في عام 2001 سقطت كابل في قبضة الاحتلال الأمريكي. وفي عام 2003 سقطت بغداد في القبضة نفسها، وباتت الولايات المتحدة الجار الغربي والشرقي لإيران. وعلى الرغم من أن طهران لم تنف مساعدتها في حصول حال الاحتلال على البلدين، غير أن العامل الأمريكي الذي دخل إلى المنطقة بالقوة الصلبة، دفع طهران لرسم خطة “حزام النيران” في المنطقة، خوفا من أن يكون الوجود الأمريكي عامل تهديد مستقبلي كبير لمشروعها القائم على وضع إيران كقوة إقليمية في المنطقة.
دخل عامل جديد في محور مقاومة النظام الإيراني وهو تجدد احتجاجات الشعوب الإيرانية
كانت الخطة تتلخص في وضع حجب أمامية لها في المنطقة تستطيع مقاتلة الأعداء فيها من دون المواجهة المباشرة. فتشكل إطار سياسي يحشد القوة العسكرية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية لعدة دول ضمن التوجه السياسي الإيراني، والذي سُمي محور المقاومة. وأصبح واضحا أن هناك تدخلا إيرانيا سافرا في رسم الطريق لهذه المجتمعات، بما يخالف حال الاندماج المجتمعي الذي كانت عليه. هنا نشأ قاسم مشترك بين هذه المجتمعات من جهة والمجتمع الإيراني، ظاهره حالة الجزع من الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تعانيها دول المحور، نتيجة حال التصادم الدائمة مع المجتمع الدولي. لكن جوهر هذا الشعور هو التوحد ضد النظام السياسي الذي تتزعمه طهران، والذي بات يستخدم القمع ضد الإيرانيين وضد العراقيين واللبنانيين، وتولّد رغبة ملحة في الانفكاك من قبضته.
معادلة جديدة
ولو نظرنا إلى العراق نجد قد انبثقت فيه انتفاضة شعبية كانت شعاراتها وأهدافها واضحة، وهي إقالة الحكومة وحل البرلمان، وعدم القبول باشتراك أي سياسي من كل الأحزاب القائمة منذ 2003 وحتى اليوم، في أي تشكيلة حكومية تحصل مستقبلا. بمعنى أن هناك رفضا واضحا للنظام السياسي القائم، والذي هو يقع في صلب الاهتمام الإيراني، وعنصر متقدم في الاستراتيجية السياسية والعسكرية والأمنية الإيرانية. وهذا يعني فقدان المحور الإيراني لثاني أكبر منتج للنفط، وأول وأكبر حوزة دينية للشيعة الإمامية في العالم، وتهديد أمني قد يأتي من 1600 كم من الحدود العراقية-الإيرانية، ناهيك عن العديد من الأحزاب والميليشيات المسلحة التي تأسست في إيران، والتي تشكل احتياطيا مضموما ومضمونا في يد صانع القرار الإيراني.
أما لبنان فهو الآخر يشهد انتفاضة شعبية رفضت كل القيادات الموجودة في المشهد السياسي، ولم تستثن في ذلك حتى الذراع السياسي والعسكري الإيراني ممثلا بحزب الله. بمعنى أن الانتفاضة اللبنانية هي الأخرى هدفها أسقاط النظام السياسي الذي يشكل حيز استفادة جيدة للنظام الإيراني، كون اللعبة السياسية فيه تعتمد على قوة الطائفة.
هنا أصبحنا أمام معادلة جديدة خلقتها الانتفاضة في لبنان والعراق، وهي رفض حتى (الحواضن الشيعية) حسب الادعاءات الإيرانية، أن تكون محكومة من قبل قوى تابعة لإيران. وكانت شعاراتها واضحة وهي تطالب برفع يدها عن هذين البلدين. بل يمكن القول إنه نشأ محور مقاومة شعبي للنفوذ الإيراني وللسلطات المؤتمرة بأمره. فكان أكبر عامل تهديد لنفوذ طهران، الذي بذلت من أجله الكثير من الأموال والدماء كي يبلغ ما وصل إليه. ولعل تصريحات المرشد الأعلى والقيادات النافذة في النظام، التي اتهمت المنتفضين بأنهم مُموّلون ومُحرّضون من الخارج، خير دليل على الشعور العالي بالتهديد الذي شكلته الانتفاضات للمشروع الإيراني.
