الجزائر-»القدس العربي»: قبل أربعة أيام من تخليد الجزائريين للذكرى الثانية من اندلاع الحراك الشعبي الذي أطاح بمنظومة حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، أعلن الرئيس عبد المجيد تبون عن عفو رئاسي في حق المساجين من معتقلي الحراك. ملف شكل محور جدل بين مكونات الحراك والسلطة والمنظمات الحقوقية المحلية والدولية على مدار السنة والنصف الماضية.
وتحول موضوع الحريات والحق في التعبير إلى قضية جدلية في الجزائر ووجهت بسببها انتقادات واسعة للسلطات واتهمت باعتماد خطاب مزدوج بعد اعتقالات طالت نشطاء في الحراك، غير أن السلطات نفت هذه التهم جملة وتفصيلا وأكدت في أكثر من مرة انه لا يوجد لديها أي معتقلي رأي في سجونها وان كل من هم في السجنون ارتكبوا جنح لا علاقة لها بحرية التعبير والرأي.
وكانت أولى عمليات الاعتقال في صفوف الحراك مع بداية شهر حزيران/يونيو 2019 أي بعد ثلاثة أشهر من تنحي الرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة بفعل ضغط الحراك الشعبي، وأثمر الضغط الذي مارسه قائد الأركان السابق القايد صالح ومطالبته بتطبيق المادة 102 من الدستور المتعلقة بشغور منصب رئيس الجمهورية، بتنحي بوتفليقة يوم 2 نيسان/ابريل.
وكان الحراك اندلع في 22 شباط/فبراير بعد حوالي 12 يوما من إعلان بوتفليقة نيته للترشح لعهدة رئاسية خامسة بالرغم من وضعه الصحي.
وجرى اعتقال ومحكمة العشرات من الأشخاص، ولعل من بين الشخصيات الشهيرة التي دخلت السجن يذكر الراحل لخضر بورقعة أحد رموز الثورة التحريرية، الذي سجن بتهمة «إحباط معنويات الجيش» بعد انتقاده لخريطة الطريق التي اعتمدتها السلطة آنذاك. إلى جانب نشطاء سياسيين وإعلاميين، على غرار كريم طابو وفضيل بومالة وسمير بن العربي والصحافي خالد درارني والصحافي مصطفى بن جامع وغيرهم.
حرية التعبير
واعتقل الصحافي درارني في شهر آذار/مارس الماضي خلال تغطية وقفة احتجاجية، ووجهت له تهمتي التحريض على التجمهر والمساس بالوحدة الوطنية وحكم عليه بالسجن لمدة سنتين وكان من المفترض ان تنظر المحكمة العليا يوم 25 المقبل في ملفه بعد الطعن الذي تقدمت به هيئة دفاعه.
وأصبح خالد درارني أحد أشهر الموقوفين خلال الحراك، واتهمت منظمات حقوقية في الجزائر وفي الخارج السلطة بالتضييق على حرية التعبير، وقالت ان تغطيات خالد درارني للحراك أزعجتها.
غير ان وزير الاتصال عمار بلحيمر نفى اعتقال خالد درارني بسبب ممارسة مهنته، ونفى وجود سجناء رأي في الجزائر، وقال إنه لا يجب الخلط بين وظيفة الصحافي وبين تصرفات الناشط، الذي يستخدمها كتمويه.
وقال في تصريح صحافي بخصوص خالد درارني «الأمر لا يتعلق في هذه القضية بجنحة الصحافة، حتى وإن كان المتهم يعمل كمراسل لوسائل إعلام أجنبية دون الحصول على اعتماد مسبق».
ونشرت التنسيقية الوطنية للدفاع عن معتقلي الرأي قائمة تحمل أسماء 66 شخصا مع تواريخ اعتقالهم والولايات التي ينحدرون منها.
وكان ملف الحريات وحقوق الإنسان في الجزائر موضوع تقارير دولية لمنظمات نشطة في المجال، على غرار «منظمة العفو الدولية» و«مراسلون بلا حدود» هذه الأخيرة التي اتهمها الرئيس تبون بالتحرك فقط ضد الجزائر. كما أصدر البرلمان الأوروبي لائحة غير ملزمة تدين فيه ما أسمـته «انتهاكــات لحقوق الإنسان والحريات الأســاسية» في الجزائر.
وكانت الجزائر قد انتقدت بشدة لائحة البرلمان الأوروبي وأصدرت بيانا أكدت فيها بأنه «لا يمكن لأي مؤسسة أوروبية التدخل بهذه الطريقة الفظة وغير المقبولة في شؤوننا الداخلية».
واعتبرت بأنها تضمنت «إهانات للشعب الجزائري ومؤسساته». وأشارت إلى أن لهجة الوثيقة «عدائية وتحمل عقلية أبوية تعود للحقبة الاستعمارية تجاه الشعب الجزائري وخياراته السيادية».
قضية نقيش تفتح النقاش حول التعذيب
فتحت قضية الطالب نقيش الذي التمست النيابة العامة في حقه السجن المؤبد بعدما وجهت له تهما خطيرة منها التعامل مع تنظيم انفصالي غير انها أسقطت هذه التهم. وكان قد حكم عليه بستة أشهر نافذة بتهمة حيازة أوراق تضر بالمصلحة الوطنية، وأطلق سراحه في اليوم الموالي من محاكته، وكان قد اعتقل في 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2019 خلال مسيرة طلابية.
وقد خلفت شهادات نقيش خلال محاكمته بأنه تعرض للتعذيب والاعتداء الجنسي أثناء التحقيق معه غضبا واسعا في الجزائر، وطالبت شخصيات حقوقية وسياسية وأيضا ناشطون على مواقع التواصل بفتح تحقيق حول الاتهامات التي وجهها وليد نقيش لمصالح الأمن التي حققت معه.
