أنا برسكي
قبل يوم من المؤتمر الصحفي الأول الذي عقده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو منذ المصيبة وبدء الحرب، تحدثت مع أحد وزراء الحكومة. فذكر على مسمعي الادعاء الأكثر شيوعاً في الأسابيع الثلاثة الأخيرة: “رئيس الوزراء يحاول فاشلاً إعادة ثقة الجمهور. فهو يخطب بدلاً من أن يتحدث، يلتقط لنفسه الصور مع الجنود بدلاً من معانقة الناجين من المذبحة في الجنوب أو لقاء عائلات المخطوفين. ويطلق بين الحين والآخر تصريحات مصورة دون أن جديد. يعطي انطباعاً بأنه منقطع، ولا يجد مستشارين يساعدونه على الخروج من الفقاعة”.
لا أدري متى ومن أي جهة رفعت تلك الاستنتاجات في الحديث غير الرسمي هذا إلى رئيس الوزراء. لكن الحقيقة أن نتنياهو فعل أمس بالضبط ما هو متوقع منه، وحتى الآن لم يحصل.
بعد لقاء أول مع ممثلي عائلات المخطوفين، الذي تلقى انتقاداً مبرراً، حاول نتنياهو أمس مرة أخرى، هذه المرة، على نحو أوسع وبجهد أكبر، لإعادة ثقة الجمهور؛ فقد التقى ممثلي العائلات التي يحتجز أحبابها لدى حماس. وفور ذلك فعل ما لم يفعله حتى اليوم، فقد سمح للصحافيين أن يسألوه، وسمح بذلك بالبث الحي والمباشر.
لما كان يعرف جيداً أنه سيكون السؤال الأول، فقد جاء جاهزاً وكان جوابه، بالطبع، الجواب إياه. تلك الأقوال التي قيلت قبل ذلك في إطار الخطاب إلى الأمة. لم يتحمل مسؤولية، بل كان واعياً بأن عليه الإجابة عن كل الأسئلة القاسية اللاحقة.
كان المؤتمر الصحافي طويلاً قياساً لجدول الزمن الحربي، الذي يدير بشأنه رئيس الوزراء الجهد العسكري والسياسي. لم يكن هذا صدفة: فنتنياهو واع للنقد على أنه لا يهرب فقط من مسألة المسؤولية، بل من عموم الأسئلة القاسية – ومعظم الأسئلة قاسية هذه الأيام. الكثير من الأمور قيلت أمس، لكن المعجزة لم تحصل. قال نتنياهو، مرة أخرى، كل الكلمات الصحيحة، تقريباً. أطلق كل الرسائل، وشدد على كل النقاط الصحيحة. لكن كل هذا لم يقربه، عاطفياً، من جمهور المشاهدين. أو، الأصح، جمهور مشاهديه.
من غير المستبعد أن ما يمنع نتنياهو من عقد علاقة عاطفية مع الشعب المتألم والجريح هو الفهم بأن كل كلمة تخرج اليوم من فمه ستستخدم كسلاح ضده. من غير المستبعد أنه إذا ما بدأ في إعطاء أولوية للزمن الماضي وركز على ما يجري وليس فقط في الشعارات الطنانة التي تتحدث عن المستقبل، فلعله ينجح في تحطيم الحائط غير المرئي الذي يقوم بينه وبين الجمهور في كل خطاب وتصريح أطلقه في الأسابيع الثلاثة الأخيرة.
ولعل الحل ليس في كثرة التصريحات، بل بالامتناع عنها. بعد مصيبة رهيبة، في ذروة الحرب، فإن ثقة الجمهور تبنى بالأفعال، وبقدر أقل بالخطابية وإطلاق رسائل دقيقة. النتيجة غير مضمونة في كل حال، لكن التجربة تستحق.
معاريف – مقال – 29/10/2023