في اللحظة التاريخية هذه نفسها، دخل عامل جديد في محور مقاومة النظام الإيراني، وهو تجدد احتجاجات الشعوب الإيرانية بزخم أكبر من ذي قبل. فبعد أن كانت الانتفاضة قد عمّت في الحجب الخارجية للنظام، اندلعت مثيلتها في بؤرة هذا النظام، وبات تهديد مشروعه السياسي والعسكري أكثر جدية من قبل، لأن الدول عادة تبني مشاريعها السياسية على دعامات داخلية وخارجية، وعندما تتصدع دعامات المشروع الخارجية تعمد إلى تقوية ركائزه الداخلية كي ينهض من جديد. لكن عندما يحصل التصدع في كلا الجانبين تصبح الخطورة في أعلى درجات الشدة.
السياسات الكارثية
لقد وخزت الانتفاضة في العراق ولبنان الضمير الشعبي الإيراني، وسلطت الضوء على السياسات الكارثية التي اعتمدها نظام طهران في التعامل مع المحيط. ليس هناك شك في أن الشعور القومي لأي شعب من الشعوب يدفع المواطن للفخر عندما يكون بلده مهابا بين الدول. لكن عندما يضغط النظام السياسي على هذا المواطن كي يتنازل عن حقه في الحياة الحرة الكريمة، من أجل ضخ الموارد الوطنية في ساحات أخرى ليست معادية له، فإنه يرى في ذلك سياسات معطوبة غير مستعد لدعمها، على حساب تطلعاته ومستقبل أولاده. ولقد بات واضحا للمواطن الإيراني من خلال الانتفاضة في لبنان والعراق، أن المحيط يرفض المشروع السياسي الإيراني، وهذا دفعه للتساؤل عن الجدوى من الأموال التي صُرفت في الخارج، وأين المصالح التي تم تثبيتها بدماء الإيرانيين التي سُفكت في ساحات تتظاهر اليوم رفضا لتواجدهم؟ وإذا كانت هذه الشعوب قد ثارت ضد الفساد وهدر الأموال والثروات، فهذه الآفة موجودة لدينا أيضا. وإذا كانوا يثورون في بلدانهم ضد قبضة أذرع النظام الذي لدينا، فالثورة حق لنا أيضا لأننا في مركز هذه القبضة.
هذا هو التأثير الفعلي للحراك الثوري الذي أجج الساحة الإيرانية مجددا في هذا الوقت بالذات. لا يوجد هناك ارتباط عملياتي بين أطراف الحراك اللبناني والعراقي والإيراني، لكن تشابه العوامل الدافعة للحراك تعطي انطباعا بارتباط المصير الشعبي في هذه المجتمعات المتشابهة فيتحرك الزخم مندفعا.
لقد عمل النظام في طهران على بسط سيطرة أذرعه على كل مقدرات العراق ولبنان، من أجل حماية مشروعه في المنطقة خدمة لمصالحه الاستراتيجية، فنهبت هذه الأذرع الثروات الوطنية، في حين بدد هو كل موارد الشعب الإيراني لتطوير هذه الأذرع وزيادة نفوذها وتأثيرها، فتوحّد الإيرانيون والعراقيون واللبنانيون في البؤس والفقر والقمع، وبات المجال مفتوحا لتجاوب المشاعر، وانتقال عوامل الثورة، وزيادة زخم الرفض داخليا وخارجيا له، حتى أستلهم الإيرانيون حرق صور المرشد الأعلى من الانتفاضة العراقية ليفعلوا مثلهم أيضا.