لندن ـ «القدس العربي»: في مثل هذه الأيام من العام الماضي، تعجب ما يزيد على 8 مليون مواطن من أحفاد الفراعنة الأصليين في محافظة الشرقية العريقة، من الموقف الصادم والغريب لمهاجم مانشستر يونايتد ماركوس راشفورد، الذي ترك مئات الملايين من البشر على هذا الكوكب وفي العالم الافتراضي، ليقاضي طالب في الفرقة الأخيرة بكلية العلاج الطبيعي في جامعة الزقازيق، يدعى محمد عصام، وصلت الى حد إعطاء توكيلات لـ10 محامين دفعة واحدة، لإسقاط تهمة التنمر وأخرى تحت مسمى «سب وقذف» على ابن ضواحي مركز أبو حماد، في تعليق على أحد منشورات النجم العالمي عبر حساباته في «السوشيال ميديا»، وبعد نزاع قضائي دام عدة أشهر، بهدف معاقبة الشاب إما بالحبس أو بغرامة تلامس الـ100 ألف جنيه قبل التعويم الأخير للعملة، قضت المحكمة بعدم جواز الدعوى، لكن بعدما تسبب الميغا ستار الإنكليزي في رسوب عصام، وسبقها دعوات الملايين سواء في الصلوات أو في التعليقات في مواقع التواصل الاجتماعي، أملا في رؤية العدالة الإلهية وانتقام السماء من الشخص الثري الشرير الذي حاول استغلال شهرته وجنيهاته الإسترلينية لإلحاق الضرر بشاب من الكادحين في الأرض.
مؤشرات لعنة الفراعنة
بعد مرور عام على هذه الواقعة، وضع موقع «Goal» العالمي علامات استفهام بالجملة على أداء ماركوس راشفورد مع الشياطين الحمر منذ بداية الموسم، وذلك في تقرير بعنوان «ماذا يحدث مع راشفورد؟ من نجم خارق إلى لاعب في قمة الفشل»، والسبب كما هو معروف بالنسبة لمشاهدي البريميرليغ بوجه عام والمان يونايتد بالأخص، العروض المأساوية التي يقدمها اللاعب منذ بداية الموسم، على عكس النسخة البراقة التي كان عليها في نهاية الموسم الماضي، إذ كان بمثابة العلامة الفارقة للمدرب إيريك تين هاغ، واللاعب الأكثر تأثيرا وحسما في المباريات الفارقة التي أعادت الفريق إلى دوري أبطال أوروبا، والدليل على ذلك حصوله على أصوات الجماهير في استفتاء لاعب العام، كمكافأة على النهاية السعيدة، بتوقيعه على 30 هدفا في مختلف المسابقات، كمؤشر على نجاحه في إحياء مسيرته، بعد وصوله لقاع الحضيض الكروي في حملة 2021-2022، التي ختمها بتسجيل ما مجموعه 5 أهداف فقط في كل البطولات، وما يُثير قلق ومخاوف عشاق النادي، أن اللاعب يبدو وكأنه عاد بالزمن إلى الحالة والنسخة الباهتة التي كان عليها قبل عامين، مكتفيا بتسجيل هدف يتيم من مشاركته في تسع مباريات منذ بداية الموسم، بالإضافة إلى صناعة 3 أهداف، آخرها التمريرة المعقدة التي حولها راسموس هويلند بصعوبة بالغة في شباك غالطة سراي في ليلة السقوط أمام بطل تركيا بنتيجة 2-3 في الجولة الثانية لدوري الأبطال.
