هل ادار بوتفليقة ظهره لفرنسا؟
مدين غالمهل ادار بوتفليقة ظهره لفرنسا؟ العلاقات الفرنسية بمستعمرتها السابقة الجزائر ليست علي ما يرام وتمر في هذه الفترة باحتقان فاق التوقعات فالمؤشرات الواحد تلو الاخر تدل علي سريان هذا الاحتقان الي درجة الجمود والوصول الي التراشق الكلامي اذ اصبح كل تصريح يقابله تصريح مضاد من احد الطرفين.وزيارة فليب دوست بلازي، وزير خارجية فرنسا مؤخرا للجزائر والتي جاءت بأمر من الرئيس شيراك وشهدت العديد من التأجيل في البرمجة من قبل الجزائر حسب العديد من الاوساط المتتبعة للشأن الفرنسي ـ الجزائري وهذه الاخيرة لم تكن متحمسة لهذه الزيارة التي كان الجانب الفرنسي يلح عليها ويأمل منها اذابة الجليد الذي تكلس علي خط المرادية ـ الاليزي. ولم تفلح في رأب الصدع الذي حدث في العلاقات نتيجة افرازات مواقف وعوامل سنأتي علي ذكرها.لقد ترافق هذا الشرخ مع تقارب امريكي جزائري بوتيرة سريعة هذا التقارب استشعرت منه خلاله فرنسا فلتان الجزائر من اجندتها وهي التي كانت تعول علي الجزائر امام الاستقطاب الامريكي لمنطقة كانت الي وقت قريب حكرا علي فرنسا امام هذا المال الذي استشعرت منه فرنسا بان مصالحها في الجزائر قد تتعرض الي الاضمحلال.ارسلت باريس العديد من الرسائل المشفرة نحو الجزائر ومن بينها زيارة وزير الخارجية بغية احتواء الموقف وتلطيف الاجواء من جديد بعد الصدمة التي احدثها اليمين الفرنسي الممجد للاستعمار والذي فجر هذا الخلاف. لذا جاءت زيارة فليب دوست بلازي في هذا السياق لازالة التوتر الذي لم تكن باريس تحسب له حسابا وبلوغ هذه الدرجة من التشنج اذ بالرجوع الي النتائج المتمخضة عن هذه الزيارة وتمحيص نقاطها المتقاطعة والمدة التي استغرقتها المقابلة التي خصه بها الرئيس بوتفليفة اذ كان مقررا لها ساعة واحدة الا انها فاقت الساعتين والنصف من الزمن هذه واحدة من النقاط التي تنبيء بالاحتقان الذي يشوب العلاقات وكذا وابل الانتقادات التي وجهها بوتفليقة لضيفه حول مواقف فرنسا حيال بعض القضايا التي تهم الجزائر مثل الصعوبات التي يعاني منها الجزائريون طالبو تأشيرة الدخول الي فرنسا وكذا موقف هذه الاخيرة من قضية الصحراء الغربية اذ تعيب الجزائر عليها انحيازها الي الجانب المغربي. اذا الخلافات أضحت تطفو علي سطح هذه العلاقات.لقد عكس المؤتمر الصحافي لوزيري خارجية البلدين في نهاية الزيارة صفة التشاؤم بخصوص واقع العلاقات الثنائية وكذا عدم التوافق في العديد من المسائل التي كانت مثار الحوار والوصول الي المجادلة بين الوزيرين في بعض القضايا ووصف الزيارة بغير الناجحة من قبل الصحف الجزائرية بلازي عاد فارغ اليدين كما عنونت احدي الجرائد. وكأني بها تعيد نفس التعبير الذي ختم به بوتفليقة زيارته الاولي لفرنسا في حزيران (يونيو) 2000 حين قال في تصريح صحافي، اني عائد فارغ اليدين، فهل هذه مصادفة ام رد الصاع؟الوضع هذا ليس بالجديد علي مستوي العلاقات فلقد مرت هذه الاخيرة بمد وجزر في عشرية القرن الماضي وجفاء بلغت ذروته القطيعة ورفض اخذ الصور مع الرئيس اليمين زروال علي هامش قمة الامم المتحدة في نيويورك في 1995 وكذا ترك سفير الجزائر في تلك الفترة السيد سيد احمد غزالي (رئيس حكومة سابق) مدة 6 اشهر ينتظر موعد تقديم اوراق اعتماده لدي الجمهورية الفرنسية عندما كانت الجزائر واقعة تحت وطأة حصار مفروض غير معلن تبعات الحرب الاهلية في العشرية الماضية وهي سابقة لم تعرفها العلاقات من قبل ترك سفير 6 اشهر في الانتظار اذ كانت تعتقد بان النظام سينهار بعد الانقلاب العسكري لسنة 1992 وتصاعد اعمال العنف.اعاد الدفء الي العلاقات الرئيس بوتفليقة بعد استلامه سدة الحكم سنة 1999، لكن عاد مؤشر التصادم من جديد بعد قانون 23 شباط (فبراير) 2005 خاصة المادة الرابعة منه التي تمجد حقبة الاستعمار وبخاصة في شمال افريقيا وبالتحديد الجزائر لانها كانت تعتبر مقاطعة فرنسية الي غاية 1962، هذا الموقف اثار حفيظة السلطات الجزائرية وسخطها وكان القطرة التي افاضت الخلاف اذ وصف الرئيس بوتفليقة هذا القانون بالوقاحة وزاد في التهجم حين قال فرنسا ارتكبت اعمال ابادة جماعية خلال احتلالها الجزائر وتم حذف هذه المادة بعد تدخل الرئيس شيراك شخصيا بعد ان احدثت الجدل الحاصل او لنقل الشرارة التي اشعلت الفتيل في مسار العلاقات، والغاء هذه المادة لم يدفع الجزائر للتراجع عن الموقف المتصلب واصبحت تتطلع الي ما هو اكثر من مجرد الغاء مادة بل افتكاك اعتذار فرنسي عن احتلالها وجرائمها في الجزائر اثناء فترة الاحتلال.