كان وطار يقدم نفسه دائماً على أنه كاتب ذو «ثوابت ومتغيرات»، والمتغيرات هي مواقفه من الإسلام السياسي في الجزائر. ونقرأ في الكتاب نفسه، أن وطار عبر ـ أياماً قبل وقف المسار الانتخابي ـ عن تعاطف مع عباسي مدني زعيم حزب الإسلاميين، ثم واصل ميوله الإسلامية بأن تجنب إدانة اغتيالات المثقفين في التسعينيات، بل إنه اعتبر، في واحدة من المرات، المثقفين الذين قُتلوا بأنهم «كاميكاز» تحالفوا مع السلطة ضد الغالبية، وعندما سُئل عن صديقه الشاعر يوسف سبتي، الذي اغتيل أيضاً عام 1993، أجاب بأنه لا يرى فرقاً بين عنف السلطة وعنف المتطرفين، هكذا قال كي لا يُحسب عليه نقد الإسلاميين. ويخلص تريستان لوبيرلييه أن سبب ميول وطار للإسلاميين، وتعاطفه معهم، وهو المحسوب على اليساريين، إنما يعود إلى خصومته مع رشيد بوجدرة، ورغبته في الاصطفاف على النقيض منه. فبعدما فشل في منافسته أدبياً، فرّ للمنافسة السياسية، وبعدما كان بوجدرة يهيمن على إدارة اتحاد الكتاب الجزائريين، أسس وطار عام 1989 جمعية الجاحظية كي تكون منافساً له. وتكرست، بحسب يساريين، ميول وطار للإسلاميين، عندما أسس إذاعة القرآن الكريم، في وقت كان يشغل فيه منصب مدير عام الإذاعة الوطنية، ما زاد من عزلته، التي خفت قليلاً بعد نهاية العشرية السوداء، وعودة النشاط الطبيعي، إلى جمعيته الجاحظية، واليوم لا يكاد أحد يذكر مواقف وطار، في تلك المرحلة الدموية، من تاريخ الجزائر، وكنا سننساها، لو لم يذكرنا فيها كتاب «الجزائر، الكتاب في العشرية السوداء»، الذي تضمن قراءات وتحليلاً لمواقف الكتاب الجزائريين، في التسعينيات، وكيف طغت السياسة على الأدب، وكيف أن تلك الحرب الداخلية تحولت إلى حرب لغوية، قسمت المثقفين إلى نصفين، كما أعادت تعريف دور الكاتب ومكانته الاجتماعية وقت الأزمات.
٭ كاتب جزائري