هل ابتدأت الحرب المذهبية في المنطقة؟

حجم الخط
0

هل ابتدأت الحرب المذهبية في المنطقة؟

د. أحمد بن راشد بن سعيدهل ابتدأت الحرب المذهبية في المنطقة؟ في أول أيام عيد الأضحي عند (الاسلام السني) علي حد قول شبكة سي. ان. ان الامريكية، تم تنفيذ حكم (الاعدام) كما تقول الحكومة العراقية، أو عملية القتل الهمجية كما وصفها الاتحاد الأوروبي. قَتلُ صدام حسين وهو أسير حرب باقرار الادارة الامريكية يضفي بعدا جديدا علي المأساة العراقية التي تكبر يوما بعد يوم، ويكرس الطبيعة الطائفية للنظام الذي يحكم بلاد الرافدين. صدام رغم كل الجرائم التي ارتكبها لم يكن طائفيا، ولم تتفجر في عهده أحقاد بين السنة والشيعة. لم يكن خطابه علي الأقل طائفيا، ولم يستدع يوما الرموز الطائفية. كان يفتخر باطلاق اسم (الحسين) علي صاروخ مصنع محليا، ولم يستخدم مثلا اسم (عمر) أو (الرشيد) أو (المنصور). لكن كلنا يعرف كيف تم تدمير تمثال أبي جعفر المنصور في بغداد، وكيف تم تغيير أسماء الشوارع والأحياء والمدن الي أسماء شيعية، وكيف تجري عمليات (تصفية) لمن يحملون أسماء (أبي بكر) و(عمر) و(عثمان) بشكل لم يسبق له مثيل في عالم اليوم، ما لفت حتي أنظار الصحف الغربية، التي تحدثت عن ازدهار تجارة تغيير الأسماء السنية مخافة القتل. لقد نظر الطائفيون الشيعة الي عملية (اعدام) صدام بوصفها تتويجا لانتصارهم (التاريخي) في العراق. منذ احتلال البلاد احتفلوا بالحدث، واستقبلوا الامريكيين استقبال الفاتحين، وحرّموا مقاومتهم، وقادوا العملية السياسية تحت حراب الاحتلال، بل شاركوا في قمع وحشي للمقاومة، وأسرفوا في استباحة دماء أهل السنة، سيما النخب والعلماء ورجال الأعمال. عندما وطئت قدما محمد باقر الحكيم أرض النجف وسط الآلاف من المحتفلين بالانتصار (التاريخي) هتف بقوة: نريد العدالة.. نريد العدالة . كان الرجل يصدر عن شعور عميق بالظلم، ويوحي لأتباعه أن (المظلمة التاريخية) التي وقعت علي الشيعة قد طويت صفحتها، وحانت ساعة التغيير. لكن كيف يتم تحقيق العدل ورفع الظلم؟ لن يتم ذلك بالطبع الا عبر الانتقام من الآخر المسؤول كما توحي أسطورة (المظلمة) عن معاناة الشيعة واذلالهم وابعادهم عن مسرح التأثير السياسي والاجتماعي والثقافي. انه بلا ريب ذلك المسلم السني، أو الناصبي، أو (العامي) كما يصف فقهاء الشيعة المنتمي الي أهل السنة. كان الحكيم يعد أتباعه لمعركة ضد أهل السنة، تتضمن تهميشهم واقصاءهم ودفعهم الي التشيع أو الموت أو التسليم لواقع جديد يصبح فيه الشيعة سادة العراق لأول مرة في التاريخ. انقضت الميليشيات الشيعية علي أهل السنة تمعن فيهم قتلا وخطفا ونهبا واغتصابا، فيما كانت القيادات الرسمية والمدنية لأهل السنة تنأي بنفسها عن الخطاب الطائفي، وتحرّم قتل الشيعة، وتدعو الي التسامح وتغليب القواسم المشتركة علي ما يفرق الصفوف ويسكب الزيت علي النار. كانت المسميات واللافتات والتصريحات الصادرة عن الطرف الشيعي ذات نكهة طائفية، فيما كان الخطاب السني أكثر تعقلا وتوازنا. هيئة علماء السنة، سمت نفسها (هيئة علماء المسلمين)، ومؤتمر أهل العراق الذي يقوده السنة، حرص علي اتخاذ اسم (العراق) الجامع هوية له، وابتعد عن المسميات الطائفية. لم يثبت أبدا أن قادة السنة الدينيين والسياسيين قد رفعوا شعارا طائفيا، أو حرضوا علي الشيعة (باستثناء تنظيم القاعدة الذي لا نعتبره ممثلا لسنة العراق، ويعرف الشيعة وغيرهم أنه يفتقر الي التمثيل الحقيقي للرأي العام السني). في تصريح له أثناء زيارته الأخيرة للعاصمة الأردنية عمان قال عبد العزيز الحكيم، ان الطرف الخاسر في أية حرب أهلية عراقية هو أهل السنة، ورد عليه بعض علماء السنة العراقيين بالقول ان الخاسر الأكبر