التشكك في نوايا أمريكا المعلنة أو الخفية وهي الأدهى والأغمض دائماً، ما وراء أفعالها العالمية الكبيرة، بات أمراً عالمياً هو كذلك. فليس ثمة عقل سياسي يصدق أن الضربة العسكرية التي أقرّتها الهيئة السياسية العليا لإمبراطورية أمريكا ضد مقترفي جرائم الحرب ضد الإنسانية من حكام دمشق، ستكون مجرد عقوبة أخلاقية يستحقها قتلة الأطفال والنساء. ظاهرة التشكيك هذه ليست مقتصرة على رأي عام عربي، شبه دولي تقريباً، بل سمعنا آراء أقطاب بارزين من سادة الكونغرس وهم يتداولون في نقاشاتهم المستفيضة مختلف الاحتمالات والظنون التي تكتنف مشروع هذه الضربة العتية، وربما شعر المتابعون لجلسات الحوار التي يعقدها البيت الأبيض مع ممثلي نواب الشعب الأمريكي، أن الرئيس ووزراءه لم يتمكنوا من الحصول على إجماع حقيقي وأخلاقي، وإن حصلوا على الموافقة شكلياً بأغلبية من بضعة أصوات فقط.
هل وقع أوباما أخيراً أسيراً لمأزق وجداني، هل أصبح هو الرئيس الأمريكي الأوحد الذي فاز بجائزة نوبل للسلام سلفاً منذ بداية رئاسته، وقبل أن يمارس شيئاً من مهماته الدستورية. هل صار رئيس السلام قائداً عسكرياً لحرب أمريكية جديدة، مشكوك في سلامة أهدافها الحقيقية، وليس في تسويغها القانوني فحسب. أوباما ليس رئيساً لمؤسسة من البوليس الدولي، تابعة لهيئة الأمم المتحدة، وتأتمر بأوامر محكمتها الدولية، ومع ذلك فإن هذا الرئيس الواعد بسيادة كونية لمشروعية ‘حقوق الإنسان’، قد قرر دخول حرب مجهولة العواقب تماماً، رغم أنه ورجاله يصرّون على وصف تلك الحرب بالضربة العسكرية المحدودة، إلا أنهم جميعاً لم يحسبوا حساباً دقيقاً لتداعياتها، بل لعل سكوتهم المتمادي عن هذه التداعيات يثبت لدى العارفين بالأساليب المزدوجة للسياسة الأمريكية، أن ‘الغزوة’ الجوية سوف تتجاوز كثيراً ضفافها الاستراتيجية المصرّح عنها، لن تكون مجرد عقوبة لمجرم حرب، بقدر ما ستتحول إلى صاعق تفجير لبؤر بركانية متوزعة في معظم أقطار المشرق.
محدودية الضربة الصاروخية ليست شرطاً مسبقاً لمحدودية نتائجها، وقد أبقى مخططو الضربة على هذه النتائج غامضة، وتائهة بين شتى التأويلات المتضاربة التي تشارك في إطلاقها مختلف أبواق الجهات المسؤولة محلياً ودولياً، الأمر الذي يزيد في إبهام العملية، ولن يكون الإعلان عن هدف العملية باعتباره إضعافاً للنظام وليس إسقاطاً له، وتقوية للمعارضة التي سيترك لها أمر الإجهاز عليه، لن يكون هذا الإعلان إلا تسويغاً لفظياً لمفهوم المحدودية لا يمتلك أية ضمانات ممكنة لتحققه ما أن تقع الواقعة، فمن يمكنه في هذه الحالة أن يفرض مخططاً عقلانياً سلمياً مافوق انفلات مسلسل البراكين من بعضها. إنها إذن حقبة فوضى جديدة ستعصف ببقايا الركائز الثابتة نسبياً في المشرق. فهل سترشح أمريكا نفسها ثانية كإدارة لهذه الفوضى الآتية، أم أن الاستراتيجية الثانية لمخططي البنتاغون قد ترفض أن ترى إمكاناً واقعياً لاندلاع حقبة فوضى مخيفة لن يسيطر عليها أحد حتى لو نزلت أمريكا بجيوشها البرية إلى أرض الساحات الملتهبة، كما يعتقد الكثيرون من معلقي الصحافة التلفزية عربياً وعالمياً.