تصريحات وليد نقيش دفعت قضاء الجزائر لفتح تحقيق حول مزاعم تعرضه للتعذيب والاعتداء الجنسي خلال التحقيق معه من طرف مصالح الأمن.
وجاء في بيان مجلس قضاء الجزائر حول القضية بأنه «نظرا لما أثارته هذه التصريحات من ردود فعل وتعليقات تداولتها مختلف الصحف الوطنية وما خلفته من تشكيك وتساؤلات لدى المهتمين والمتتبعين للعمل القضائي وخاصة ما تعلق منه باحترام حرية وكرامة المواطنين المشتبه فيهم لدى توقيفهم للتحري، وللوقوف على حقيقة ما يكون قد جرى في هذا الجانب من قضية المواطن وليد نقيش، فإن النيابة العامة لدى مجلس قضاء الجزائر أمرت وكيل الجمهورية، بالسعي في فتح تحقيق ابتدائي في الوقائع المصرح بها من قبل المعني وتكليف الضبطية القضائية المختصة بذات المهمة».
قضية وليد نقيش دفعت منظمات من المجتمع المدني لإنشاء «لجنة مناهضة التعذيب» وتضم المنظمة الجديدة اللجنة الوطنية للإفراج عن المعتقلين والتنسيقية الوطنية للجامعيين الجزائريين من أجل التغيير وهيئة الدفاع عن معتقلي الرأي. وأوضح مؤسسو لجنة مناهضة التعذيب في مؤتمر صحافي أن «وليد نقيش كسر جدار الصمت من خلال الحديث أمام القضاة عن ما تعرض له. لقد كان شجاعا ومثاليا». وطالبوا في الوقت نفسه بأن لا يكون «التحقيق الابتدائي للنيابة وسيلة لتهدئة الغضب والسخط». وبحسبهم فإن «ظروف الاعتقال والسجن التي نقلها المحامون تؤكد وجود سوء معاملة وعنف وتعذيب».
أول خطوة…في انتظار المزيد
جاء إعلان الرئيس تبون بالإعفاء عن المعتقلين من الحراك، في ظروف جد حساسة تعيشها البلاد، وبعد إطلاق مشاورات مع أحزاب سياسية خاصة من المعارضة، قبل إعلانه عن حل البرلمان والدعوة لانتخابات تشريعية مسبقة وأيضا إعلانه عن تغيير حكومي يشمل القطاعات التي لم يكن وزرائها محل رضى شعبي وأيضا الرئيس بحد ذاته كما عبر عنه قبل مغادرته إلى ألمانيا لإجراء عملية على قدمه اليمنى إثر مضاعفات إصابته بمرض كوفيد-19.
ويشكل موضوع الحريات وحقوق الإنسان ملفا يثير جدلا واسعا في الجزائر وكانت محور الانتقادات التي وجهت للسلطة من طرف مكونات الحراك وأحزاب المعارضة.
واعتبرت خطوة إعلان تبون عفوه عن معتقلي الرأي ايجابية وخطوة أولى وجاء في بيان للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق بأن «الإفراج عن سجناء الرأي، وهو مجرد تعويض عن ظلم بعد عدة أشهر من الاعتقال التعسفي».
وأضاف البيان بأنهم ينتظرون «مبادرات أخرى أكثر واقعية فيما يتعلق باحترام الحريات وحقوق الإنسان والانفتاح الديمقراطي والمجالات السياسية والإعلامية القادرة على حماية النشطاء السلميين وغيرهم من النشطاء في المستقبل». ودعا «إلى فتح عملية ديمقراطية جديدة حقيقية ومتفاوض عليها قادرة على ضمان التغيير السلمي والإصلاح الديمقراطي والاجتماعي».
من جانبه عبر المحامي عبد الغاني بادي أحد وجوه الحراك عن أمانيه «ان تتجاوز السلطة مرحلة الاعتقالات إلى مرحلة الحريات» ودعا إلى شجاعة سياسية في حجم المرحلة وتحديات المرحلة وهو القول إن هؤلاء عبروا عن آرائهم السياسية وأن السلطة تجاوزت في حقهم، واعتبر في تصريحات صحافية ان هذه الإجراءات تكون «خطوة أولى في اتجاه انفراج الأزمة من الناحية الحرياتية، مع فتح كل مجالات الحريات، حتى يمكن للوضع السياسي في الجزائر ان يخطوا خطوات إلى الأمام». وأضاف «أن إطلاق سراح معتقلين بادرة خير نتمنى ان ترتفع وتيرة العملية السياسية والعملية الحرياتية إلى ما هو أكثر جرأة وأكثر تقدما».
ويرى الدكتور بوهيدل رضوان أستاذ العلوم السياسية في جامعة الجزائر ان إطلاق السجناء يعتبر إجراء جديا وهاما وحتى تاريخيا لأنه يعتبر بعثا لجسور الثقة بين الحراك تحديدا والسلطة السياسية، وهو إجراء تهدئة في هذه الظروف التي تعيشها البلاد، وقام الرئيس بفتح ورشات ومشاريع إصلاحات ويحتاج الجميع لتدعيم هذه الإجراءات» وأضاف بان هذه الخطوة «قد تحسب كنقطة للرئيس عبد المجيد تبون».
وقدر المتحدث ان «إطلاق سراح المعتقلين يعتبر طيا لصفحة من الماضي خاصة وان البعض منهم تم اعتقالهم أو سجنهم ومحاكمتهم قبل مجيء الرئيس تبون، وهو يحاول اليوم تصحيح أخطاء من سبقوه من خلال هذه الخطوة التي يحتاجها النظام مثلما يحتاجها الطرف الآخر والشعب الجزائري كافة».