أزمة ثقة
واحدة من الأمور المحيرة التي يصعب تفسيرها وتحليلها بلغة العقل والمنطق، أن راشفورد نفسه، أقر في بداية الموسم، أن المدرب أعاد اكتشافه مرة أخرى، بتوظيفه في مركزه المفضل كجناح أيسر مهاجم، بعدما اضطر للاعتماد عليه في مركز المهاجم الصريح لتعويض غياب مارسيال والوافد الجديد هويلند، حتى أنه قال بالنص في مقابلة مع غاري نيفيل: «أشعر براحة عندما ألعب في جهة اليسار، ومنذ طفولتي أرغب دائما في مشاركة اللعب، ولهذا أواجه صعوبة بالغة في اللعب في مركز رقم 9، لأنني في بعض الأحيان لا ألمس الكرة لمدة 20 دقيقة، ومن ثم تكون أول لمسة لك فرصة للتسجيل، وهذا يجعلني دائما في حالة تشغيل ذهني»، مع ذلك، لم يكشر عن أنيابه بصورة مقبولة إلا أمام نوتنغهام فورست، في المباراة التي فعل فيها كل شيء في كرة القدم إلا تسجيل الأهداف، بصناعة الهدف الأول لكريستيان إريكسن، والهدية التي سجل بها كاسيميرو هدف التعديل الثاني، ثم تحصل على ركلة الجزاء التي سجل منها برونو هدف ريمونتادا الأسبوع الثالث للبريميرليغ، وتبعها بتسجيل هدفه الوحيد في الموسم في شباك آرسنال، في القمة التي خسرها اليونايتد في شمال لندن بنتيجة 1-3، ولولا حظه العاثر، لخرج من القمة الكلاسيكية بأكثر من هدف، بعدما حرمته العارضة من هدف محقق، بالإضافة إلى التمريرة الحاسمة التي سجل منها هويلوند الملغي بداعي التسلل، لكن منذ تلك اللحظة، يبدو وكأنه يسير بخطى ثابتة من سيئ إلى أسوأ، ويظهر ذلك في انعدام ثقته في نفسه، كما وضح في الفرصة السهلة، التي أهدرها بغرابة بعد انفراده بحارس مرمى غالطة سراي من منتصف الملعب، إلى جانب سوء تقديره للمواقف وحُسن التصرف بالكرة، خاصة في اللمسة الأخيرة، حيث تجده في بعض الأحيان يغامر باللجوء للحلول الفردية في مواقف معقدة تحتاج إلى النظر بعين الاعتبار إلى مصلحة الجماعة، وأحيانا أخرى يختلط عليه الأمر، باختيار الحل الجماعي في المواقف التي تحتاج شجاعة وقرار فردي جريء، مثل الانفراد الأخير الذي فتح عليه أبواب جهنم، كدليل على معاناته نفسيا وحاجته الماسة لدعم المدرب ورفاقه في غرفة خلع الملابس، ليعود لسابق عهده، كلاعب هداف ومفتاح لعب من النوع الخارق، لما يملك من موهبة متفجرة، كمهاجم أو جناح مهاجم أقل ما يُقال عنه من الطراز العالمي، متسلحا بسرعته اللافتة سواء بالكرة أو بدونها، مع إمكانات هائلة في الاحتفاظ بالكرة وشق صفوف المنافسين بحلوله المتنوعة في المراوغة وبعثرة المدافعين، وفوق ما سبق، من المفترض أنه يتميز بالدقة في اللمسة الأخيرة أمام المرمى.