إذا كان الرأي العام العالمي متشككاً في النوايا الحقيقية للغزوة الأوبامية، إن كانت هي فعلاً مشروعَ عقوبةٍ لمجرمي الحرب الأوائل في القرن الواحد والعشرين، فلا أحد يعتقد أن الضربة المحدودة، هذا الشعار الملتبس في خطاب أوباما، يمكنها أن ترقى إلى مستوى العقوبة التي يتوقعها القانون الدولي من حيث عدم تكافؤها الإجرائي مع فداحة الجريمة النكراء التي ارتكبها مسمّمو الأطفال والنساء في غوطة دمشق، وفوق ذلك فإن لهذا الرأي العام الإنساني، وليس الدولي فحسب، له ارتياباته الكبيرة بنوعية الأدلة والبراهين التي تتقاذفها ألسنة المسؤولين من كل الأطراف، دون أن يعلم أحد بمضامينها المادية، التي باتت تحتاج هي الأخرى إلى نوع تال من البراهين، وإذا كان لهذه العقوبة الملتبسة أن تقع أخيراً فإن هذا الوجدان الإنساني ـ وليس عقله فقط ـ كان بفضل أن تصدر هذه العقوبة عن حكم قضائي للمحكمة الدولية الأخرى، النظيفة من تدخلات السياسة الرسمية، هذا الوجدان كان يتمنى ولا شك أن يرى أن جمعية الأمم المتحدة قد أصبحت حقاً سلطة عالمية، لها مؤسساتها التشريعية والتنفيذية.. والقضائية، على أن تغدو هذه المؤسسة الثالثة ـ القضائية ـ هي الممثلة لإرادة ما يسمى اصطلاحاً بالحكَم العادل، المتمتع بسلطة الحد الفاصل بين أكاذيب كبار العالم وحقائق صغار العالم من أيتام الحضارة المتوحشة، السائدة، والمسيّدة على إنسانية العصر، بالرغم من ممانعة غالبية أحرارها، بل انسجاماً فقط مع إرادة أقليتها من سُرّاقها الأذكياء.
بينما تُعدّ مؤسسة الإمبراطورية الأمريكية كل مستلزمات الصفقة الحربية الآتية من وراء كواليس (المشروعيات) الدستورية لدولتها العظمى، تنهمك أجهزة هذه المؤسسة بإعداد دور البطولة الجديدة الذي ستضفيه على تمثال رئاستها السمراء، المتجسدة عبر شخصية هذا الخطيب المُفَوّه: أوباما، تريد أن تقدمه بطلاً مقداماً، مدافعاً عن عدالة كونية انتهكت شرعيتَها ديكتاتوريةٌ رعناء تقتل وتسمم شعبها منذ ثلاثين شهراً وتدمر بلداً صانعاً لأنبل جذور الحضارة الحقيقية منذ مولد الإنسانية، وقد يمكن لهذه البطولة الإدعاء أنها ستنجز ما عجزت عنه ثورة سورية التي قدمت عشرات الألوف من ضحايا الاستبداد البربري، ورغم أن الضربة العسكرية ستكون محدودة، لكنها تزعم أنها ستأتي بمثابة البدء بالعد العكسي لنهاية النظام. هكذا اعتاد عقل الإمبراطورية أن يفكر وفق منطق الصفقة وحدها، فالبطولة المزعومة لن تتعدى حدود إعلام افتراضي بارع دائماً في قلب فواجع الوقائع إلى بوارق الألفاظ والصور والأصوات، إنه يبيع الشعوب المظلومة أضاليل التحرير الكاذب بينما يشتري مقابلها مصالحَ هذه الشعوب الحيوية بأثمان شهدائها فحسب.
