الهوس الذي ألمّ بالمحللين الاسرائيليين من امكانية أن يغضب حكم الجنرالات القاهري فيستهتر بالاتفاقات التي وقعتها مصر معنا ـ مضحك للغاية. ناهيك عن التراكض الاسرائيلي لضمان الا يوقف الامريكيون والاوروبيون، لا سمح الله، تسليح الجيش المصري بافضل الاسلحة، والا يوقفوا المساعدة السخية التي تتلقاها مصر بسببنا. هذا جنون شامل وفكري سيتطلب قريبا علاجا في مستشفى الامراض العقلية. منذ عشرات السنين يشرحون لنا ان اتفاق السلام مع جيراننا هو ذخر استراتيجي امنية اذا ما نجحنا في الوصول اليها ستحل كل مشاكلنا. ‘وعدتم بالسلام’، يقولون لنا ويحثون على ان نتنازل عما يوجد لنا من أجل الاتفاق؛ نتنازل عن اراض من الوطن، مناطق استراتيجية وذخائر اقتصادية. ويدعون بان كل شيء يتقزم امام اتفاق سياسي هو وحده فقط امننا الاعلى. في العصر الذهبي لحسني مبارك ايضا استخدمت السلطات المصرية الاتفاق معنا لحملنا على النزف والتنازل في جبهات اخرى، ولكن منذ ربيع الشعوب العربية، فان مفهوم اولوية اتفاق السلام بلغ السخافة المطلقة. إذن يوجد لنا اتفاق، ولكنه حجر رحى على رقابنا، فهو ليس اكسيرا يضمن الامن والسكينة، بل أداة ابتزاز ضدنا، ‘اذا لم تتنازلوا مزيدا للفلسطينيين سنلغي الاتفاق، اذا دافعتم عن أمنكم من هجمات من سيناء، سنلغي الاتفاق. اذا لم تضمنوا الا يوقف الكونغرس الامريكي توريد الطائرات والدبابات الى بلاد النيل، سيلغى الاتفاق’. هكذا أصبحنا رهينة ما كان يفترض ان يكون ضمانة للحياة الضيقة. والان نحن مستعدون لان نتنازل عن كل شيء من أجل الا نضر بالسلام. ما وعدوا به في الجبهة المصرية وعدوا به ايضا مع الفلسطينيين. هكذا وفروا لنا شركاء يطلقون الصواريخ من غزة ويبثون التحريض ونزع الشرعية ضدنا من رام الله. شرحوا في حينه ان اتفاقات اوسلو هي الضمانة الافضل لضمان السلام والامن. ولا يزالون يواصلون دفعنا نحو هوة السلام والتعهد بان هذا هو الطريق للخلاص. وفي الشمال تخيلوا فقط ما كان سيحصل الان على شاطئ بحيرة طبريا لو كنا ‘صنعنا السلام’ مع حافظ الاسد. لو كان هناك اتفاق مع دمشق لكنا ننشغل الان بالفوضى على طبريا وبناتها من الثمار الفجة للسلام: الفوضى السورية كانت ستهدد باغراقنا في جداول من الدم. صحيح أن ادارة اوباما لا تفهم هذا، مثل السياسيين الاوروبيين ذوي التقاليد اللاسامية وجمهور الناخبين الاسلامي. ولكن من يحب الحياة يجدر به أن ينعش عالم مفاهميه وان يعود الى الاصول. في كل الاحوال، ولا سيما في الشرق الاوسط المتجدد عندنا، لا يجري التخلي عن اراضي الوطن، عن عمق استراتيجي وعن قدرة للدفاع عن أنفسنا بأنفسنا، مقابل اي اتفاق. والسلام الحقيقي سيأتي، اذا كان سيأتي، فقط اذا حافظنا على انفسنا من كل هذيان الهراء المسمى سلاما.