مجهول ومتورط
لاحظ عشاق النادي، أن الفتى المدلل، لم يقدم سوى ومضات نادرة في الهزيمة أمام بايرن ميونيخ في افتتاح دور مجموعات دوري أبطال أوروبا، رغم الخطأ الفني الذي ارتكبه مدرب البايرن توماس توخيل، بالاعتماد على لايمر في مركز الظهير الأيمن، وتبعها قدم مباراة للنسيان أمام بيرنلي وأخرى أمام كريستال بالاس، التي عانى فيها الأمرين من أجل خلق فرص حقيقة، وذلك في وجود هداف الموسم الماضي، الذي يحمله بعض النقاد والمتابعين، جزء من الأرقام الهجومية الهزيلة للفريق، منها على سبيل المثال وفقا لشبكة «أوبتا»، احتلال المرتبة الـ12 من حيث عدد الأهداف المتوقعة، خلف تشلسي وإيفرتون اللذان يكافحان من أجل الهروب من مراكز الهبوط، مع الوضع في الاعتبار، أن ماركوس راشفورد كان مسؤولا عن 29 % من الأهداف التي سجلها الفريق في الدوري الإنكليزي الممتاز الموسم الماضي، وهذا يعكس تأثر الهجوم الأحمر بتدهور أوضاع هدافه والأكثر تأثيرا في حصول الفريق على المركز الثالث الموسم الماضي، ولنا أن نتخيل لو كان بنفس الحالة المزاجية التي كان عليها في موسم إحياء مسيرته، على الأقل كان سيساهم في حفظ ماء وجه النادي، بوضعه في مركز قريب من دائرة المنافسة على لقب البريميرليغ، أو على أقل تقدير منافس حقيقي على المراكز المؤهلة لدوري أبطال أوروبا، وليس في مكانه الحالي في منتصف جدول ترتيب أندية الدوري الإنكليزي الممتاز، بجمع 9 نقاط فقط من أصل 21 نقطة مستحقة منذ بداية الموسم، بخلاف السقوط المؤلم في أول مباراتين في دوري مجموعات أبطال أوروبا على يد البايرن وغالطة سراي.
الدعم أو الانهيار النفسي
كما أشرنا أعلاه، يبدو واضحا أن اللاعب بحاجة ماسة لاستعادة ثقته بنفسه، وهذا الأمر لن يتحقق إلا باحتواء المدرب وصبر الجماهير عليه، ومن حسن الحظ، أن نفس المدرب الهولندي الذي شنع بالإنكليزي الآخر جادون سانشو، لظهوره بمستوى لا يقل كثيرا عن ماركوس، ما زال متشبثا بشعرة معاوية مع لاعبه المنحوس، بل أظهر له ما يكفي من دعم ومساندة بعد مباراة غالطة سراي، لافتا إلى أن ابتعاد راشفورد عن الأهداف، لا يعني بالضرورة أنه يمر بحالة سيئة أو لا يخدم المنظومة الجماعية، لكن الجميع في الجزء الأحمر لعاصمة الشمال يعتبر أن إريك تين «يتجمل ويتحايل على الحقيقة الواقع»، وذلك لعدة أسباب، ذعره من خسارة اللاعب ذهنيا، في ظل النقص العددي الحاد في مركزه، رقم إنفاق النادي هذه الملايين في الميركاتو الصيفي الأخير، حتى بديله المستقبلي، غارناتشو، ما زال في مرحلة النضوج والتطور، وسيكون من الصعب الاعتماد عليه في القوام الرئيسي على طول الخط، لعدم قدرته على القيام بأدواره الدفاعية بنفس الجودة والكفاءة التي يقدمها في النواحي الهجومية، والسؤال الذي يفرض نفسه: أين المفر من هذه الورطة؟ أن تبتسم له الكرة ويعود لإعادة اكتشاف نفسه بطريقته القديمة الفعالة، لكن إذا قرر المدرب استبعاده أو إخراجه من الحسابات، فربما يفجر مشاكل أخرى في غرفة خلع الملابس، وهذا آخر وأسوأ سيناريو ينتظره إيريك تين هاغ في أشد لحظات ضعفه بين جدران «مسرح الأحلام»، ومن ناحية المنطق والعقل، سيكون من الصعب رؤيته على الأقل على المدى القريب، دعك من حقيقة أن راشفورد هو اللاعب الأعلى جودة وموهبة وكفاءة في الفريق، فنحن نتحدث عن النجم الأعلى أجرا والأكثر شعبية بين المشجعين سواء داخل المملكة أو خارجها، فهل ينجح المدرب في مساعدة مهاجمه في تحسين دقة تسديداته وتعديل قراراته المتخبطة في الثلث الأخير؟ أم يكون قد أصيب بلعنة فرعونية أبدية بعد مقاضاته لواحد من أحفاد عاصمة مصر القديمة صان الحجر.