والآن ماذا يتوقع عقل الإمبراطورية فعلاً أن يحدث بدءاً من اليوم التالي على الغزوة، رغم أنه لا يبدو أن أحداً يهّمه حقاً الجواب الحقيقي عن هذا الاستفهام، ولذلك يظل كل كلام تحت عنوانه ذاك ضرباً من التنجيم السياسي، لكن لسان ‘الصفقة’ هو وحده الذي يحكي في سره. فالأمر المطلوب مركزياً بالنسبة إلى أمريكا هو أن تظل هي اللاعب الأول وراء منعطفات الأزمة السورية جميعها. وليس في ضفة أو جهة معينة من ساحاتها. ها هي مع الغزوة، تمنح نفسَها ليس سلطة المحكمة الدولية غير الشغالة أصلاً فحسب، بل تستلب شخصية السلطة التنفيذية بأدواتها الأمنية والعسكرية، فيما لو كان للمحكمة هذه المؤسسة العالمية المستقلة والفعالة. بكلمة واحدة، ستكون أمريكا هي الحاكمة وحدها بأمرها أو مع رموزها، في سورية؛ لفترة ما بعد الحرب الأمريكية الآتية، وليس لما بعد ثورة الشعب السوري، تلك التي ستصبح نسياً منسياً. سوف يتحول جميع اللاعبين السابقين من سوريين وعرب ودوليين إلى فريق من (الكومبارس) المساعد.
لكن من الواضح أنه ستمر مرحلة انتقال مابين عشية الغزوة ورحيل النظام ممثلاً بتنحية رئيسه، وهذه المرحلة لن تمر بيسر ومعقولية على جميع أفرقاء الجبهات القائمة والمستجدة، لن تكون فقط مرحلة للإجهاز على بناء النظام المتداعي تحت تأثير الضربات الصاروخية التي تلقتها مراكزه العصبية، إنها الحقبة الصعبة فعلاً التي سوف تعاني خلالها جبهاتُ الصراع العسكري والسياسي جميعها من إكراهات التصفيات ضد بعضها، أو تلك التي سيضطر بعضها إلى ممارستها ذاتياً. كل هذا قد يقع، وما سواه كذلك مما لا يمكن تصوره مسبقاً، غير أن المفاجأة العظمى التي ستقلب معطيات اللوحة الحربية المنتظرة كلياً ستكون لو أن العالم استيقظ ذات صباح قريب ليستمع إلى الرئيس أوباما مخاطباً شعبه، بل جماهير المعمورة، أنه قرر العدول عن الضربة العسكرية، لن تكون محدودة ولا هي الضربة القاضية، بل ملغية تماماً، معترفاً. أنه توصّل إلى هذا الحسم السلبي نزولاً عند إرادة نواب الكونغرس المنقسمين على أنفسهم، بل إرادة ما يسميه بالمجتمع الدولي الذي لم يستجب إلى دعوة التحالف الجماعي. هذه ‘الهمروجة’ العجيبة هل سوف يفعلها أوباما عن طيب خاطر. اعتقاداً منه أنها ربما ستنقذه من أحوال الارتباك السياسي المكشوف أمام الملأ؛ لكن قد يخرج بعض خبثاء الدبلوماسية الرئاسية ليقول ان هذه القصة من أولها إلى آخرها لم تكن حقيقية في مشاهدها المعلنة، وأنها كانت أشبه بمسرحية أُجبر الرئيسُ فيها على تمثيل، دور البطل الهمام الذاهب إلى الحرب، إلى مقاتلة أعداء الإنسانية والخارجين على القانون الدولي. كان مضطراً لإعلان قرار العقوبة إنقاذاً لسمعته بعد أن اتهمته ألسنةُ الصحافة والناس العاديين بصفات التخاذل والتهرب من مسؤوليات قيادة الدولة العظمى لعالم اليوم. سوف تغدو قصة هذه الضربة مجرد مناورة، أو ظاهرة افتراضية صنعتها هوليوود البيت الأبيض، وكان مخرجها وبطلها الأول رئيس الدولة العظمى أوباما حامل جائزة نوبل للسلام.. لعله بات يستحقها من جديد!
‘ مفكر عربي مقيم في باريس