وبالتالي الحصول علي المزايا التي يخولها اقرار هذا الاعتذار، وهذا ما تحاول الجزائر وبالاحري بوتفليقة الحصول عليه وهذه امنيته وتشبثه بهذا المطلب مستغلا الموقف الذي هو في صالحه بالنظر الي العديد من المعطيات اذ ليس هناك احسن من استثمار هذه الفترة التي تشعر فيها فرنسا بضيق بان نفوذها في المنطقة اضحي في طريقه الي الزوال امام الزحف الامريكي المتواصل علي المنطقة واستغلال المناخ المفتوح امامها علي جميع الاصعدة. وفرنسا لا تنظر بعين الارتياح الي التنامي المضطرد لعلاقات امريكا بالجزائر والدفع القوي الذي تشهده في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والامنية والعسكرية بوتيرة متسارعة، وهذا التقارب الملحوظ تعبر عنه الزيارات المتبادلة لكبار المسؤولين السياسيين والعسكريين اذ في اقل من سنة تشهد الجزائر توافد ابرز صناع القرار في البيت الابيض الامريكي، من رامسفيلد وزير الدفاع الامريكي الي ديك تشيني نائب الرئيس الامريكي والذي له دراية كبيرة بالجزائر اذ كان يرأس احدي الشركات البترولية العاملة في حقل التنقيب بالصحراء الجزائرية وكذا زيارة كوندوليزا رايس كاتبة الدولة الامريكية للخارجية وزيارة هذين الاخيرين مرتقبة في نهاية الشهر الحالي حسب مصادر اعلامية.وان صحت هذه المعلومات فهذا التوافد المتتالي علي الجزائر دليل علي الاهتمام الذي توليه واشنطن للجزائر.والمنطقة علي العموم ضمن خطتها الاستراتيجية المتبعة في فتح منافذ اخري، وسياسة الطوق في مجال مكافحة الارهاب حسب زعمها. والاستعانة بالجزائر في هذا الخصوص وقد عبر عن هذا التعاون جون نيغروبونتي مسؤول الاستخبارات المركزية الامريكية مؤخرا.ومن الجانب الجزائري زيارة محمد بجاوي وزير الخارجية الي واشنطن فقد قال في 13 نيسان (ابريل) ان فرنسا لا تتمتع بنفس ثقل الولايات المتحدة للجزائر اذا هذا التقارب اضحي ينظر اليه بميزان القوي ورسالة مشفرة لباريس بان دورها يتقلص في الجزائر ولم يعد ينظر اليها بمنظار من يقوم بالزيارة الاولي شيراك ام بوتفليقة في سنة 2000.وزيارة احمد قايد صالح قائد اركان الجيش الجزائري الي واشنطن والكل يعلم الدور الذي تلعبه المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية وبلورة المواقف في اطار التوازنات داخل النظام في الجزائر.هذا الهجوم ان صح التعبير يزعج باريس وشعورها بان ذلك يتم علي حسابها واعطاء الظهر لها لذا تحاول الجزائر بوتفليقة استثمار تصارع القوي علي المنطقة والسباق المحموم عليها والاستفادة بذلك في القضايا التي تهمها وبخاصة قضية الصحراء الغربية، ولا نستبعد موقفا امريكيا ميالا الي كفة الجزائر وقد ابدت واشنطن اهتماما متزايدا بالموضوع مؤخرا وركوب موجة دفع الاطراف المعنية لايجاد حل سريع لمعضلة شمال افريقيا خاصة اذا علمنا ان جيمس بيكر من الساسة الامريكيين ذوي العيار الثقيل وهو الذي صاغ مقترح تسوية لمشكلة ثلاثة عقود.ومن الطرف الاخر افتكاك اعتذار من فرنسا عن ماضيها في الجزائر، وان كنا نستبعد الحصول علي هذا القرار الهام في الظرف الراهن علي الاقل نتيجة العديد من العوامل الداخلية لفرنسا اذ هي في موضع لا يسمح لها الاقدام علي خطوة مثل هذا الاعتذار جراء القلاقل التي مرت بها في الاونة الاخيرة من انتفاضة الضواحي الي اضرابات عقد العمل الي الفضائح المالية للطبقة السياسية والتي تهز اركان السلطة في الاليزي في هذه الايام، هذا الوضع المجبول بهذه المعطيات والموانع يدفع الي الاعتقاد بانه من المستحيل اتخاذ مثل هذا القرار ذي الاهمية الكبري وكذا وجود الطبقة السياسية علي ابواب الاستحقاقات الانتخابية الرئيسية والتشريعية في ربيع السنة القادمة 2007.يبدو ان حلم شيراك الذي تتوالي عليه النكبات في نهاية عهدته الرئيسية والتي تهـــــدد مســـاره التاريخي في التوقيع علي معاهدة صداقة مع الجزائر والتي اقترحها في نهاية زياته للجزائر في ايار (مايو) 2003 اصبح هذا الحلم في تعداد الماضي في الوقت الحالي اذ لا يبدو ان الامور توحي بالسير في هذا الاتجاه رغم الهرولة التي ابدتها باريس لهذه المعاهدة التي قيل بشأنها انها بين شعبين وليس بين رئيسين. اذا اصبح شرط توقيع هذه المعاهدة مرهون بالحصول علي الاعتذار اولا، ومسير معلق لمعاهدة لم يكتب لها النجاح.ہ صحافي من الجزائر مقيم في فيينا8