هو العراق. أما الزعيم الشيعي مقتدي الصدر فقد خرج أمام الكاميرات ليعلن أنه لا يؤيد قتل السنة، ولكنه يؤيد قتل (النواصب)، ومعلوم أن النواصب هم أهل السنة حسب المعتقدات الشيعية. ولما أصدرت الحكومة العراقية أمرا باعتقال الشيخ حارث الضاري الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق، أعلن الصدر أنه لن يدين أمر الاعتقال حتي يصدر الضاري فتوي تحرم سفك الدم الشيعي. ومعلوم أن الضاري والهيئة التي يمثلها أصدرت بيانات عديدة تحرم فيها قتل الشيعة وغيرهم من أبناء العراق، ولكن لأمر ما اختار الصدر أن يصم السمع عن تلك الفتاوي، وأن يضرب عنها صفحا. القتل اليومي في العراق لا يتوقف، وما لا تقوله وسائل الاعلام ان معظم الضحايا الذين تظهر علي جثثهم آثار التعذيب، هم من أهل السنة، وان الحكومة تدير شبكة الارهاب الطائفية التي توزع القتل عليهم في كل شبر من أرض العراق، لا سيما العاصمة بغداد. التجربة الشيعية في العراق تذكر في بعض ملامحها بالمشروع الصهيوني في فلسطين، والمشروع الصربي في البوسنة. المشروع الصهيوني قام علي أسطورة (الشعب المختار) الذي أعطاه الله وحده الأرض من النيل الي الفرات، وعلي أسطورة (حائط المبكي) التي تكرس الحقد علي الآخر المتسبب في خراب الهيكل كما تشير الأسطورة، وتدعو الي الانتقام منه، وعلي أسطورة (الهولوكوست) التي تغرس الشعور بالظلم لدي اليهود، وترسّخ عقدة الذنب ليس لدي مرتكبي هذا الظلم المزعوم فحسب، بل لدي البشرية كافة، وفي مقدمهم العرب وأهل فلسطين تحديدا. أقام الصهاينة كيانا لقيطا في فلسطين، لفقوه علي أنقاض مجتمع مسالم تم تدميره ضمن عمليات ابادة منظمة. وجري تزييف الوقائع التاريخية والأثرية، كما غيّرت أسماء الشوارع والأحياء والمدن لكي تتسق مع أساطير يراد صنعها وتخليدها. أما الصرب، فقد قاموا بشن عدوان منقطع النظير علي البوسنة والهرسك بعد اعلان استقلالها، وقتلوا مئات الألوف من أهلها المسلمين، واغتصبوا نساءهم وصباياهم، وهدموا مساجدهم ومتاحفهم ومكتباتهم، بدعوي الثأر لمملكة الصرب التي دمرها المسلمون العثمانيون قبل خمسة قرون. مسلمو البوسنة جسّدوا وحدهم ابان حرب الابادة الصربية – الغربية ثقافة جميلة متحضرة وسط غابة من أحقاد القرون الوسطي. الآن يكرر الطائفيون الشيعة في العراق وأنصارهم في ايران بعض ملامح سيناريو هذين المشروعين الأحاديين الاقصائيين. المشروع الشيعي في العراق قائم علي أسطورة (الأغلبية) التي تزعم أن الشيعة هم أكثر أهل العراق، وعلي اعتبار ميراث البعث وصدام ميراثا سنيا، وعلي اعلاء خطاب الطائفة الشيعية المنصورة علي حد تعبير عبد العزيز الحكيم، وعلي أسطورة (المظلمة التاريخية) التي وقعت علي (أهل البيت) وأتباعهم، وعلي وجوب نفي الآخر السني، والانتقام منه بدعوي أنه المسؤول عن حدوث هذه المظلمة. القتل الطائفي في العراق كما القتل الطائفي في البوسنة كان يستهدف النخب والتجار والعلماء والأساتذة وقادة الرأي أكثر من غيرهم. وكما كان العدوان الصربي متوحشا واباديا، اتخذت آلة القتل الشيعية طابعا مذهلا في اجرامها ودمويتها، حاصدة أرواح مئات الآلاف من أهل السنة، ولم يسلم من ذلك اللاجئون الفلسطينيون في العراق الذين تطاردهم فرق الموت وتمعن فيهم اختطافا وقتلا. الخطاب الطائفي/ الايراني يشبه الخطاب الصربي في البوسنة، من حيث الاصرار علي مشاريع التقسيم ولو في ثوب الفيدرالية، بينما نلاحظ اصرار سنة العراق علي وحدة البلاد شعبا وأرضا وكيانا. يحاول قادة الشيعة في العراق، ومن ورائهم ايران، اعادة تشكيل الواقع العراقي، من خلال تكريس عقدة اضطهاد (أهل البيت)، بما في ذلك صياغة خرائط وأسماء وعناوين جديدة للمشهد العراقي. مشكلة الكثير من الشيعة أنهم