الناصرة ـ «القدس العربي»: في اليوم المئة والواحد والتسعين من الحرب على غزة تسود حالة ترقّب وتأهّب شديدين في إسرائيل تحسّبا من دخول إيران على خط النار، ويتساءل باحث بارز في معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب: هل نحن في الطريق إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين إيران وإسرائيل؟ هذا التساؤل للباحث دكتور راز تسيمت الذي يقول في مقال نشره موقع دراسات الأمن القومي، إن إسرائيل وإيران لم تكونا قريبتَين إلى هذا الحد من مواجهة عسكرية مباشرة بينهما من قبل، على الأقل منذ الحديث الذي كان يدور في إسرائيل قبل أكثر من 10 أعوام بشأن إمكان ضرب المواقع النووية في إيران. كما أن اغتيال قائد الحرس الثوري في سوريا، دمشق، حسن مهدوي، والذي يُنسب إلى إسرائيل، يقرّب برأيه الدولتَين إلى مواجهة كهذه. منوها أنه بسبب التهديدات في الأيام الماضية من جانب مسؤولين إيرانيين انتقاماً من أجل العملية في دمشق، يشك في أنه من الممكن منع رد إيراني حاد وغير مسبوق ضد إسرائيل. كما يقول إنه لا يمكن تفسير أقوال القائد الأعلى لإيران في خطابه خلال عيد الفطر، والذي يقول إن إسرائيل أخطأت في اعتدائها على دمشق وعليها أن تُعاقب على ذلك، إلاّ كإشارة واضحة إلى تصميم إيران على الرد. ولذا فإن السؤال المركزي الآن ليس بشأن نية إيران الرد، إنما هو بشأن الشكل الذي ستقوم فيه بذلك. ويرى تسيمت أن الرد على هذا السؤال يتطلّب التطرّق إلى الموضوع بثلاثة أسئلة منفصلة؛ أولاً، هل أدّت الضربة في دمشق إلى تغيير في عدم رغبة إيران في الانجرار إلى مواجهة عسكرية شاملة ومباشرة مع إسرائيل، ومن الممكن مع الولايات المتحدة؟ وإن عدم الرغبة هذا هو ما كان أساس سياسة «الصبر الاستراتيجي» التي تبنّتها إيران عقب الاغتيالات لمسؤولين كبار إيرانيين في سوريا، وتم نسبها إلى إسرائيل منذ اندلاع الحرب في غزة. وفي هذه الأيام أيضاً، تُسمع في إيران أصوات تحذّر من السماح لإسرائيل، وأساساً، لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، بجرها إلى مواجهة غير مرغوب فيها مع الولايات المتحدة. إذاً، يمكن تقدير أن الرغبة الأساسية للقيادة الإيرانية في الامتناع من معركة عسكرية شاملة بقي على ما هو، وعلى الرغم من ذلك، فإن الحروب تندلع أحياناً، حتّى عندما لا يكون الطرفان معنيَين بها.
وبالإضافة إلى ذلك، يرى أن هناك سؤالاً يُطرح بشأن ما إذا كانت إيران، بسبب خطورة الضربة في دمشق – على صعيد مكانة مهدوي، وأيضاً بالنسبة إلى مكان الضربة بالقرب من السفارة الإيرانية في دمشق – جاهزة للمخاطرة بصورة أكبر ممّا كان سابقاً واستناداً إلى الأخبار التي تصدر في الأيام الماضية، والتي تشير إلى نية إيرانية بالرد على إسرائيل، فإنه يبدو أن الجواب إيجابي. ويرى الباحث الإسرائيلي أنه يجب افتراض أنه بسبب الرسائل التي تصل من الولايات المتحدة في الأيام الماضية، والتشديد على التزامها تجاه إسرائيل أيضاً من طرف الرئيس بايدن، فإن الهدف هو التوضيح لإيران أن تقديراتها المتفائلة غير منطقية، ويجب أن نأمل أن تكون الرسائل من واشنطن – وضِمْنَها الزيارة التي سيقوم بها قائد منطقة القيادة الوسطى، الجنرال أريك كوريلا، للتنسيق في إسرائيل بشأن ضربة ممكنة من طرف إيران – بمثابة إيضاح لإيران أن إسرائيل 2024 ليست السعودية التي تم ضربها في سنة 2019 باستخدام صواريخ ومسيّرات إيرانية، من دون أن يؤدي هذا إلى أي رد من طرف السعوديين أو الأمريكيين.
كذلك يرى تسيمت أنه على الهامش، فإن التصعيد الخطِر بين إيران وإسرائيل يشير إلى خطر حدوث سوء فهم بين الدولتَين في ظل غياب قنوات تواصُل مباشرة بينهما، وهذا الخطر ظهر في الماضي، في سياق إمكان تزوُّد إيران بقدرات نووية. ويمضي في قراءة الرؤية الإيرانية: «في محادثات أجريتُها هذا الأسبوع في مدريد، سُئِلتُ عن التخوُفات الإسرائيلية من سلاح نووي لدى إيران، وكان زملائي الأوروبيون يتساءلون عما إذا كان من الممكن أن يكون هناك ميزان ردع متبادل نووي بين إسرائيل وإيران، كما حدث سابقاً بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في مرحلة الحرب الباردة، فقلتُ لهم إن أحد الفوارق البارزة في الحالتَين هي أنه لا توجد بين إسرائيل وإيران قنوات تواصل يمكنها نقْل الرسائل من أجل تقليل الخطر في مواجهة مباشرة». ويوضح تسيمت أن الحوار – أو المصالحة – بين إسرائيل وإيران غير مطروحة الآن، ويشكك في أن تكون لدى الجمهورية الإسلامية أي نية لفتح قنوات تواصل (مباشرة أو غير مباشرة) مع إسرائيل طالما لا يوجد أي تغيير جوهري في القيادة الإيرانية، وبرؤيتها الأساسية التي تلغي وجود إسرائيل. ويخلص الباحث الإسرائيلي للقول إنه على الرغم من ذلك، فإن المواجهة المستمرة والمتصاعدة بين إسرائيل وإيران، وتحوُّل هذه المواجهة من مواجهة غير مباشرة (عبر الأذرع أساساً) إلى مواجهة مباشرة، ووقوف إيران على العتبة النووية العسكرية، كلها أمور تستوجب أن يتم دائماً درس إمكان بناء قنوات في المستقبل – حتّى لو كانت سرّية وغير مباشرة – بين الدولتَين، من أجل تمرير الرسائل والتفاهمات.
وكانت وكالة «رويترز» قد قالت إن إيران بلّغت الولايات المتحدة أن الرد على استهداف قنصلية طهران في دمشق سيكون محدوداً وليس تصعيدياً، وعبْر من وصفتْهم وكالة الأنباء بأنهم وكلاء إيران في منطقة الشرق الأوسط، وبعدد من الهجمات على إسرائيل. ونقلت «رويترز» ذلك عن مصادر سياسية رفيعة المستوى في سلطنة عُمان، وأضافت أن إيران طلبت من واشنطن عدم التدخّل في حال وقوع هجوم إيراني محدود على إسرائيل، وهو ما رفضه الأمريكيون.
وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قالت في بيان صادر عنها الجمعة إن وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، أكد لعدد من نظرائه في منطقة الشرق الأوسط وخارجها أن أي تصعيد إيراني سيترتب عليه ضرر كبير سينعكس في العالم كله. وأعرب البيان عن قلق الخارجية الأمريكية من التهديدات الإيرانية لإسرائيل، وأشار إلى أن الرئيس الأمريكي، جو بايدن، كان واضحاً جداًّ في تأكيد دعم واشنطن لإسرائيل، وأضاف: «لقد أوصلنا رسائل إلى إيران وإلى أطراف عديدة أُخرى في المنطقة تحذّر من مغبة التصعيد». ويكرر عدد من المسؤولين الأمريكيين تأكيدهم لجانب إسرائيل وسط تهددي مباشر لإيران بألا تهاجم إسرائيل. في هذا المضمار يرى محلل الشؤون العسكرية في صحيفة «هآرتس» العبرية عاموس هارئيل أن الهجومين الجويين المنسوبين إلى إسرائيل خلال 9 أيام؛ الأول في دمشق والثاني في غزة (مهدوي وأبناء هنية) يعبّران عن خطورة التعقيد الاستراتيجي الذي تواجهه إسرائيل في الشهر السابع للحرب ضد «حماس». وبرأي هارئيل فقد انزلقت الحرب في القطاع منذ تشرين الأول/أكتوبر إلى مواجهة محدودة مع حزب الله في لبنان، وهي تهدد الآن، وللمرة الأولى، بأن تتحول إلى اشتباك مباشر بين إسرائيل وإيران.