يعتبرون أهل السنة (وهم السواد الأعظم في العالم الاسلامي) أعداء لهم، ويرون أن بامكانهم بناء جسور من التفاهم والتقارب مع كثير من شعوب العالم ودياناته عدا أهل السنة. ان كثيرا من السنة في مصر والشام والمغرب العربي لم يكونوا يدركون حقيقة ما يجري في العراق، لكن الأحداث الأخيرة أكدت لهم أن الطبقة الحاكمة في بغداد قامت بتسليم البلاد الي دول أجنبية طامعة أو متربصة أو ذات أجندات طائفية وشعوبية. لقد خسرت النخب الشيعية الحاكمة فرصة ذهبية للتعايش مع أهل السنة، واثبات حسن النوايا، وامكانية بناء دولة قائمة علي التعددية والتسامح والمواطنة الصالحة. كان بامكان هؤلاء أن يقدموا أنموذجا في بناء دولة حديثة بلا صبغة طائفية، وبلا أحقاد تاريخية، وبلا شهوة انتقام واندفاع محموم الي القتل الجماعي. بيد أن الطبيعة الايديولوجية المنغلقة حالت دون ذلك، فكان أن انزلقت التجربة الوليدة الي حضيض الابادة والنفي والتقوقع علي الذات. في صبيحة يوم عيد الأضحي عند أهل السنة، والذي يختار الشيعة عمدا مخالفته، تم اعدام صدام مع شروق الشمس. كان الأولي بصانعي القرار أن يتراجعوا عن الاعدام، أو أن يؤجلوه. لكن الدوافع الايديولوجية وقصر النظر والغباء السياسي حالت دون ذلك. تقدم صدام حسين الي حبل المشنقة ثابت الخطي، أمام رجال الدين الموالين لايران، وسخر منهم قائلا: هاي مرجلة؟ . لم ينبس صدام ببنت شفة طائفية واحدة، سواء أثناء فصول محاكمته الهزلية، أو حتي وهو يواجه الموت. لقد احتفظ برزانته، رغم الشحن الطائفي حوله. كان ذلك موقفا عملاقا يشي بحرص الرجل علي وحدة شعبه، واستعلائه علي الحقائق الطائفية الماثلة، رغم ما عرف عنه من بطش واستبداد. هتف الشيعة الذين كانوا يتفرجون علي المشهد: اللهم صل علي محمد وآل محمد، ورددوا أسماء بعض قادتهم، فما زاد صدام علي النطق بالشهادتين. لقد صنع القتل الدرامي من صدام بطلا تاريخيا تمت تصفيته علي يد حكومة مؤدلجة صنعها الاحتلال علي عينه. هكذا سقطت ورقة التوت عن المشروع الشيعي/ الايراني المدعوم امريكيا في العراق، ولم يعد لدي قادته ما يخفونه. لا تقية بعد اليوم، وربما كانت تلك نقطة ايجابية تمخضت عن عمليات ابادة أهل السنة، والتي توجت باعدام الرئيس السابق. لكن الشيعة مدعوون اليوم الي مراجعة حساباتهم، والاستماع الي صوت العقل. حري بالشيعة أن يعيشوا في سلام تحت مظلة سنية بدلا من أن يعزلوا أنفسهم في (غيتوهات)، أو يسعوا الي الحكم، وهم عاجزون عن استيعاب التنوع، ويعانون عقدة الاضطهاد. لقد عاش الشيعة قرونا تحت الحكم الاسلامي فلم يروا ظلما ولا هضما، وليس من مصلحة التعايش والاستقرار أن يتصدوا لادارة الشأن العام، ماداموا يمارسون الانغلاق، وينظرون الي ثقافة أهل السنة بوصفها مسؤولة عن ارث طويل ومرير من تزييف التاريخ، وسلب الحق من أهله. لننظر مثلا الي الفرق بين الأوضاع المأساوية لأهل السنة في ايران، وبين ما يتمتع به الشيعة من حقوق وامتيازات في البحرين والكويت والسعودية والتي تحكمها أنظمة سنية. لا مستقبل للحكم الطائفي الشيعي في العراق، ولنتذكر أن الدولة العبيدية حكمت مصرا، ورحلت دون أثر يذكر. أما موجة الانبهار بالتشيع والتي أعقــــــبت الحرب الأخيرة علي لبنان، فهي فورة مؤقتة، وهاهي أحداث العــــراق تؤذن بأفولها. وحده الاسلام الخالد كما يجسّده أهل السنة والجماعة في ثقافتهم وسلوكهم يمثل الحضارة والتسامح والاعتدال. أما عقيدة اللطم والنواح، أما أساطير النقاء العرقي والاضطهاد التاريخي والثأر من الآخر البريء، فليست من الاسلام، ولن تمكث في الأرض. ہ أكاديمي وصحافي من السعوديةأستاذ الاعلام السياسي بجامعة الملك سعود8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية